14-03-2010     1199

 


 

يحيى قلاش يقرأ ملف أخذ من النقابة نصف عمرها:


يحيى قلاش


 
عودة مواسم التطبيع فى نقابة الصحفيين

هل اللقاءات التى تحدد أجندتها السفارة الأمريكية من دواعى المهنية؟ ولماذا لا تحضرنا هذه "المهنية" وصحافتنا غائبة عن متابعة أحداث مهمة بعضها لا تبعد عن القاهرة إلا بضعة كيلومترات؟ 
هى بعض ريح سببتها عاصفة زيارة أوباما الاستعراضية للقاهرة، والتى سيكون لها ما بعدها لرئيس يمتلك الحيوية والشباب والكاريزما وعازم على الاشتباك مع أوضاع منطقة تسأل الله ليل نهار ـ بفضل قادتها وحكامها ـ استقرار واستمرار شيخوختها، وتعانى كوابيس احتضارها بعد أن فرطت فى الاستمتاع بأحلام فتوتها وتركتها نهبا لأطماع ومخططات الكيان الصهيونى الذى نصب نفسه قوة إقليمية صاحبة دور وكلمة وإملاءات. 
جاء أوباما وذهب واستمرت حكاية انسحاب الأستاذ فهمى هويدى من لقاء على مائدة مستديرة مع الرئيس الأمريكى يضم ثمانية صحفيين للحوار معه عقب انتهاء إلقاء خطابه فى جامعة القاهرة احتجاجا على دعوة صحفى إسرائيلى حضور هذا الاجتماع الخاص. 
وأثارت الحكاية أسئلة ومواقف وحملت الريح فى هوائها أتربة أفقدت بعضنا الرؤية وسببت بعض الالتباسات حول قضية حظر التطبيع وقرارات الجمعية العمومية فى هذا الصدد وحدود المسموع والممنوع فيها. 
والحقيقة أنه لم تحظ قضية بكل هذا الاهتمام كما حدث مع قضية حظر التطبيع مع الكيان الصهيونى داخل نقابة الصحفيين وبين أعضاء جمعيتها العمومية، فيكفى أن تعرف أن نقابة الصحفيين التى نشأت فى مارس عام 1941 أى منذ ما يزيد على 68 عاما قد اشتبكت مع هذه القضية منذ العام 1979 وحتى الآن، أى منذ 30 عاما، أى ما يقارب 45% من عمر النقابة كله. 
معركة كامب ديفيد: 
كانت البداية عندما اشتدت المعارضة ضد الرئيس السادات حين قرر الذهاب إلى إسرائيل وإلقاء خطابه الشهير فى الكنيست ثم توقيعه اتفاقية كامب ديفيد، وشرعت أقلام الصحفيين المصريين هنا وفى الخارج فى انتقاد نهج وسياسات السادات، وشهدت النقابة أنشطة فى هذا الاتجاه أثارت غضب الرئيس، الذى سخر من لقاءات ومناقشات الصحفيين التى كانت تعج بها حديقة النقابة فى المبنى القديم بمكانها الحالى، ووصفهم بأنهم أعضاء "حزب الحديقة"، وبلغ هذا الغضب ذروته عندما أعلن فجأة قراره بتحويل النقابة إلى مجرد "ناد" وقاد أستاذنا كامل زهيرى الذى كان نقيبا للصحفيين فى هذا الوقت حملة معارضة لقرار الرئيس السادات. 
وتداعى الصحفيون دفاعا عن كيانهم النقابى، واحتضن مقر النقابة اجتماعات لا تنتهى، وتحولت حديقة النقابة إلى قاعة اجتماعات مفتوحة تبحث وتدرس وتناقش وتشتط فى معارضتها ضد قرار السادات لتشد أزر مفاوضها ونقيبها كامل زهيرى، الذى استخدم كل الوسائل لدفع السادات للتراجع عن قراره، ومنها التعبئة، وإجراء الاتصالات لإقناع عدد من المحيطين بالرئيس خاصة منصور حسن وزير الإعلام فى ذلك الوقت بخطأ القرار، وتوظيف كل ثقافته القانونية وخبرته النقابية لإيضاح استحالة إعمال قرار الرئيس. 
