07-03-2010     1198

 


 

قال لـ«محمد حربي»: إن صراع الحضارات غطاء بيولوجى (2ـ2)


محمد حربي


 
د. نصر حامد أبوزيد: الخطاب الدينى يحتاج لتجديد مستمر وليس لجراحة تجميل

هذا هو الخطاب العنصرى بامتياز، الخطاب الذى يناسب عقلية المحافظين الجدد. لكن ما يجهله هاتنجتون، أو بالأحرى يتجاهله، أن أمريكا آخر بلد يمكن فيها ادعاء نقاء السلالة والعنصر، وهو أمر لا يمكن ادعاؤه فى أى مكان فى العالم اليوم. فى حالة أمريكا: أين هذا الجنس؟ إنه مشابه للادعاءات الإسرائيلية بقومية يهودية أو أثنية يهودية، إنها الأساطير. لسنا إزاء صدام حضارات ولا صراع أديان، هذا هو الغطاء الايديولوجي؛ فالصراع صراع إرادات وصراع قوة. 
كانت هذه بقية إجابات الدكتور نصر حامد أبو زيد فى الجزء الأول من الحوار وإليكم الجزء الثانى والأخير من تفاصيل ما دار خلال الحوار 
{ كيف تقرأ سيرة الرئيس الأمريكى جورج بوش كنموذج لزعيم ـ يراه الكثير من الكتاب يشبه زعماء العالم الثالث الذين يعتمدون على او يوظفون الدين كورقة أساسية فى السياسة؟ وهل تحتاج أمريكا إلى تجديد لخطابه الدينى ـ إذا استعرت تعبيرك الشهير فى الكتاب الذى يحمل الاسم نفسه؟ 
}} الخطاب الدينى فى كل مكان يحتاج لتجديد مستمر؛ فعملية التجديد ليست جراحة تجميل، بل هى صيرورة. تحتاج أمريكا أكثر من أى شيء آخر إلى أن تواجهها إرادات قوية أخرى فتهزم نعرتها العنصرية الكاذبة. أمريكا هزمت فى فيتنام، وحزب الله هزمها فى لبنان عدة مرات، ونرجو أن تهزم مع إسرائيل هذه المرة أيضا. نضال الشعوب لا يقهر، ولكن السؤال هو: كيف تستعيد الشعوب قدرتها على هزيمة الطغاة. ما سيجدد الخطاب السياسى الأمريكى ويصلحه، ويصالح أمريكا مع العالم، هو قوى المقاومة فى العالم، وليس أمريكا نفسها. فى هذا السياق لا ننسى هؤلاء المفكرين الأمريكيين الكثيرين الذين ينقدون النظام ويشهرون فضائحه الداخلية والخارجية.  
{ إذا خيرت مثلا ـ وهذا خيار افتراضى ـ بين بوش وابن لادن فمن تختار ولماذا؟ أم انك سترفضهما معا؟ ولماذا أيضا؟  
}} أرفض كليهما بلا تردد. نحن الآن نعيش فى عالم يحدد مجال الاختيارات بطريقة شبه قهرية واضطرارية، ولا يمكن أن يسمى هذا "اختيارا" بالمعنى الحقيقى للاختيار. ربما الاختيار الحقيقى هو "المقاومة" الفكرية والثقافية والسياسية، وأحيانا المقاومة المسلحة. اختيار الفلسطينيين واللبنانيين ـ اختيار المقاومة ـ هو الاختيار الوحيد الصحيح المتاح ضد بوش وبون لادن. كلاهما شر لا بد من التصدى له ومقاومته.  
