07-03-2010     1198

 


 

زعيم «حزب الله»: أنفى نفياً قاطعاً أى عمليات عدائية ضد مصر


عبدالله السناوي


 
موعد مع «حسن نصر الله»

قضيته يلخصها سؤال واحد: «كيف ينجو بلبنان من الوضع الصعب فى الإقليم؟» 
العالم العربى متراجع والموقف مع إيران غير قابل للتفسير والموقف المصرى يدعو للتساؤلقلق من أية تأثيرات سلبية للانتخابات العامة المقبلة على السلم الأهلي 
بدا زعيم «حزب الله» قلقاً على لبنان ومصيره فى أجواء إقليمية جديدة، فالرسائل فى المنطقة متضاربة، ولا أحد بوسعه أن يعرف بدقة: إلى أين تمضى تفاعلاتها وصراعاتها ومصائرها، وأخذ لخمس ساعات كاملة يروى لـ«محمد حسنين هيكل» تفاصيل كل ما جرى فى لبنان وما حولها فى الفترة الأخيرة، كان متدفقاً ومسهباً فى الحديث من الساعة العاشرة من مساء الثلاثاء الماضى إلى قرب الفجر. كان الوضع فى لبنان أكثر ما يقلقه، وقد تطرق فى هذا الحوار المطول إلى التحولات الإقليمية والأدوار التركية والإيرانية والمصرية على مسارح عاصفة بالنذر والأخطار مع صعود «نتنياهو» إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية.. لم يكن الرجلان قد التقيا منذ أربع سنوات، ورغم أن الرسائل والاتصالات لم تنقطع بينهما، خاصة فى اللحظات الحرجة أثناء الحرب على لبنان فى يوليو 6002. إلا أن اللقاء الشخصى على انفراد له طبائعه الخاصة، فكل شيء يجرى على سجيته، والحوار مفتوح على ملفات معقدة وحساسة، والوضع فى لبنان له تعقيدات وحساسيات مضافة. 
لم يكن هناك ترتيب مسبق لهذا الموعد المثير فى توقيته وفى تفاصيله، و«هيكل» وحده صاحب الحق فى كشف ما جرى فيه، ولم يكن هناك جدول أعمال للحوار، وعندما وصل «هيكل» إلى مطار بيروت الدولى، دون أن يخبر أحداً من الشخصيات السياسية أو من الأصدقاء القدامى عن هذه الزيارة المفاجئة، باستثناء أسرة صديقه القديم السفير اللبنانى الراحل «نديم دمشقية» الذى جاء ليعزيها فيه، كان «حسن نصر الله» أول من عرف، واتصل بـ«هيكل» طالباً اللقاء فى ذات اليوم. 
وفى نحو التاسعة والنصف من مساء هذا اليوم جاءت سيارة خاصة إلى فندق «فاندوم» لنقل «هيكل» إلى حيث التقى «نصر الله»، وكانت الإجراءات الأمنية مشددة، وبدا «هيكل» متفهماً لاعتبارات سلامة أمن رجل تطلب رأسه إسرائيل، أو أن هذا من أعز أمانيها، وفى الطريق بدت العاصمة اللبنانية، والأمطار الشديدة تغمرها، كمن ينتظر مصائره تحت العواصف.. وكان «هيكل» -بطبائع الصحفى فيه- يريد أن يسمع وأن يتعرف -بالتفاصيل- على حقائق ما يجرى فى لبنان، وعلى رؤية لاعب رئيسى وجوهرى فى تفاعلاته لما يجرى حوله فى الإقليم، وكان «نصر الله» يريد أن يستمع طويلاً وملياً لما يمكن أن يقوله «هيكل» وينصح به وسط أنواء عاصفة من التحولات والأخطار.  
وقد يبدو مثيراً أن الحوار المطول بدأ فى العاشرة مساء، وهو الموعد المعتاد أن يذهب فيه «هيكل» للنوم، لكن مع مضى الوقت وحرارة الحوار بدا «الصحفى العتيد» مستعداً أن يمضى فى المداخلات والمناقشات حتى وقت متأخر من الليل، وأن يكون مستعداً -فى ذات الوقت- للقاء رئيس الجمهورية فى التاسعة من صباح اليوم التالي. 
