07-03-2010     1198

 


 

نصر حامد أبوزيد: أمريكا تنهار والتاريخ تجاوز عصر الإمبراطوريات


محمد حربي


 
المقاومة هى العلامة الوحيدة الباقية على أن الشعوب لم تمت

قبل أن تقرأ  
فى العام 1991 أجريت معه حوارا مطولا قلت فيه " تذكروا هذا الاسم جيدا لانه لرجل خطير وهو خطير فقط لانه يفكر  
ويبدو ان السلطات الفكرية والدينية صدقت نبوءتى بحرفيتها ولم تقم بتأويلها فتعاملت مع الرجل باعتباره خطرا على السلم الأهلى والمناخ الدينى وطاردته عقليا وراقبت منه حتى النخاع " كل قفا وراءه عينان تخرقان ظلمة النخاع / تسألان عن هواجس الهوية " كما صرخ عفيفى مطر فى قصيدته الشهيرة سهرة الأشباح  
(دارت دورة الزمن وتعرض الرجل لمحنة التكفير والاتهام بالردة0 ولم يقف الأمر عند" أسوار" الجامعة كما كان واجبا ان يقف بل امتد الى ساحات المحاكم قبل ان يغادرها الى قضبان وأعمدة الصحف التى حولت الرجل الى قضية رأى عام لم يستوعب النقاش حول أمور لا يفهمها فارتكن كل الى ما يريد وصارت قضية نصر حامد أبو زيد رمزا على التباس الوعى وانقسام الذهن المصرى والعربى فى إطار سور كبير يسمونه اختصارا الوطن 0 وبعد أزمة التكفير والتطليق القسرى للزوجة بحكم محكمة _ وهو مالم يتم فى الواقع _ هاجر الرجل باجتهاده _ الذى قد نختلف معه أو نتفق _ الى هولندا حيث مارس التدريس الذى حرم منه فى جامعته الأم القاهرة  
كما مارس الاجتهاد فى القراءة النص القرآنى والواقع الفكرى سياسيا ودينيا  
ورغم غيابه عن عالمنا العربى إلا ان الرجل تحول الى رمز على غلبة الايديولوجبا الدينية المتشددة على الوعى المعرفى " الابستمولوجي" بات مطروحا أكثر فى المشهد الثقافى ربما لانه لم ينقطع عن الاجتهاد او لأننا لم نوقف آلة التكفير بعد  
أنا هنا لا أحاور نصر حامد أبو زبد المفكر المصرى المعروف حول مفهوم النص أو نقد الفكر الدينى " مشروعه الأساس " بل أحاور الواقع السياسى العربى فى تماسه مع الأصولية الأكبر فى العالم " أمريكا عبر قراءته لصعود الدين وهبوط الديموقراطية فى العصر الإمبراطورى الأمريكى ولذلك لن يعنينى كثيرا ان أتوقف لأبرئ الرجل فهو عندى ـ دون ان أتورط فى الإدلاء بآراء فقهية ـ مجتهد له أجران ان أصاب وله اجر الاجتهاد ان اخطأ كما علمنا تراثنا العظيم ذلك التراث الذى انفق نصر أبو زيد عمره يقراه ويفنده وإفادتنا قراءته حتى ولو كانت خاطئة لان إعادة تقليب تربة التراث وحرثها من جديد ثورة بحد ذاته  
فى الحوار يقترب أبو زيد ذو الحس النقدى من ملامح أولية للمشروع الإمبراطورى الأمريكى ذى النزعة الأصولية والعنصرية فى ان ويرى ان تجديد الخطاب الدينى مطلوب حتى فى أمريكا ولكن التجديد والتغيير لن يتم إلا بفعل مقاومة الدول والمجامعات المتضررة من النزوع الإمبراطورى الأمريكى  