وتحت ضغط الرفض الرهيب لهذا القرار وتصاعد مظاهر احتجاجات الصحفيين، ومساندة قطاعات واسعة من الرأى العام ومؤسسات وقوى سياسية لموقف النقابة تراجع مخطط تحويل النقابة إلى ناد، لكن لم يتراجع الرئيس السادات فى موقفه من النقابة والصحفيين، وظل يمارس ضغوطه عليها لفصل الصحفيين من أعضائها الذين يهاجمون سياساته ويكتبون ضد كامب ديفيد خاصة فى الصحف خارج مصر، لكن النقيب كامل زهيرى رفع شعار "العضوية كالجنسية" بل ذهب مجلس النقابة إلى أبعد من ذلك فقرر "حظر التطبيع النقابي" مع الكيان الصهيونى حتى يتم تحرير جميع الأراضى العربية المحتلة وعودة حقوق الشعب الفلسطينى، وفى مارس عام 1980 صدقت الجمعية العمومية للصحفيين على هذا القرار، وكانت أول نقابة مهنية تتخذ هذا الموقف وتبعتها بعد ذلك النقابات المهنية والعمالية. 
قرار الجمعية العمومية: 
والمفارقة التى يجب التوقف عندها هى أنه كلما كانت تشتد الضغوط الرسمية لتفعيل قرارات التطبيع فى العديد من المجالات تنفيذا لاتفاقية كامب ديفيد، وكلما ازدادت هذه المساحة على أرض العلاقات والهيئات الرسمية، وكلما ازدادت الحجج المختلفة تحت دعاوى "المهنية" أو المشاركة فى "هجوم ثقافة السلام"، أو مواكبة المتغيرات السياسية والدولية، أو الدفع بتعارض قرار الحظر مع قوانين وسياسات الدولة وغيرها من هذه الحجج، ازداد التشدد من قبل الجمعية العمومية للصحفيين فى صياغة قرار حظر التطبيع، فبعد أن كان الحظر يخص "التطبيع النقابي" امتد لحظر "التطبيع المهني" ثم بعد ذلك "التطبيع الشخصي" وعندما خالف بعض الصحفيين والكتاب هذا القرار وذهبوا إلى إسرائيل أو التقوا إسرائيليين كان المبرر للإفلات من الحساب هو عدم نص قرارات الحظر على أية عقوبة لمن يخالفها، فكلفت الجمعية العمومية مجلس النقابة بوضع أسس المحاسبة والتأديب لمن يخالف القرار، وأصبح النص فى صيغته النهائية: 
"حظر كافة أشكال التطبيع المهنى والشخصى والنقابى ومنع إقامة أية علاقات مع المؤسسات الإعلامية والجهات والأشخاص الإسرائيليين حتى يتم تحرير جميع الأراضى المحتلة واستعادة الحقوق الفلسطينية المشروعة، وتطلب الجمعية العمومية من أعضائها جميعا الالتزام الدقيق بقرارات عدم التطبيع وتكليف المجلس بوضع أسس المحاسبة والتأديب لمن يخالف القرار". 
وقد اتبع اتحاد الصحفيين العرب موقف النقابة المصرية وأكد فى كل المناسبات رفضه لكافة أشكال وصور التطبيع، وطلب من كل النقابات العربية محاسبة أى صحفى يخرق هذه القرارات. 
} إن هذه ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة لإثارة هذه القضية. 
} إن أسباب طرحها من حين لآخر يؤكد حيويتها وأهميتها فى الضمير الجمعى للصحفيين والمثقفين وعند المصريين بصفة عامة. 
} إن هذا الأمر يعكس رغبتنا كشعوب فى الحفاظ على أوراقنا فى الرفض أو المقاطعة بعد أن سلمت الأنظمة العربية أوراقها تباعا دون عائد أو ثمن. 
} إنه لا ينبغى أن نمارس الحوار فى هذه القضية على أرضية تخوين بعضنا أو استعراض من منا أكثر وطنية وأقل عمالة أو اتهام البعض الآخر بالهتيفة أو رافعى الشعارات أو بقايا زمن الحنجوري! 