بدت أمامه كصحفى -والصحافة عشقه حتى لو جاءت مواعيدها على غير تخطيط أو تدبير- فرصة أن يلتقى فى صباح هذا اليوم الرئاسات اللبنانية الثلاثة -رئيس الجمهورية «ميشيل سليمان» ورئيس مجلس النواب «نبيه بري» ورئيس الحكومة «فؤاد السنيورة»- على غير استعداد، وأن يمضى الحوار معها بغير جدول أعمال، ولم يفاجأ «هيكل» بعوامل القلق بادية على التصورات والأفكار والرجال، وبدت بيروت أمامه، من زوايا متعددة، قلقة على مصائرها وقلقة على إقليمها، وما يمكن أن تؤدى التحولات فيه إلى أوضاع جديدة قد تأخذ فى طريقها بعض ما تحظى به من سلم أهلى، وقلقة -من زوايا وحسابات متباينة- من أية تأثيرات سلبية للانتخابات العامة المقبلة على هذا السلم، الذى تتزاوج فيه اعتبارات متضاربة تضفى عليه جواً غائماً، كالحال الذى كانت عليه بيروت فى هذا اليوم تحت الأمطار. 
بدا رئيس الجمهورية مشفقاً على بلاده، ومشفقاً على العالم العربى، وهو يستعيد تجربته فى رئاسة الجمهورية، التى تولاها فى ظروف معقدة، وكانت قضيته التى استغرقت جانباً كبيراً فى الحوار مع «هيكل» يلخصها سؤال واحد: «كيف ينجو بلبنان من الوضع الصعب فى الإقليم؟». 
وكان السؤال طبيعياً، فالوضع فى لبنان صعب وعوامل الانكشاف فيه ظاهرة والوضع فى الإقليم يبدو الآن أنه أكثر صعوبة والانكشاف فيه أخطر. 
وفى الحوارات البيروتية بدت المخاوف متداخلة، وبدت الرئاسات الثلاثة («سليمان» و«بري» و«السنيورة») قلقة على الإقليم والأخطار التى تحيق بلبنان فيه ومن حوله. 
بدت اللحظة ذاتها قلقة، فإسرائيل تدخل مرحلة جديدة مع أكثر حكوماتها عنصرية ويمينية، وموقف العالم العربى متراجع بصورة خطيرة، والموقف مع إيران غير قابل للتفسير أو التفهم، والموقف المصرى معقد ويدعو للتساؤل. 
عندما ذهب «هيكل» إلى لبنان كانت دواعيه شخصية، غير أن الصحفى فيه لم يغادره، وحسابات القوة ومعادلاتها الجديدة فى المنطقة لم تفارق باله، وتتبدى مواهبه -والتعبير للمستشار «طارق البشري»- عندما تدخل قوة ما أو فكرة مستجدة فى حسابات القوة، و«حزب الله» يدخل ـ يقيناً ـ فى تلك الحسابات، وهكذا وجد نفسه أمام جدول أعمال مزدحم ومفاجئ منعه من لقاء أصدقاء قدامى وأعزاء على رأسهم عميد الصحفيين اللبنانيين «غسان تويني» ورئيس مركز دراسات الوحدة العربية «د.خير الدين حسيب» فى رحلة الـ(42) ساعة. وجد نفسه فى حوارات سياسية مع الرئاسات الثلاثة، ومع سيد المقاومة، تبدى فيها القلق طاغياً على المصير اللبنانى، وعلى المنطقة، وبدا السؤال المصرى فى خلفية المشهد، فليس بوسع أحد أن يتجاهل مصر، أراد مع السيدة زوجته «هدايت تيمور» الشد من أزر السيدة «مارجريت دمشقية» فى وفاة زوجها عميد السفراء العرب فى لندن لسنوات طويلة والسفير الأسبق فى القاهرة «نديم دمشقية»، وأحزنه بصورة خاصة أن يرحل «دمشقية» دون أن يكتب عنه حرف واحد فى الصحافة المصرية، وأن يقرأ الخبر فى صحيفة عربية تصدر من لندن، فوجد نفسه فى وداع مختلف لحقبة من التاريخ العربى كانت مصر فيه وصحافتها حاضرة فى ملفات المنطقة ومؤثرة فيها. 
وربما جال بخاطره فى رحلة بيروت قصة العلاقة الخاصة التى جمعت «عبدالناصر» و«دمشقية»، فقد كانت السفارة اللبنانية بالقاهرة هى السفارة الوحيدة التى زارها «عبدالناصر» بصورة شخصية لتناول العشاء فيها.. لم يذهب إلى السفارة بذاتها، ولكنه ذهب إلى «نديم» بذاته. 