بين حوار 1991 وحوار 2006 جرت فى نهر الحياة انهار كثيرة وأنت لا تنزل النهر مرتين كما اخبرنا هرقليطس قديما ولكنى كنت أحاور المنهج النقدى ذاته والرجل النقدى نفسه بعد ان أكسبته المحنة والغربة آفاقا أوسع للتجربة وصلابة اكبر للمقاومة  
اللافت ان نصر حامد أبو زيد يرى فى حسن نصر الله نموذجا رفيعا للمقاومة ليس بفعل الصمود فقط بل لانه يقدم نموذجا للثائر الوطنى وجيفارا المسلم الذى يتمثل القيم الإنسانية الرفيعة النبيلة فنصر الله أو حزب الله لم يتورط فى الكذب ولم يطلق رصاصة واحدة ضد مسلم أو عربى فى لبنان أو المنطقة  
ويرى المفكر العربى ان العرب ان كانوا يكرهون البيت الأبيض والبنتاجون بحسب ما ذكر استطلاع للرأى أجرته مؤسسة زغبى لاستطلاعات الرأى فإنهم يكرهون السلطة فى أمريكا بينما يحبون هوليوود ربما لأنها مؤسسة اكبر من أمريكا لان الولايات المتحدة ليس لديها بحسب رأيه ما تقدمه العالم ثقافيا وحضاريا ومن هنا تسعى _ فاشلة _ لكى تصبح " إمبراطورة وحيدة للعالم " وهذا مشروع فاشل تماما  
ويرى نصر أبو زيد ان قوى المقاومة فى العالم هى وحدها القادرة على تخليص الخطاب الأمريكى من عنصريته مستبعدا ان يتم تجديد هذا الخطاب من داخل أمريكا  
وكشف فى الحوار عن قصته مع أمريكا التى درس فيها ورفض البقاء بها بعد زيارته العلمية ثم رفض زيارتها أو بالا حرى قاطعها بعد إحداث 11 سبتمبر بسب الإهانات التى تحدث للمسلمين مع اعترافه بان حادث سبتمبر جريمة قتل مرفوضة مثلما جرائم القاعدة التى تقتل على الهوية  
وفيما يلى نص الحوار  
 
{ فى منتصف عقد السبعينات قال الرئيس المصرى الراحل أنور السادات إن 99% من أوراق اللعبة فى يدى الولايات المتحدة..هل تراه كان مصيباً فى رؤيته للواقع الأمريكي..وخاصة الآن بعد انهيار المعسكر الاشتراكى وسيطرة أمريكا على المسرح السياسى العالمي؟؟  
}} نعم، كان الرئيس مصيبا من حيث وصفه للواقع، لكن علينا أن نميز بين وصف الواقع واقع القوى الدولية وتوازناتها مع العرب أو ضد العرب- وبين محاولة تغيير هذا الواقع بكل وسائل التغيير الممكنة والمتاحة. حين أعلن الرئيس السادات ذلك كان يعلن رسالة أخرى فحواها أن علينا تسليم كل "الأوراق" للولايات المتحدة وأن نعتمد عليها اعتمادا مطلقا فى كل شيء يخص القضايا العربية من ناحية الصراع العربى الإسرائيلي. هذه جهة، أما الجهة الأخرى وهى ليست معزولة عن الجهة الأولى فهو التوجه الاجتماعى الاقتصادى من "الاشتراكية" إلى "الانفتاح الاقتصادي"، وهو توجه يستبدل القِبلة الأمريكية الرأسمالية بالقِبلة السوفيتية الاشتراكية. التحول إذن لم يكن سياسيا فقط ويرتبط بحل مشكلة الصراع العربى الإسرائيلى، بل كان تحولا استراتيجيا كاملا داخليا وخارجيا. من هنا لم يكن الإعلان مجرد إعلان، بل كان قبولا وتسليما.  