} أنه يجب ألا يأخذنا الانفعال الذى يكون قاسما مشتركا فى ممارسة خلافاتنا فنتجاهل بعض البديهيات فى مقدمتها أننا زملاء ننتمى لنقابة رأى ونمارس مهنة ضمير، وأن عملنا بالسياسة بأقلامنا وانحيازاتنا ومواقفنا النقابية أمر لا يدعو إلى الاعتذار أو الخجل أو التنابز بل هو واجب نؤديه كل يوم، وأن هذا لا يتعارض مع كوننا ضد أن تتحول النقابة إلى حزب سياسى أو أن توظف لحساب تيار معين، لكن القومى والوطنى والمشترك هو الذى تقبض عليه الجمعية العمومية وتتمسك به وتحرسه وتحاسب عليه، ولا أريد أن أزيد وأقول إن قانون النقابة نفسه يسمح لها بوضع خطة للعمل السياسى، وأننا كنا أول نقابة عندما قامت عام 1941 لم يحظر قانونها العمل بالسياسة، ويحسب للنائب يوسف الجندى عضو مجلس الشيوخ فى ذلك الوقت طلبه إلغاء هذه المادة من أول مشروع قانون لإنشاء النقابة، وقال كيف نحظر على نقابة الرأى والحريات ألا تهتم بالسياسة!. 
الاستقلال والمهنية: 
إننا لابد أن نراجع بعض مقولاتنا الشائعة عندما ننفى عن أنفسنا تهمة التلبس بممارسة السياسة فنلوذ إلى الاحتماء بتعبيرات "الاستقلال" و"المهنية أولا" وكأننا نتحدث عن أمرين متعارضين، وهذا على غير الحقيقة لأن كل ما يصدر عن صاحب قلم وعن كل صحيفة هو سياسة، ثم إننا على مستوى الأداء المهنى لم يبلغ بنا الكمال إلى الحد الذى لم يعد ينقصنا فيه سوى أن نتذكره ونحن نلوك أحاديث التطبيع، فلم يكن الزملاء الذين انخرطوا فى تحالف كوبنهاجن أو الذين ذهبوا إلى إسرائيل بتكليفات سياسية لجهات مسئولة أو قيادات فلسطينية فى سنوات سابقة كانت من أجل المهنية، وكذلك لن يقنعنا أحد أن اللقاءات التى تحدد أجندتها السفارة الأمريكية فى مناسبات مختلفة هى من دواعى المهنية، وأود هنا أن أذكّر بموقف النقابة عام 2004 عندما رفضت تصريحات السفير الأمريكى بالقاهرة، لانتقاده الصحافة المصرية وتدخله فى شئونها، والرسالة التى بعث بها جلال عارف للخارجية المصرية باعتبار هذا السفير شخصا غير مرغوب فيه، ثم لماذا لا تحضرنا هذه "المهنية" وصحافتنا غائبة عن متابعة أحداث دولية وإقليمية وعربية كبرى فى أوروبا وأمريكا واليمن والصومال والعراق وفلسطين والجزائر ولبنان وأفغانستان وغيرها الكثير، بل إن كثيرا من صحفنا أهملت تغطية أحداث مهمة لا تبعد عن القاهرة إلا بضعة كيلومترات! 
إن بعضنا يدفع فى هذا الملف بحجة ممارسة الحوار مع الآخر وأن وسائل الإعلام والصحفيين والمثقفين جزء من أداة هذا الحوار، والمثير أن الآخر دائما هو الكيان الصهيونى ومؤسساته وليست مصالحنا العليا فى الحوارات العربية ـ العربية الغائبة أو المتصلة دوما بعدم الثقة، والممتدة فقط بين كل دولة عربية وإسرائيل بطريق مباشر أو غير مباشر، وليست كذلك حواراتنا المطلوبة مع قوى إقليمية جديدة مثل إيران وتركيا، أو بيننا وبين بعض الدول الإفريقية خاصة عند منابع النيل وغيرها من حوارات مهملة أو أدوار أصبحت فى ذمة التاريخ!. 