{ كيف تنظر الى تجربة حزب الله فى لبنان وهل نجح حسن نصر الله فى تقديم صورة الثورى المسلم " جيفارا اسلامى " ان صح التعبير؟ وهل يمكن ان تمثل تجربته الى مصالحة تاريخية بين السنة والشيعة ام ان المشروع الأمريكى الإسرائيلى فى المنطقة لن يسمح بمثل هذه المصالحة اذا قرأنا الدرس العراقى جيدا؟ أنا هنا لا انطلق من نظرية مؤامرة بل من قراءة لأبجديات المسرح العالمى رغم انه مسرح فى حالة ميوعة؟ 
}} قراءتك صحيحة إلى حد كبير، فالمشروع الأمريكى الإسرائيلى يريد تقسيم المنطقة إلى مجتمعات طائفية كما حدث فى العراق، يراد مثل ذلك فى لبنان. وهذا هو الهدف من الحرب القائمة الآن. أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية بوضوح أن الوقت صار ملائما لشرق أوسط جديد. أما تجربة حزب الله فهى تجربة المقاومة بامتياز. منذ نشأته فى الثمانينات لم يقتل مدنيا إسرائيليا واحدا، ولم يوجه سلاحه ضد أى عربي، لبنانى أو غير لبناني. أن تكون صورة "حسن نصر الله" المرفوعة الآن فى كل مكان عاكسة لصورة المناضل جيفارا، فهذا رمزيا صحيح. أعتقد أن المقاومة، فى فلسطين ولبنان، هى الرد الناجز على تردى الموقف العربى الرسمي. المقاومة تمثل تعرية للتخاذل الرسمي، ومن هنا حرص كل الأطراف ـ أمريكا وإسرائيل وأوروبا وبعض الأنظمة العربية ـ على القضاء عليها. ومن هنا واجبنا فى حمايتها والدفاع عنها مهما كان الاختلاف مع إيديولوجيتها الفكرية. 
{ أمريكا تحاول فرض الديمقراطية فى الشرق الأوسط بالقوة هل ترى ان امريكا تريد الديمقراطية فعلا فى عالمنا العربي؟ ولماذا رفضت نتائج الانتخابات الفلسطينية التى جاءت بحماس الى السلطة؟ ولماذا سكتت على تجاوزات السلطة فى مصر فى الانتخابات الاخيرة؟ 
}} للعالم العربى تجربته، أو بالأحرى تجاربه الديمقراطية قبل أن يولد آل بوش جميعا، هذا ما قاله "حسن نصر الله" فى حديثه مع قناة الجزيرة. لمصر تجربة تحديثية وديمقراطية تعثرت. العالم العربى فى قلب المخاض، أمريكا تجهض هذا المخاض بتدخلها؛ ذلك أن الديمقراطية المفروضة من أعلى ـ من الداخل أو الخارج ـ هى الديمقراطية الإجرائية، ديمقراطية الانتخابات وبيع الأصوات والمتاجرة فيها... الخ. الديمقراطية أساسها الحريات، وفى القلب منها الحرية الفردية للرجل والمرأة سواء بسواء، حرية التفكير، حرية التعبير، حرية الاختيار، حرية اتخاذ القرار على كل المستويات والأصعدة بعيدا عن ضغوط الأسرة ـ الزوج يضغط على الزوجة، الوالدان يضغطان على الأبناء ويحددان مصائرهم ـ وضغوط القبيلة وضغوط المجتمع. الحرية الفردية هى أساس كل الحريات، ولاديمقراطية حقيقية فى غيابها. 
{ هل أمريكا دولة ديمقراطية فعلا إذا عدنا الى سيطرة النخبة اليمينية على الحزبين الكبيرين وسرقة أصوات الناخبين خاصة السود فى فلوريدا كما قال مراسل الاندبندنت فى لوس انجلس اندرو جامبل فى كتابه " اسرق هذا الصوت " فى انتخابات 2000، كما ان انتخابات 2000 انتهت بقرار المحكمة العليا؟  
}} نحن نلخص الديمقراطية فى الانتخابات ونسلبها بعدها الأساسى وهو الحريات. إذا نظرنا للديمقراطية من منظور الحريات لايمكن إنكار وجود الديمقراطية فى أمريكا. الانتخابات لعبة سياسية لها قوانينها التى لا تلغى دولة المؤسسات. من الضرورى التأكيد أن سياسة الولايات المتحدة العليا ـ الاستراتيجية ـ لا يرسمها هذا الرئيس أو ذاك. إن الاختلاف بين الإدارات يكمن فى الإجراءات التنفيذية. من هنا خيبة السياسة العربية حين تركز على شخص الرئيس فتبنى توقعات وهمية. كون نتيجة الانتخابات حسمت بقرار المحكمة العليا يعنى سيادة دولة القانون. 