{ منذ منتصف عقد السبعينات تمارس معظم الأنظمة العربية سياسة صداقة مع الولايات المتحدة، ولكن الشعوب العربية تنظر _فى معظمها_ إلى الولايات المتحدة باعتبارها عدواً. كيف تقرأ هذا التناقض العربى، وهل هو تناقض بين الحكومات والشعوب أم أن الشعوب العربية أكثر وعياً من حكوماتها؟  
}}الشعوب تدرك بالفطرة، رغم كل محاولات التزييف والتعتيم وغسل المخ التعليمى والإعلامى، أعداءها الاستراتيجيين. أما الحكومات ـ وهى حكومات غبر معبرة عن شعوبها لأنها لم تأت بانتخابات حرة مباشرة ـ فهى تمثل مصالح طبقة أو فئة أو أسرة، وتتوجه إلى القبلة التى تتحقق من خلالها هذه المصالح، مهما كان هذا التوجه ضارا بمصالح الشعوب، أو بالأخرى بمصالح الفئات المنتجة. انظر للموقف الآن، أعنى موقف الشعوب وموقف الحكومات ـ من الحرب الدائرة فى لبنان؛ حيث تحاول "إسرائيل" تدمير لبنان كله بدعاوى تدرك الشعوب لا الحكومات زيفها. الحكومات العربية والولايات المتحدة وحلفائها معنيون بوقف كل أنواع المقاومة فى فلسطين وفى لبنان. بالنسبة لهم فالفرصة متاحة الآن. بالنسبة للشعوب لا بديل عن المقاومة، إنها العلامة الوحيدة الباقية على أن الشعوب لم تمت.  
{ كشف استطلاع أجرته مؤسسة زغبى فى خمس دول عربية ان الشباب العربى يكره البيت الأبيض والبنتاجون أو السلطة ولكنهم يحبون الثقافة الأمريكية وخاصة هوليوود كيف تفسر هذا التناقض؟  
}}إذا صحت نتائج هذا الاستطلاع، فإن كراهية البنتاجون والبيت الأبيض هى كراهية للسلطة التى تسعى للسيطرة على الشعوب من أجل مزيد من القوة العسكرية والاقتصادية. لاحظ أن الضربات التى وجهتها القاعدة انصبت على الرموز الاقتصادية برجى التجارة- والعسكرية البنتاجون، والسياسية، البيت الأبيض. هوليوود هى مدينة السينما، الفن السابع كما يقولون، فهى رمز مغاير نوعا. ثم إن هوليود ليست مؤسسة أمريكية، إنها مركز للفن يستقطب الفنانين ممثلين ومخرجين وكتابا ومصورين- من كل أنحاء العالم. أننى أقدر هذا التمييز الراقى عند الشعوب العربية بين مركز "الفن" وبين مراكز القوة والسيطرة والغطرسة.  
{ هل ترى أن سطوة البنتاجون (نموذج القوة) على مقدرات السياسة الأمريكية عبر صقور الإدارة مثل" رامسفيلد" أضعف إمكانيات الولايات المتحدة فى فرض (قوة النموذج) ( أو القوة الناعمة بحسب تعبير جوزيف ناى ) التى تمتلكها بفضل ثقافتها وفنونها وأسلوب حياتها المتعدد والحيوى فى المأكل والملبس وغيره؟وهل ترى أن سطوة العسكر تفسد صوت الولايات المتحدة التى كانت تمثل حلماً للكثيرين وخاصة فى عالمنا العربي؟  
}} أى نظام إمبراطورى والولايات المتحدة تسعى لتكون الإمبراطورية الوحيدة فى العالم- هو نظام خاسر فى القرن الواحد العشرين. الولايات المتحدة ليست لديها ثقافيا وحضاريا جديدا ما تقدمه للعالم، إنها تمثل ثقافة "الاستهلاك والإشباع" على مستويات كثيرة، ورصيدها الفكرى والفنى، وكذلك العلمى والتقنى، نابع من ثراء قادر على شراء العقول. قارن ذلك بالإمبراطوريات السابقة التى اعتمدت فى بناء نهضتها على ما ينتجه الآخرون، سواء الذين تم استعبادهم أو الذين تم شراؤهم بالمرتبات المغرية والتسهيلات الجذابة، إمبراطورية الفرس والرومان ثم أخيرا العثمانيين. انتهت الإمبراطوريات واحتفظت الدويلات المستعمرة بالتراث الثقافى والحضاري. ألولايات المتحدة أقوى وأغنى دولة فى العالم الآن، لكن ليس لديها ما تقدمة للحضارة الإنسانية. من هنا السعى الفاشل لبناء إمبراطورية، وهو فاشل لأن التاريخ تجاوز عصر الإمبراطوريات. لاحظ مقاومة "كوريا الجنوبية" لفرض أى عقوبات على "كوريا الشمالية"، شقيقتها، أليس كذلك؟ ولاحظ محاولة الشعوب الآسيوية للالتحام والتجمع، وحده العالم العربى سلم أوراقه كاملة، لكنه الأنظمة وليست الشعوب.  