لم تعد مصر كما كانت حاضرة فى المشهد البيروتى، وربما كان يودع هناك جزءاً من التاريخ كانت فيه مصر قائدة لعالمها العربى، قبل أن تتدهور أحوالها إلى حد اتهام «قوة مقاومة» بأنها «تنظيم إرهابي»! 
ومن المثير أنه فى اللحظة التى التقى فيها «هيكل» و«نصر الله» أثيرت فى القاهرة ما سميت بـ«قضية حزب الله»، وتشمل لائحة اتهامات خطيرة تتهم «نصر الله» بإصدار تكليفات لـ«تنظيم إرهابي» لارتكاب عمليات عدائية داخل مصر والإخلال بالأمن العام واستهداف منشآت سياحية ومواقع مهمة، غير أن تلك القضية الحساسة لم يتم التطرق إليها فى حوار الخمس ساعات، لم تكن المعلومات قد توافرت عنها، وبدا أن هناك ملفات أهم وأخطر من قضية الأسئلة حولها أكثر من الأجوبة. 
وفيما يبدو أن «السياسي» يغلب «القانوني» فى هذه القضية المثيرة للتساؤلات فى توقيتها وحقيقة الاتهامات الخطيرة التى تنطوى عليها. فالكلام عن «تنظيم إرهابي» يناقض طبيعة «حزب الله»، فلم يعهد عنه القيام بأى عمليات عسكرية ضد أية جهات غير إسرائيلية، بل لقد كرس عملياته، التى أكسبته شعبية كبيرة فى أوساط الرأى العام العربى، ضد قوات الاحتلال الإسرائيلية فى الجنوب عندما كانت تحتله، والحزب من هذه الزاوية «قوة مقاومة» لا «تنظيم إرهابي»، وقد دأبت قوى عديدة فى الغرب، وفى إسرائيل، على محاولة لصق تهمة «الإرهاب» بـ«حزب الله»، لكن هذه التهمة -بالذات- عجزت عن إثباتها أو تسويغ اطلاقها على المقاومة اللبنانية وزعيمها. قد يصيب ويخطئ «نصر الله»، ولكنه لا يصح فى كل الأحوال أن يوصف بأنه «زعيم إرهابي» أو أن المقاومة «إرهابية». 
نصوص الاتهامات زجت باسم «حسن نصر الله» مباشرة، وأنه هو الذى أصدر بنفسه تكليفات «الأعمال العدائية لمصر»، وربما كان يمكن إضفاء قدر من المنطق على الاتهامات لو قصرت على الكلام عن تهريب سلاح إلى حركة «حماس» فى غزة عبر الحدود المصرية، غير أن تلك التهمة قد تستبعد، لاعتبارات السياسة والأدوار المصرية فى المصالحة الفلسطينية، ولكن ما هو غير قابل للتصديق، ويسيء لصورة مصر أن تتورط الأجهزة الأمنية فيها، بتعليمات سياسية، فى كيل اتهامات لا يمكن أن تنسجم مع طبيعة حزب مقاومة لم يعهد عنه مثل هذه العمليات فى تاريخه كله، أو أن يقال إن «كلمة السر» لبدء تلك العمليات «العدائية» خطاب «حسن نصر الله» فى «يوم عاشوراء» التى ذكر فيه «القوات المسلحة المصرية»، فقد اعتقل المتهمون، وهم من جنسيات مختلفة مصرية وسورية ولبنانية وفلسطينية وسودانية، قبل العدوان على غزة. والمعنى أن التهم تفتقد الإحكام والإقناع معاً، وتحيط بها الشكوك العميقة من الناحيتين القانونية والسياسية. وقد يقال إن «نصر الله» قد أخطأ فى خطاب «يوم عاشوراء»، وهذا صحيح. وقد سجلت شخصيات مصرية وعربية، وعلى رأسهم «هيكل»، تحفظهم على عبارات «نصر الله» بخصوص القوات المسلحة المصرية، والتى بدا فيها مفتقرا إلى معرفة حقيقية بالشخصية المصرية التى تأبى أن يجرى التدخل فى شئونها على هذا النحو، لكن هذا الخطأ لا يسوغ على أى نحو حملات صحف رسمية نالت من اعتباره السياسى والإنسانى بأفحش العبارات والأوصاف، ونزعت عنه أدواره فى مقاومة الاحتلال الإسرائيلى ومواجهته فى أحراش الجنوب وإلحاق هزيمة عسكرية به، أو على الأقل فقد تمكن «نصر الله» وحزبه، الذى يوصف الآن بـ«الإرهاب» فى الإعلام المصرى وفى لوائح اتهام سوف تنظرها المحاكم، من تحرير الجنوب اللبنانى مرتين. 
