قد تختلف وجهات النظر حول مصنع "أجريوم"، فمن المؤكد أنه يلوث البيئة، ولكن هناك من يرى أن نقله من مكانه إلى آخر يشكل تهديدا للاستثمار الأجنبى. لكن ليس هذا ـ فى رأيى ـ هو المهم. فالدرس الأهم فيما فعله "الدمايطة"، هو أن الاحتجاجات السلمية أقوى مما نتصور، أقوى من العنف، وأنها قادرة على أن تجعل أعلى رأس فى البلد، أقصد رئيس الجمهورية، يستجيب ويقرر على لسان المحافظ أن الحكومة قررت نقل المصنع بناء على رغبة الناس، أى أن الاحتجاجات السلمية قادرة على أن تصنع التغيير فى البلد. وتفاصيل الدرس المستفاد هى أن هناك قضية عادلة ومحددة، وبالتالى ليس هناك صعوبة فى أن يجتمع الناس حولها، وأن يجتمع حولها من كل الأعمار والشرائح الاجتماعية، بل ومن كل الأطياف السياسية، بما فيها الحزب الحاكم، وبالتالى من الممكن صناعة النجاح. الأمر الثانى هو عدم استخدام أسلوب عدائى ومستفز، يعنى مثلاً التحرش بالشتائم والسباب، أو استفزاز رجال الشرطة، أو لأى طرف من الأطراف المستفيدة بشكل أو آخر من وجود المصنع أو حتى مقتنعة بأهميته. ولكن وضع الخصوم فى موقف الدفاع عن أنفسهم، لأن الإقناع هنا استند إلى مبررات وأسانيد قوية. وأظن أن هذا خلق حالة تعاطف عامة فى الصحافة ووسائل الإعلام وخارج حتى محافظة دمياط. الأمر الثالث هى الطرق التى استخدمها الدمايطة للتعبير عن رفضهم، منها مؤتمرات ووقفات احتجاجية بهتافات وصامتة، وبوسترات ويفط سوداء. أضف إلى ذلك أساليب غير تقليدية منها ارتداء الملابس السوداء وتظاهرات الأطفال والنشر الموسع على شبكة الإنترنت والموقع الأشهر الآن "الفيس بوك". وكان ومازال هناك إمكانية لوسائل أخرى كثيرة سلمية حتى يرحل هذا المصنع، ولا يذهب إلى العين السخنة، ولكن إلى مكان لا يضر أهله. المكسب الأكبر من نقل المصنع، إذا أوفت الحكومة بوعدها، هو أن الناس داخل وخارج دمياط اكتسبوا شجاعة أكثر فى التعبير عن رأيهم واكتسبوا مهارات، مهارات الاحتجاج السلمى التلقائى ولكنه منظم. وهذا بالطبع سيفيد فى قضايا أخرى يئن تحت وطأتها المصريون. الخلاصة هى أن الفوضى والتخريب، تؤدى حتما إلى تراجع الحريات وتراجع الديمقراطية، والاحتجاجات السلمية تبنى حرية وتمكن المصريين من فرض إرادتهم على الحكومة وكمان المعارضة.