{ كيف تقرأ كباحث مهتم بالأديان صعود الأصولية الدينية فى الولايات المتحدة؟ وهل ترى كما يذهب بعض الباحثين إلى أن هذا الصعود طارئ يرتبط بصعود تيار المحافظين الجدد منذ عقد الثمانينيات ام انه جوهر أصيل فى الثقافة الأمريكية التى ينادى دستورها بالفصل بين الدين والدولة ويؤكد واقعها ان الفصل التام بين ماهو سياسى وماهو دينى أمر صعب؟  
}} صعود الأصولية الدينية فى الولايات المتحدة جزء من صعود الأصوليات فى العالم كله، وما نراه من صراع فى العالم اليوم ليس إلا صراع أصوليات، تحليل الخطاب السياسى الأمريكى ومقارنته بخطاب "القاعدة" يكشف عن علاقات بنيوية وسمانتيكية (دلالية) عديدة. إن المهاجرين الأوائل كانوا فى الغالب من البروتستنت المتطهرين الهاربين من الاضطهاد. أرادوا أن يقيموا مملكة الله، وهى المملكة التى لا مكان فيها لغير المسيحيين. من هنا يجب أن نفهم تاريخ المذابح التى ارتكبت ضد السكان الأصليين، والتى ارتكبت ضد الزنوج، الذين أختطف أسلافهم من قراهم فى أفريقيا فى وقائع أصبحت موثقة تاريخيا.  
كان الفصل بين الدين والدولة محاولة لتجنب المذابح بين البروتستانت والكاثوليك، لا حظ أن اكتشاف أمريكا تم من جانب الكاثوليك، لكن أغلبية الكنائس فى أمريكا الآن كنائس بروتستنتية. الفصل إذن فصل سياسى فى حده الأدنى، لكن حتى الآن لم يعتل الرئاسة فى أمريكا رئيس ذو خلفية كاثوليكية، باستثناء جون كيندى فى الستينات، والذى تم اغتياله لأسباب ما زالت مجهولة. هل هذا مصادفة؟ من هنا تجد العلاقة بين الدين والسياسة قائمة، بل إن التعليم الدينى ومدارس الأحد مزدهرة فى ولايات عديدة فى أمريكا. هذا بالإضافة إلى أن نظام الفيدرالية يسمح بتعدد أنظمة التعليم، لهذا لم تجد نظرية النشوء والارتقاء ـ داروين ـ قبولا فى بعض الولايات، وما زال الجدل الدينى حولها قائما.  