{ فى انتخابات 2004 برز صوت الكنيسة بشكل لافت فى ترجيح كفة بوش و كيف تقرأ ذلك وهل كان نوعا من تحجيم الصوت الإسلامى الذى برز فى عام 2000 ام ان التفاف التيار المسيحى المتطرف مع المحافظين الجدد كان وراء البروز الكنسى فى الانتخابات، وهل ترى إمكانية تعايش حقيقى بين الكنيسة والديمقراطية؟ 
}} صوت الكنيسة الكاثوليكية بارز فى السياسة الدولية منذ بداية الحرب ضد الشيوعية فى بولندا. تحالفت الكنيسة ـ والأزهر بالمناسبة فى عهد كارتر حين زار الشيخ عبد الحليم محمود أمريكا وخطب فى الكونجرس عن التحالف ضد الكفر والإلحاد الدوليين ـ مع النظام الأمريكى لدحر الشيوعية. الكنيسة فى أمريكا حاضرة دائما فى السياسة بشكل ديمقراطي؛ لأن الكنيسة جزء، أو صارت جزءا- من مؤسسات المجتمع المدني. لا تعارض بين الكنيسة والديمقراطية؛ إذ ان المؤسسة الدينية تدمقرطت منذ ترنحت قوتها تحت ضغوط الحداثة.  
{ تدعو طوال مسيرتك الفكرية الى ضرورة تجديد الخطاب الدينى الإسلامى كشرط أساسى للتطور وتطالب الإدارة الأمريكية النظم العربية بالمطلب ذاته كيف تنظر إلى الدعوة الأمريكية لتجديد الخطاب الإسلامى وما هى برأيك مسئولية أمريكا فى انتشار الخطاب الإسلامى المتطرف؟ 
}} مطلب تجديد الخطاب الدينى ـ أو بالأحرى نقد الخطاب الدينى (وهو عنوان كتابي) ـ مطلب ملح عربيا وإسلاميا. أن تأتى أمريكا وتتبنى الشعار ـ دون المضمون ـ لا ينبغى أن يزعجنا؛ فيركبنا العناد ونتخلى عن مطلب ملح من مطالب نهضتنا. مسئولية أمريكا فادحة، منحت الخطاب المتطرف كل قنوات العولمة حين حولت الحرب ضد الإرهاب إلى حرب ضد المسلمين. لكن علينا أبدا ألا ننسى أن الخطاب المتطرف هذا ولد فى رحم أنظمتنا السياسية والاجتماعية والثقافية المتطرفة. إنه ليس كائنا فضائيا لا جنسية له، إنه فى الأصل عربى عربى ولا فخر. أمريكا مسئولة؟ نعم، ولكنها لم تخلق التطرف والإرهاب من عدم.  
{ أمريكا هى شيطان اكبر كما يذهب الإيرانيون أم حلم يراود مخيلة الكثيريين من العرب أم أنها غلطة كبيرة كما قال فرويد؟ أم طليعة الانحطاط كما قال جارودى ـ ماهى امريكا فى رأيك ومن هو الامريكي؟ 
}} ما أسهل شيطنة الآخر، الأمر الذى يطرح الأنا بوصفها ملاكا. هل نتحدث عن أمريكا أم عن السياسة الخارجية الأمريكية. الشيطان -دينيا ورمزيا- هو الوجه الآخر للمقدس، يبقى ببقائه ويفنى بفنائه. لا وجود للمقدس دون قناعه وهو الشيطان، ولا وجود للشيطان إذا لم يوجد المقدس. نحن إزاء ثنائية الخير والشر، وهى ثنائية لا مجال لها ـ أو لاينبغى أن يكون لها مجال ـ فى التحليل السياسي. كلام جارودى أوهام إيديولوجية تماثل إيديولوجية الشيطنة. ونفس الأمر ينطبق على الفرويدية. أمريكا قوة سياسية واقتصادية وعسكرية تبغى السيطرة على العالم ـ الشرق الأوسط وإفريقيا بصفة مبدئية ـ من خلال خلق تحالفات مع أوروبا وترضيات فى آسيا. إسرائيل فى الشرق الأوسط هى ذراعها التنفيذية، ومن ثم الحرص على تسليحها وضمان تفوقها العسكرى والاقتصادى فى المنطقة. نعود إلى بداية سعى أمريكا لملء الفراغ فى الشرق الأوسط، وهو الفراغ الناتج عن ضعف السيطرة الإمبريالية لبريطانيا وفرنسا، والذى لم تولد قوى محلية لملئه. تطورة تكتيك ملئ الفراغ إلى محاولة خلق تحالفات ـحلف بغداد ـ لم تنل نجاحا بحكم المقاومة الناصرية. كانت الخطوة التالية سحق هذه المقاومة فى حرب الأيام الستة. فى السبعينات سلمت كل أوراق اللعبة لأمريكا ـ السؤال الأول ـ وهكذا تدحرجت الأمور حسب تعبير "عزمى بشارة". هل ما يزال هذا الفراغ قائما؟ الآن أمريكا تحتل العراق، وإسرائيل تحتل فلسطين وتحاول القضاء على لبنان، ولم يبق غير المقاومة. هذه أمريكا بلا رتوش ولا أغطية سيكولوجية أو إيديولوجية ولا شيطنة.  