الملف الساخن: 
بعد كل ذلك أود أن أتوقف عند الحقيقة الواضحة الخاصة بهذه القضية وإثارتها على مدى الأعوام الثلاثين الماضية والتى تكاد تكون هى كل عمرى المهنى وبدايتها التى تلازمت مع تفتح وعيى النقابي. 
وشاهدت كيف كانت تدير الجمعيات العمومية معاركها فى هذا الملف عند انعقادها كل عامين مع إجراء انتخابات النقيب والتجديد النصفى للمجلس قبل أن يداهمنا القانون 100 لسنة 1993 الذى فرض وصايته على النقابات المهنية وأصاب أغلبها بالشلل وحرم جمعياتها العمومية من الانعقاد الطبيعى والتفاعل الحر واكتساب الممارسة الديمقراطية والمشاركة فى اتخاذ القرارات ورقابة أداء مجالس النقابات، مما أدى إلى توقف لغة الكلام والحوار عبر هذه الآلية إلا فى "الشديد القوي" وباستثناءات قليلة أذكر منها فى نقابة الصحفيين الجمعية العمومية غير العادية التى انعقدت فى يونيو 1995 فى مجلس برئاسة إبراهيم نافع لمواجهة القانون 1993 الذى كان يمثل اعتداء صارخا على حرية الصحافة وكذلك الجمعية العمومية العادية التى استطاع النقيب جلال عارف وأعضاء المجلس السابق عقدها لأول مرة فى تاريخ النقابة لاعتماد مشروع لائحة جديدة للأجور ومشروع إلغاء الحبس فى قضايا النشر. 
ورغم ذلك لم يتوقف أعضاء الجمعية العمومية عن الاشتباك مع هذا الملف وإثارته فى مناسبات عديدة، وبلغ ذلك ذروته فى واحدة من أهم المعارك الفكرية والسياسية فى تاريخ الصحافة المصرية فى أغسطس عام 1997 عندما أصدر مجلس النقابة قرارا بإحالة الزميلين المرحوم لطفى الخولى ود.عبدالمنعم السعيد للتحقيق لمخالفتهما قرارات الجمعية العمومية بحظر التطبيع، وكان يرأس اجتماع المجلس المرحوم والنقابى المحترم جلال عيسى لسفر الأستاذ مكرم محمد أحمد ـ الذى كان نقيبا فى هذه الدورة ـ للخارج، وحاول النقيب تغيير القرار، بعد عودته، لكن المجلس رفض فعمل على تعطيل تنفيذه، واستضافت "مجلة المصور" الزميل عبدالمنعم سعيد فى حوار مطول وجه فيه انتقادات لقرار المجلس وأعضائه مبنية على مغالطات وخلط للحقائق، وحاولت أن أمارس حق الرد لكن النقيب الذى كان رئيسا لتحرير "المصور" فى ذلك الوقت رفض النشر وبإصرار، وثارت ضجة كبرى فى وقتها شهدتها النقابة وشاركت فيها كل الأقلام المهمة فى الصحف والمجلات المصرية فى وقتها مثل الأهرام، والأخبار، والجمهورية، والعربى، والوفد، والدستور (فى إصدارها الأول)، والأهالى، والأحرار، وصباح الخير، وروزاليوسف، وأخبار اليوم، والعالم اليوم، والمصور، والسياسى المصري. 
وشملت هذه المعركة الصحفية كافة الفنون الصحفية مثل: المقال، والتحقيق الصحفى، والكاريكاتير، والحوار الصحفى، والخبر والعمود اليومي. 