ليس معنى ذلك القول بأن "الأصولية" جوهر أصيل فى الثقافة الأمريكية، ومن جهة أخرى يصعب الحديث عن ثقافة أمريكية واحدة، بل ثقافات لها أصول أوروبية وآسيوية عديدة، إلى جانب تأثيرات لاتينية ـ أى من أمريكا اللاتينية ـ فأمريكا جغرافيا قارة وليست بلدا، وهى سكانيا خليط من أصول إثنية وعرقية عديدة، ومن المستحيل من ثم أن نتحدث عن عناصر ثقافية تجمع كل هذا. إن فخر أمريكا أنها بوتقة انصهار للأجناس والسلالات والثقافات. الزعم الآن بوجود نمط حياة أمريكية يراد فرضه على العالم هو زعم يختصر الثقافة فى بعض تعبيراتها السياسية والاقتصادية.  
{ هل ترى أن تحالف المحافظين الجدد واليمين المتطرف فى أمريكا مرشح للاستمرار فى السيطرة على المشهد الفكرى والسياسى الأمريكى على الرغم من تردى الأوضاع فى العراق؟ وما هى أسباب استمراره؟  
}} كلما ازداد تورط الأمريكى ازداد تطرفا. لا أريد أن استشهد بالماضى ـ التورط فى فيتنام ـ ولكن اللحظة الراهنة تشهد على ذلك. التورط فى العراق، الذى صار بالفعل مستنقعا لأمريكا، يؤدى إلى مزيد من التورط الآن مع إسرائيل فى لبنان. الهدف المعلن حزب الله والأهداف الحقيقية غير خافية على أحد، ولا هم يخبئنوها. الأمم المتحدة رهينة بالكامل الآن للفيتو الأمريكي. الآن الفيتو الأمريكى هو وحده الذى يعمل رغم أن هناك أطراف أخرى تتمتع بنفس الحق. أوروبا والاتحاد الأوروبى عسكريا فى حوزة أمريكا. وأخير الأنطمة العربية فى حذاء أمريكا. لماذا نتصور أن تحالف اليمين المتطرف والمحافظين يسقط؟  
{ يذهب باحثون كثيرون إلى أن الولايات المتحدة استبدلت الإسلام كعدو بالشيوعية كيف تقرأ هذا العداء الأمريكى للإسلام؟ وهل ينطلق من أسس أصولية بسبب المحافظين الجدد ذوى الرؤى الرسالية؟ أم ينطلق من أسباب سياسية نظراً لانتشار الإسلام فى الشرق الأوسط _خزانة النفط العالمية  
}} أعتقد أن هذا طرح لاهوتى، يجب أن نحذر منه، للصراع. لا الولايات المتحدة تعادى الإسلام كدين (هناك ملايين من المسلمين يعيشون فى الولايات المتحدة، ولهم مؤسساتهم ومساجدهم وممثلون لدى الحكومة) ولا القاعدة ستقضى على الولايات المتحدة. الإمبراطورية الجديدة تريد لاهوتها الخاص شأن كل الإمبراطوريات القديمة: هذا اللاهوت بدأه فرنسيس فوكوياما 1992 بنظرية نهاية التاريخ (البشارة الدينية بنهاية العالم القديم وميلاد عالم جديد هو عالم المؤمنين سمة فى بداية كل الأديان) وطورها صامويل هنتنجتون عام 1993 بـ "صدام الحضارات،" وهى عبارة أول من صكها برنارد لويس عام 1958، ثم أعاد الحديث عنها عام 1992.  
هذا هو اللاهوت الأمريكى البشارة بالحياة الجديدة- لكنه لاهوت له تعبير أكثر تخفيا وسحرا هو لاهوت "العولمة". وأى تحليل لخطاب "العلمنة الاقتصادي" يكشف عن وجود إله لا يعصى ولا يقهر، عذابه شديد، وانتقامه من العصاة أشد، ذلك هو "السوق". مجاهدو هذا الإله هم الأمريكان، أو بالأحرى الإدارة الأمريكية التى حباها إله العولمة بكل القوة اللازمة. لا يجب علينا أن ننساق وراء هذا المنطق اللاهوتى وننسى ما وراءه، إرادة الهيمنة والسيطرة. إذا ابتلعنا الطعم العداء للإسلام- فسنتصدى لهم بلاهوتنا، سلاح الضعفاء. لكن المأساة تكون أنكى حين يوجه سلاح اللاهوت هذا للداخل فيكون ناجعا فى التدمير والخراب.  