{ تذهب منار الشوربجى الى ضرورة فهم امريكا الاخرى غير تلك التى غرقنا فيها بسبب احادية الرؤية، وسطوة الصراع العربى الاسرائيلى كمنظور وحيد للاقتراب من فهم امريكا ـ كيف ترى قضية فهم امريكا وماهى ضرورات هذا الفهم وآلياته من وجهة نظره؟ 
}} هذا أمر ضرروى وحيوي، الفهم والتحليل وسبر الأغوار من أكثر من زاوية. لابد من اقتحام الداخل الأمريكى الذى يكاد يكون مغلقا عما يدور فى الخارج. صورة أمريكا فى ذهن المواطن الأمريكى العادى تكاد تكون صورة مثالية. نسى الأمريكى العادى فيتنام، وعلى العربى أن يعيد تذكيره بالاتصال المباشر وتقوية اللوبى العربى والإسلامي. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لا بد من التواصل مع أفكار وأطروحات الثقافة النقدية داخل الولايات المتحدة وأوروبا، لا من أجل تأكيد وجهة نظر العرب فقط، بل من أجل نقدها كذلك.  
{ العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من أكثر العلاقات رسوخا فى التاريخ المعاصر ويذهب وليام بلوم صاحب كتاب الدولة المارقة الى ان حل مشكلة الإرهاب التى يهدد أمريكا يمكن بجعل إسرائيل دولة أجنبية؟ كيف تنظر الى تلك العلاقة من منظور الباحث فى الأديان وهل يمكن ان تتخلص أمريكا من سطوة اللوبى الإسرائيلي؟ 
}} أعتقد أن العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة أعقد من أن تكون مجرد علاقة سياسية وعلاقات مصالح متبادلة. إسرائيل هى الحلم الذى أراد المستوطنون الجدد فى الأرض المكتشفة إقامته ـ مدينة الله أو أورشليم الجديدة ـ ولا حظ التوازى بين ما فعله اليهود فى فلسطين والفلسطينيين وما فعله الموستطنون الجدد بالسكان الأصليين. فبعد مذبحة جيمس تاون عام 1622 ضد الهنود الحمر أصبح إفناؤهم برنامجا للمستوطنين فى نيوإنجلند. وبرر البروتستانت البيوريتانيون حقهم فى الأرض إيديولوجيا بصراحة، حيث كانوا يطمحون أساسا إلى تحقيق تصوراتهم المثالية السياسية ـ الدينية حول تأسيس "أورشليم الجديدة" فى العالم الجديد. فكما كانوا يعتبرون أنفسهم "شعب إسرائيل الجديد"، كانو ينظرون بعد "الهجرة من مصر" إلى أرض الهنود الحمر باعتبارها "أرض كنعان" التى أهداها الرب إليهم. فالاستيلاء عليها من "الكنعانيين" و"الأدوميين"، أى الهنود الحمر، وإبادتهم بالسيف والنار، كان يتفق وفهمهم للعهد القديم باعتباره إرادة الرب المنزلة وبشرى الخلاص. وتحت تأثير معطيات الاستعمار الاستيطانى السائدة، برزت الإيديولوجية البروتستانية البيوريتانية السائدة فى نيوإنجلند التى اعتبرت الهنود الحمر "أبناء الشيطان" ومن حق المستوطنين الاستيلاء على أرضهم وإبادتهم وضميرهم مستريح. هذا يجعل الحل فى أيدينا لا فى يد أمريكا. الانتظار حتى تتعقل السياسة الأمريكية سيطول طالما أن درجة المقاومة الرسمية والشعبية "صفر". فَشَل السكانُ الأصليون فى مقاومة المحتلين لأنهم قاوموا بالأساطير القوة العسكرية، أخشى أن يكون هذا مصيرنا لو فعلنا نفس الشيء. 