هناك شيء من العصبية فى المعالجات المصرية للعلاقة مع «حزب الله»، فقد أغلقت أبواب الحوار معه، وكان من النادر أن يلتقى زعيمه السفير المصرى فى بيروت، رغم أن سفراء الدول الغربية يلتقون به بصورة منتظمة، وذات مرة فى أبريل عام 3002 استمعت فى حوار مع السيد «حسن نصر الله» إلى أنه قد التقى فى يوم واحد مع (7) سفراء غربيين وجهوا إليه أسئلة عديدة لاحظ بحس أمنى وسياسى أن ما هو مشترك فيها مستقبل النظام فى مصر، وقال لى يومها إنه أدرك قيمة مصر ودورها بأكثر من أى مرة سابقة، وهو رجل لا يمكن أن يتورط -من هذه الزاوية- فى إعلان حرب على مصر والقيام بعمليات تخريبية فيها! وباليقين فإن تلك العصبية تدخل من ضمن عصبية أفدح وأخطر فى العلاقة مع إيران التى تربطها مع «حزب الله» علاقات خاصة ومشهودة، وبينما تفتح دولة غربية محورية مثل بريطانيا نافذة حوار مع «حزب الله» تغلق مصر كل الأبواب والنوافذ، وبينما تتجه الدولة الغربية الأكبر الولايات المتحدة الأمريكية إلى عقد صفقات مع إيران تعلن مصر العداء معها بصورة تستعصى على الفهم. وبغض النظر عن الجوانب القانونية فى قضية «حزب الله» فإن الجوانب الإقليمية تبدو طاغية على الملف، وربما يعود التوقيت فى الإعلان عن هذه القضية إلى إدراك متأخر هنا فى مصر إلى تراجع الدور الإقليمى بصورة فادحة، بعد أن اختار الرئيس الأمريكى باراك أوباما تركيا منصة لإطلاق رسالته إلى العالم الإسلامى، وقد كانت هناك فكرة فى البداية لاختيار مصر، وطرحت أسماء دول أخرى مثل إندونيسيا ولبنان، غير أن صعود الدور التركى فى معادلات المنطقة وحسابات القوة فيها حسم هذا الاختيار.  
وهكذا يبدو اللاعبان الرئيسيان فى المنطقة الآن هما: تركيا وإيران، فيما تراجع الدور المصرى إلى الخطوط الخلفية وربما بعدها! وربما أرادت القاهرة أن تقول: «نحن هنا، أو أنه يمكننا أن نتصدى للإرهاب بالتعريف الغربى أكثر من غيرنا»، غير أن المشكلة أن الغرب ذاته باتت له حسابات أخرى أكثر واقعية فى التعاطى مع معادلات القوة، التى يبدو أن القاهرة خرجت منها، فقد يزور أوباما المنطقة قريباً، إسرائيل والسلطة الفلسطينية، دون أن يمر على مصر، وهذه سوف تكون إهانة أخرى جديدة وموجعة،  
وليس من مصلحة مصر أن تتورط فى منازعات من مثل هذا النوع، أو أن تسيء إلى ما تبقى لها من سمعة فى محيطها العربى، فلن يصدقنا أحد عندما نقول إن «حزب الله» إرهابى، أو أنه كان يتأهب لضرب المنشآت السياحية فى مصر، ونحن من الذين يحترمون القضاء المصرى، ولا نتمنى له أن يقحم فى مثل هذه الملفات، التى يوجد لها سوابق على عهد الرئيس السابق أنور السادات، مثل «قضية التفاحة» الشهيرة، التى اتهم فيها عدداً من ألمع الشخصيات المصرية بالتجسس لصالح السفارة البلغارية، ثم ثبت أن القضية كلها مصطنعة.  
أرجوكم: احترموا مصر وما تبقى لها من أدوار فى محيطها.. واحترموا عقولنا، ولا تتورطوا أكثر من هذا الحد فى هذه القضية. 
 
  تقييم المقال
المعدل: 4.33
تصويتات: 122


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من