{ هل ترى أن هناك عداء حقيقيا بين الإسلام والحداثة يستدعى هذا الخوف من الإسلام الذى عبر عنه جون اسبوزيتو فى كتابه" التهديد الإسلامى حقيقة أم خرافة"؟ وهل يمكن اعتبار الولايات المتحدة ممثلة الحداثة الغربية؟ أم أنها مرحلة انتقالية بين الإمبريالية وإمبراطورية العولمة إذا استعرنا لغة انطونيو نيجرى فى كتابه " الإمبراطورية"؟  
}} معادلة لا معنى لها حين نضع الإسلام هكذا بلا تحديد تاريخى أو جغرافى أو ثقافي- إزاء الحداثة دون تحديد أيضا. الإسلام عايش أنظمة عديدة من قبلية فى القرن السابع- إلى إمبراطورية حتى بداية القرن العشرين ثم تعايش مع الدولة القومية، وما يزال حيا حتى الآن فى سياقات وبيئات جغرافية وثقافية متباينة. الإسلام الآن حاضر فى أوروبا وأمريكا. وحين نتحدث عن الإسلام يجب أن ندرك أننا نتحدث عن المؤمنين بهذا الدين، أى عن الفاعلين الاجتماعيين. حين نقول الإسلام فى أوروبا فلا معنى للعبارة إلا أن تكون المسلمون فى أوروبا أو فى الغرب أو فى الشرق الأوسط أو فى أسيا أو فى أفريقيا.. الخ. بعض المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة تتعثر خطاها فى طريق التنمية والتحديث والحداثة. لماذا؟ هل نبحث عن العلة فى الدين ذاته، أم نبحث عن مشكلات الفاعلين الاجتماعيين، عن النظام السياسى والاقتصادى والاجتماعى الذى على أساسه يرتبون حياتهم، وعلى أساس ترتيب هذه الحياة تتحدد ثقافتهم، وعلى أساس ذلك كله يتحدد فى وعيهم معنى، أو معانى، الدين الذى يؤمنون به؟ مشكلة العالم الإسلامى أو العربى مع الحداثة ليست مشكة دينية لاهوتية.  
{ كيف تقر الاستشراق الأمريكى المعنى بدراسة الإسلام والتخويف منه فى إطار نظرية ادوارد سعيد، وخاصة عندالباحث المعروف برنا رد لويس؟  
}} برنارد لويس وأمثاله باحثون باعوا أنفسهم للشيطان. هذا يحدث فى كل بلدان العالم، حين يتحول العالم والباحث والمثقف إلى أداة. هو _أى برنا رد لويس_ فى الأخير مؤرخ متخصص فى تاريخ الإمبراطورية العثمانية، لكنه يقرأ تاريخ الإسلام فى الحروب والمعارك والمواقع مع البيزنطيين وحصار فيينا... الخ. وهو وكثيرون مثله مازالوا يعيشون التاريخ وكأنه مازال ماثلا، تماما كما يقرأ البعض عندنا تاريخ الاستعمار باعتباره تواصلا مع الصليبية، (حروب الفرنجة كما كان المؤرخ العربى يطلق عليها). على المستوى الشخصى هو شخص فضيحة، الذين حضروا ندوة "حوار الثقافات: هل هى ممكنة" فى الرباط عام 2003 واستمعوا إلى كلمته التى تعمد فيها أن يهين اسم إدوارد سعيد دون أن يذكر اسمه، وكانت الندوة كلها مهداة إلى اسم إدوارد سعيد ثم مغادرته القاعة مباشرة بعد إلقاء كلمته وقبل أن تنتهى الجلسة، الذين شهدوا ذلك يدركون الفضيحة التى اسمها برنارد لويس. فقدان النزاهة والشرف العلمى كارثة تخلع عن العالم إنسانيته مهما بلغ علمه. هذا هو برنارد لويس وهو نموذج له أشباه فى كل مكان لا فى أمريكا وحدها.  