{ كيف تقرا أزمة الدراسة التى نشرها ستيفن والت عن اللوبى الإسرائيلى وأثارت ضجة كبيرة؟ هل فقدت أمريكا مناعتها الأكاديمية وهل نحن إزاء مكارثية جديدة يتعرض لها المفكرون المختلفون مع النظام؟ 
}} أى نظام سياسى حين تنكشف فضائحة فى مجتمع ديمقراطى يسعى بكل الوسائل (القانونية) لكبت أصوات المعارضة، لكنه لا ينجح فى المجتمعات الديمقراطية، أو غالبا ما يكون نجاحه جزئيا ومؤقتا. المكارثية نجحت فى أمريكا لبعض الوقت، لكنها الآن غير قادرة على تحقيق مثل ذلك النجاح. الدليل هو التصدى الداخلي، أى من داخل الأكاديمية ضد هذا التدخل. قارن ذلك بوضع أكاديمياتنا العربية. 
{ تلقيت منحة دراسية من مؤسسة فورد الامريكية منتصف عقد السبعينيات للدراسة فى الجامعة الامريكية هل لك أن تلقى لنا الضوء على هذه المنحة وظروف دراستك فى الجامعة الامريكية انذاك فى عقد السبعينات الملتهب بأسئلة والارتباط بأمريكا فى الخطاب السياسى العربي؟ 
}} كانت مجموعة من المنح قدمتها الجامعة الأمريكية للجامعات المصرية لتمكين المعيدين من دراسة اللغة الإنجليزية لمستوى يمكنهم من كتابة رسائل الماجستير والدكتوراة باللغة الإنجليزية. كانت هذه هى البداية عام 1975، وكنت فى مرحلة إنهاء رسالة الماجستير باللغة العربية فى قسم اللغة العربية بأداب القاهرة عن "قضية المجاز فى القرآن عند المعتزلة" ـ نشرت بعد إنجازها بعنوان "الاتجاه العقلى فى التفسير" بالمركز الثقافى العربى ببيروت والدار البيضاء- ورشحتنى الجامعة ودرست فى الجامعة الأمريكية لمدة عامين تعلمت خلالهما الكثير بالإضافة إلى إجادتى للغة الإنجليزية قراءة وكتابة وكلاما. بعد عام واحد أى فى عام 1978 تلقت الجامعة منحتين دراسيتين من مؤسسة فورد لدراسة الفولكلور (مناهج الجمع والتصنيف والعمل الميداني) فى جامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة. كان من أهم شروط المنحتين أن يكون المرشح حاصلا على الدكتوراة، وحين عرض الموضوع على مجلس قسم اللغة العربية ـ وكنت مدرسا مساعدا آنذاك، بمعنى أننى حاصل على الماجستير، وما زلت فى مرحلة إعداد الدكتوراة، أى أن شروط المنحة لا تنطبق على ـ لم يتقدم للترشيح للمنحة سوى الدكتور أحمد على مرسي، الذى كان أستاذا مساعدا للدراسات الشعبية بالقسم. ومعنى ذلك أن القسم كان سيرشح مرشحا واحدا ويعتذر عن الترشيح للمنحة الثانية. وهنا طلبت من القسم ترشيحى بدلا من الاعتذار، على الأقل سيكون الرفض من جانب الجهة المانحة أفضل من اعتذار القسم الذى قد ينتج عنه عدم تكرارالمنحة. كان هذا منطقى الذى وافقنى عليه الأساتذة. هكذا تم ترشيحى رغم أننى لم أكن حصلت على الدكتوراة بعد. وبفضل جهود الدكتور أحمد مرسى ومساعدة رئيس الجامعة آنذاك تم إقناع المسئولين بعمل أمتحان شفوى فى شكل "مقابلة سخصية" لي.  