حمل كاذب: 
وقبل أن أستطرد فى تفاصيل وملامح هذه المعركة المهمة التى كنت أجمع وأتابع كافة تفاصيلها، وساهم الزميل خالد السرجانى وقتها فى تقديم قراءة فيها، وقام النقابى والوطنى المحترم المرحوم صلاح الدين حافظ بنشرها فى عدد خاص بمجلة الدراسات الإعلامية التى كانت تصدر عن المركز العربى الإقليمى للدراسات الإعلامية للسكان والتنمية والبيئة تحت عنوان "معركة الصحافة والتطبيع" لتكون فى خدمة الذاكرة النقابية، أود الإشارة إلى المناخ السياسى العام الذى كان يحيط بها على الساحة العربية والدولية وانعكاسه على ملف القضية الفلسطينية، فقد كانت المنطقة تعيش قبيل سنوات من هذه المعركة فى موجة من موجات الحمل الكاذب للسلام الموهوم وكانت القيادة الفلسطينية قد بلغت حدا من الإرهاق والاستسلام لضغوط الأنظمة العربية تصورت معه أن تجرب الطريق الآخر وحاولت بوسائلها وطرقها وعبر تنسيق مؤسسات وأجهزة دولية وعربية أن تحظى بدعم ومشاركة من رموز فكرية وسياسية عرف عنها دعمها للقضية الفلسطينية أو على دراية بما يجرى فى كواليس الشئون والعلاقات الدولية خاصة الولايات المتحدة، وكان الرئيس الأمريكى جورج بوش الأب "الجمهوري" قد غادر البيت وبدأت مرحلة بيل كلينتون "الديمقراطي" التى استمرت من 1993 حتى 2001 واختلطت الأحلام بالأوهام وترويج كل ما هو كاذب وفاسد بلغة جديدة وطرق فى التسويق، تناسب كل الراغبين فى خداع النفس والأوطان واكتملت المفارقة أنه فى أوج معركة التطبيع التى أشير إليها، كان نتانياهو قد حضر رئيسا لحكومة الكيان الصهيونى عن أنصار السلام فى إسرائيل، وكانت سياسته خير شاهد وأفضل دليل ـ كما كتب صلاح الدين حافظ وقتها ـ على أن إسرائيل ليست راغبة ـ هى ـ فى التطبيع والتعايش والمسالمة، حتى مع المهرولين المتباكين على التطبيع. 
وعودة للحملة التى أشرت إليها أوضح أن قرار النقابة بإحالة الزميلين للتحقيق كان قد سبقه بعام فى اجتماع مجلس برئاسة إبراهيم نافع وبعد مناقشات ساخنة تم توجيه لفت نظر إليهما لانخراطهما فى تحالف كوبنهاجن ولقاء عدد من الإسرائيليين ثم عادا للسفر إلى إسرائيل وإجراء اتصالات مع إسرائيليين فى تل أبيب والقاهرة بالمخالفة لقرارات الجمعية العمومية، فكان قرار المجلس السابق الإشارة إليه الذى أثار العديد من ردود الفعل كان أولها المقال الذى نشره د.محمد السيد سعيد فى جريدة الأهرام يوم 23 أغسطس 1997 بعنوان "نقابة الصحفيين ضمير جماعى أم روح التطبيع؟!"، وهو المقال الذى بدأت به المعركة السياسية والتى كان يراد لها فى البدء أن تكون حملة صحفية موجهة ضد قرار نقابة الصحفيين واتهام النقابة بمعاداة حرية الرأى والتعبير وانتهاك القانون العام، ولكن تصدى عدد كبير من الكتاب الكبار والعديد من الصحف لهذا المقال وللقضايا التى يثيرها، وأكد خالد السرجانى الذى قدم قراءه فى هذا الملف، كما سبق وأن أشرت، أن رصد المواد الصحفية التى شملتها هذه المعركة الصحفية أظهر دون عناء أن أنصار التطبيع داخل مهنة الصحافة أقلية ضئيلة للغاية. 
وقد أثارت هذه الحملة مجموعة القضايا السياسية والنقابية والمهنية شارك فيها، غير د.محمد السيد سعيد، صلاح منتصر، وصلاح عيسى، وجمال عبدالجواد، وأحمد الجمال، وجلال عارف، وكامل زهيرى، ورفعت سيد أحمد، وسعد زغلول فؤاد، ود.أسامة الغزالى حرب، وأحمد إسماعيل، وجمال فهمى، وفهمى هويدى، ود.فتحى عبدالفتاح، وحسين عبدالرازق، وسامى منصور، ومحمود المراغى، وجلال عيسى، ومجدى الدقاق، ولويس جرجس، وسليمان شفيق، ومحمد سيد أحمد، ومحمد عودة، ود.عبدالعاطى محمد، وصلاح الدين حافظ، وكاتب هذه السطور، إضافة لعدد كبير من رسامى الكاريكاتير منهم سعد الدين، وعمرو عكاشة، وعمرو سليم، وجمعة، وحاكم. 