{ كيف ترى 11 سبتمبر؟ وهل هو جريمة إرهابية؟ أم انتفاضة ضد سطوة الولايات المتحدة كما يذهب كثير من الباحثين من أمثال تشومسكى ووليام بلوم؟ وكيف تقرأ رد فعل امريكا العنيف ضد افغانستان والعراق؟  
}} 11 سبتمبر جريمة أيا كانت الأسباب والدوافع، جريمة قتل راح ضحيتها ألاف الأبرياء، وجرائم القاعدة هى القتل على الهوية لا فى أمريكا فقط بل فى العراق كذلك. هناك تمييز يجب أن يكون واضحا بين الجرائم الإرهابية وبين المقاومة المشروعة. رد فعل أمريكا هو الرد على جريمة بجرائم. القضاء على الإرهاب بوصفه جريمة كان يتطلب استراتيجية أخرى تماما غير قتل المدنيين واحتلال البلدان. المخطط الأمريكى للسيطرة على منابع النفط وعل خطوط انتقاله كان مخططا معروفا منذ حربى الخليج الأولى والثانية. الجريمة لا تبرر الجريمة، لكن الجرائم التى ترتكبها الدول جرائم أشنع.  
{ من خسر المعركة برأيك- فى 11 سبتمبر الإرهاب الذى انتشر بعدها وطال مدنا أكثر مثل مدريد ولندن وشرم الشيخ. أم امريكا التى اصدرت قوانين تقيد الحريات وتقلص من حدود الخصوصية , وكيف يمكن مواجهة الإرهاب قبل ان نحدده بدقة؟ ولماذا خسرت امريكا معركتها مع الارهاب؟  
}} الذى يخسر كل يوم هم المواطنون الأبرياء فى كل مكان: لندن مدريد وشرم الشيخ والرياض لا فرق. تقييد الحريات وتقييد حدود الخصوصية ليس خسارة لأى نظام، بل هو وبال على المواطنين. التضحية بالحرية من أجل الأمان هى أكذوبة أنظمتنا التى صارت الآن أكذوبة الغرب. لم يعد هناك فارق كبير بين الغرب والشرق. مواجهة الإرهاب لا تبدأ إلا بإزالة أسبابه، لا نتحدث الأن عن أسبابه الأساسية غياب الحريات فى المجتمعات العربية- ولا يجب أن ننسى أن الإرهاب بدأ هنا عندنا فى مصر أولا، ثم انتشر فى العالمين العربى والإسلامى قبل أن تحمله رياح العولمة إلى كل مكان. الآن يعيد الإرهاب تصدير نفسه لعقول الشباب المحبط فى كل مكان حين يتحدث عن فلسطين وأفغانستان والعراق، وهى مشكلات حقيقية أن للعالم أن يحاول جادا حلها. نعود الآن إلى ما يحدث فى لبنان من دمار شامل، والعالم ليس فقط صامتا، بل يبدو شامتا ومحبذا على أساس أنها حرب ضد الإرهاب، وهى الجريمة الكبرى التى ما يزال العالم يرتكبها: الخلط العمدى الماكر والزائف بين المقاومة والإرهاب.  