نحجت فى الامتحان الشفوي، وكان السؤال الملح للمسئول هو ما إذا كنت أنوى اهتبال الفرصة للإقامة فى الولايات المتحدة. وحين سألنى عن الضمانات أن ذلك لن يحدث كانت إجابتى الحاسمة أننى لا أقبل عن وطنى بديلا. كان الظروف السياسية الداخلية قمعية، خاصة بعد مظاهرات الخبز فى يناير 1977، هذا بالإضافة إلى أن الزيارة الأولى للقدس كانت قد تحققت، وكانت مباحثات السلام فى كامب ديفيد قد بدأت. فى أمريكا شهدت توقيع اتفاقية "كامب ديفيد" بين السادات وبيجن، وعشت لحظات المهانة على الهواء مباشرة. عشت أيضا مع المبعوثين العرب لحظات الشجار باسم الحكومات، وحضرت لقاء لرئيس مجلس الشعب أنذاك ـ وكان رئيسا لجامعة القاهرة قبل ذلك، الدكتور صوفى أبو طالب ـ بالطلاب المصريين، واشتبكت معه فى جدل عن الديمقراطية والخصوصية.. الخ.  
بالإضافة إلى الفوائد العلمية والأكاديمية التى أفدتها خلال المنحة التى امتدت حتى نهاية عام 1979، تعرفت على المجتمع الأمريكى من الداخل. ليس من قبيل التفاخر أن اذكر الآن أن الأستاذ العراقى الأمريكى الشهير بجامعة هارفارد محسن مهدى عرض على أن أكمل رسالتى عن "تأويل القرآن عند محيى الدين بن عربي" معه فى هارفارد، على أن يعيننى مساعدا له بعد ذلك، واعتذرت. حين زرت جامعة هارفارد عام 1999 والتقيت بالأستاذ ـ وهو بالمعاش لكنه ما زال يسكن فى هارفارد ـ سألنى ضاحكا: ألا تحس بالندم أنك لم تقبل عرضى منذ عشر سنوات؟ ضحك قبل أن أجيب وقال: أعرف إجابتك. سافرت بعد ذلك لأمريكا عدة مرات محاضرا وزائرا. بعد 11 سبتمبر قاطعت أمريكا تماما واعتذرت عن كل الدعوات مبررا اعتذارى بالإهانات التى يتعرض لها الزوار من العالم الإسلامى خصوصا. لمن لا يعرف أنا ما أزال مصريا، ولا أحمل أى جواز سوى الجواز المصري. بعد أن استقرت قواعد التعامل مع القادمين سافرت العام الماضى ـ مارس عام 2005 ـ وفى كل محاضراتى كان نقد السياسة الأمريكية يلقى ترحيبا من المستمعين. هذه قصتى بالتفصيل مع أمريكا.  
{ كيف تقر انتشار الجامعات الأمريكية, ومعاهد الدراسات الامريكية فى العالم العربى حاليا وهل تراها ظاهرة طبيعية تأخرت بعض الشيء أم أنها جزء من حملة علمية توازى الحملة السياسة ـ مع أنى لست من انصار نظرية المؤامرة. 
}} ما يشغل الإدارة الأمريكية الآن هو تحسين صورة أمريكا فى عيون العرب، لكن ذلك يتم بعقلية دعائية ودوجمائية: محطات تليفزيون ـ الحرة ـ تعريب بعض المجلات مثل النيوزويك والإكونوميست. قناة الجزيزة بصدد إنشاء قناة باللغة الإنجليزية، معظم العاملين فيها أمريكان. انتشار الجامعات الأمريكية، أو تزايد علاقات التعاون والتآخى بين بعض الجامعات الخاصة وبعض الجامعات الأمريكية، لا يدخل فى باب المؤامرة، بقدر ما هو استجابة ضرورية لخلق كوادر وظيفية تقنية للشركات العابرة القارات من جهة، وتحقيق وإشباع احتياجات تعليمية لأبناء الفئات الجديدة فى المجتمعات العربية، خاصة أبناء الأغنياء الجدد. ربما يؤدى ذلك تدريجيا للقضاء على التعليم الوطنى الذى يعانى من نقص بشرى وتقنى ومكتبى ومبان يزيد منه تخلى الدولة ـ أو الدول العربية- تدريجيا عن دعم التعليم، بنقله من مجال "الخدمات" إلى مجال "الاستثمار". من الصعب التمييز بين المؤامرة والتبعية هنا.  
{ ماهو جديد الدكتور نصر؟ وماهى أخبار مؤسسة تجديد الفكر العربى التى ترأسها وتنطلق من بيروت؟ 
}} لعلك تعلم أننى أشغل الان كرسى "ابن رشد" بجامعة الإنسانيات فى أوترخت، وإن كنت ما أزال أستاذا بجامعة ليدن ليوم واحد فقط أسبوعيا. الجديد هو الانتقال فى تحليل القرآن من "مفهوم النص" إلى "مفهوم الخطاب"، والفارق كبير منهجيا من حيث النتائج والاستنباطات التاريخية. كان هذا موضوع محاضرتى للكرسى فى مايو عام 2003، وقد نشرت بالإنجليزية، ولكنى أعد ترجمة عربية موسعة لها تنشر بالعربية. انتهيت من دراسة نشرت بالإنجليزية أيضا منذ عدة أشهر عن "إصلاح الفكر الدينى من منظور تاريخى نقدي"، وهذه الدراسة تم الاستشهاد بها كثيرا فى التقرير الذى تقدم به المجلس الأكاديمى للحكومة الهولندية فى أبريل هذا العام عن "العالم الإسلامى والسياسة التى يجب تبنيها إزاءه". ولأن التقرير نقد بشدة النظر السياسى للإسلام والمسلمين من منظور استاتيكى غير تاريخي، منظور يتجاهل التنوعات التاريخية والثقافية للعالم الإسلامي، كما يتجاهل التطور الحادث فى إطار الفكر السياسى الإسلامي، فقد تعرض لهجوم اليمين السياسى العنصرى ومفكريه فى هولندا. لكن النقاش حول التقرير، والذى ساهمت فيه مساهمة ملموسة- غير الى حد كبير من قناعات أغلبية السياسيين. وهذه نتيجة توقعتها. 
المستقبل عندى مليء بالأعباء. انتظر بلوغى سن المعاش هنا ـ بعد عامين بالتمام والكمال ـ لأعود نهائيا لمصر لأتفرغ لأمرين: ترجمة الموسوعة القرآنية (خمس مجلدات) من الإنجليزية إلى العربية، والعمل فى نفس الوقت وبالتوازى على إنجاز تفسير للقرآن. هذا أمر يحتاج لتفرغ كامل، ونسأل الله الصحة وطول العمر. 
المؤسسة قمنا بحلها فى مارس هذا العام، بسبب عدم تلقينا أى تبرعات بعد المليون دولار الأول، والتى أنفقت فى ترجمة وطبع بعض الكتب المهمة. العجز عن اجتذاب تبرعات ليس عجزنا بقدر ما هو جبن المال العربى الكثير عن مساندة مشروعات حقيقية. كنت صاحب اقتراح الحل؛ لأننى منذ البداية أعلنت أننا لو نجحنا فلن يكون النجاح لنا كأشخاص، ولو فشلنا فلا تحملونا أوزار الفشل. نحن نعمل فى سياق ثقافى واجتماعى وسياسى ولسنا نعمل فى فراغ. أعلنا قرار الحل لجميع الصحف، وإن كنت قد اقترحت عمل مؤتمر صحفى فى بيروت لإعلان الحل، لكن أحوال بيروت ـحماها الله وحمتها المقاومة- لم تسمح لنا بذلك. 
 
  تقييم المقال
المعدل: 4.55
تصويتات: 9


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من