{ فى جوانتانامو، وابوغريب كما كشف سيمور هيرش مارس "الامريكي" عنفا نفسيا وجسديا ضد الاخر يذكرنا بالعنف الذى مارسه منذ البداية ضد الهندى الاحمر، وضد السود فى مراحل العنصرية كيف تقرأ التاريخ الامريكى والعنف ضد الآخر ؟  
}}تحدثت قبل ذلك عن التاريخ، ولا أريد أن أكرر ما قلت، ولا أريد أيضا أن أقع فى التعميم فأنسب ذلك العنف إلى الثقافة الأمريكية، التى سبق أن بينت أنها نسيج متعدد من ثقافات أوروبية وغير أوروبية. العنف مارسه جنود تمرينهم الوحيد هو "القتل" لا الإحتلال، القتل والقتل فقط. هذا الجندى ماذا تتوقع منه حين تسند إليه وظيفة السجان، وهى وظيفة لم يتمرن عليها. الأهم من ذلك أن المواطن الأمريكى بصفة عامة قد تربى على أن "أمريكا" هى العالم، ومدينته هى قلب العالم. العالم لا وجود له فى العقل الأمريكى المتوسط، فالأخبار المحلية لها دائما الصدارة. كان هذا يزعجنى طول وقد تعودت على تربية تهتم بشئون العالم، لأن الشئون الداخلية _مرتبطة بهذا العالم. حين قامت الثورة الإيرانية ونجحت فى طرد الشاه، كان الطلاب وبعض الأساتذة فى الجامعة غير قادرين على التمييز بين الإيرانيين والعرب. العنف جزء من ثقافة الكاوبوى، الخلافات لا تحل بالتفاوض بل بالقوة حتى بين الأشقاء. تذكر حين أنتجت هوليوود الجزء الأول من "رامبو"، ماذا كان تعليق الرئيس ريجن بعد أن شاهده ـ وهو كان ممثلا على أى حال ـ قال: هذه هى الطريقة. هذه ذهنية المواطن الأمريكي.  
{ قلت فى احدى محاضراتك فى هولندا أن الغرب عرف كيف يحل مشكلة الاختلاف فى الرأى أما نحن ففشلنا هل ترى ذلك امرا حقيقيا؟ خاصة أن أمريكا تفرض آراءها ورؤاها بالقوة ولا تقبل بالاختلاف " من ليس معنا فهو ضدنا كما حدث مع غزو العراق بحجة وجود أسلحة دمار شامل؟،  
}} كنت أتحدث عن "الديمقراطية" كمؤسسة حضارية للتعامل مع الخلافات والاختلافات السياسية داخل كل دولة. وحين تعرضت أوروبا لخطر النازية توحدت كلها فى وجهها. لم يستطع العرب أن يفعلوا ذلك حين اعتدى النظام العراقى على الكويت واحتلها. السبب ببساطة أن الديمقراطية لم تكن قد تأسست، فكيف يحارب الطغاة طاغية مثلهم إلا إذا كانوا واثقين من النصر، ولم يكن فى القيادات العربية من هو قادر على ذلك.  
الغرب فى تعامله مع العالم غير الغربى قصة أخرى، لا ديمقراطية ولا حقوق إلا إذا كان هذا العالم غير الغربى يمتلك قوة ذاتية. هذا كله انتهى بعد أن سلم السادات الأوراق كلها إلى أمريكا. لاحظ أن أمريكا ـ بكل جبروتها وسلطانها ـ غير قادرة على تنفيذ نفس السياسة ضد كوريا الشمالية ولا ضد إيران حتى الآن. لا تلم قوة الآخر، بل ضع اللوم كله على ضعفك. الديمقراطية الغربية لم يؤسسها للغرب الغرباء، بل هم تحاربوا حتى تعبوا من الحروب وقرروا أن يحلوا خلافاتهم واختلافاتهم بهذه الوسيلة. إذا أردت نموذجا للديمقراطية الناجحة والأخرى الخائبة فهى أشبه بإشارات المرور وقانون المرور، الذى تفرض قوانين السلامة على الجميع طاعته. انظر لحالة المرور فى شوارعنا وحدثنى عن مصير الديمقراطية.  
 
  تقييم المقال
المعدل: 3.87
تصويتات: 8


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من