جدل نقابي: 
والحقيقة أن الدكتور محمد السيد سعيد الذى أكن له تقديرا واحتراما كبيرين على المستوى الشخصى وعلى المستوى العام، وأدعو له باستكمال الشفاء وعودته إلى وطنه واستمرار دوره الفكرى والمهنى والوطنى، قد فرض جدول أعمال هذه المعركة وطرح أهم الأسئلة والأفكار التى دار الحوار حولها، مثل ما هو التطبيع؟ وما هى حدوده؟ وهل قرارات الجمعية العمومية مجرد توصية أم لها صفة الإلزام؟ وهل توقيع عقوبة على أى من يخالف هذه القرارات مصادرة للحرية وملاحقة للضمير ووأد للاعتقادات السياسية والفكرية؟ وهل منوط بالنقابة لعب دور سياسى عام، أم لابد أن يقتصر دورها على الشأن النقابى فقط؟ وهل يجوز أن تلعب دورها العام خارج إطار قانون البلاد؟ 
ورد نقيب النقباء كامل زهيرى مدافعا عن قرار المجلس وعن قرارات الجمعية العمومية بحظر التطبيع لأنها تمت عبر آليات ديمقراطية ملزمة لكل أعضاء المنظمة النقابية وأكد أن النقابة تحاسب على سلوك وفعل نقابى لمن يخالف قراراتها لكنها لا تحاسب على الرأى، وقال إن هذه القرارات من صميم صالح مهنة تعمل بالرأى وتتفاعل مع الوجدان والضمير الوطنى فى كل عملها. 
ودافع صلاح عيسى عن القرار ورفض زعم البعض أن تكون وراء من أصدروه دوافع سياسية، وقال: قرار الجمعية العمومية ملزم وليس توصية والادعاء بغير ذلك هو دعوة للقضاء على النقابة وتقويض لبنيانها، وقال: "لا أظن أن هناك علاقة بين الالتزام بقرارات النقابة وبين حرية الرأى حتى لو كان الأمر الذى صدر بشأنه القرار مما يدخل فى نطاق الآراء مثل قرار حظر التطبيع، إذ من البديهى أن هذه القرارات قد صدرت بعد مناقشات حرة واحترامها وتنفيذها واجب على الجميع، ومن يعترضوا على تعريف التطبيع عليهم المشاركة فى مساعى عقد الجمعيات العمومية لكى يحاولوا إقناعها بأن تعريفها للتطبيع يجب أن يتغير بعد التغيير الكبير فى الظروف السياسية". 
وأكد جلال عارف أن موقف الصحفيين من التطبيع واحد من المواقف العظيمة لهم اتخذوه رغم الضغوط وتمسكوا به، وهاهى الأيام تثبت صحة موقفهم، وقال إن النقابة لا تحاسب أحدا على رأى آمن به وإنما على سلوك قام به، وقال فهمى هويدى إن البعض يخلط بين الالتزام بقوانين الدولة والالتزام بسياستها، كما أن اعتبار قرارات الجمعية العمومية مجرد توصيات يجافى المبادئ الديمقراطية، فضلا عن أنه يعد ازدراء بالجمعية واستخفافا بقراراتها، وأنه على دعاة التطبيع من أعضاء النقابة أن يعلنوا رأيهم وأن يعبروا عن اجتهاداتهم كيفما شاءوا، ولكن حين يترجم هذا الرأى إلى عمل من أى نوع، فإن الأمر يختلف، والمحاسبة المهنية والنقابية تصبح واجبة، وقال إنه لا يوجد أى تعارض بين قرار أو قانون النقابة وقوانين البلاد لأن قوانين الدولة تبيح للنقابات أن تحدد ضوابط السلوك المهنى لأعضائها، وأن النقابات حين تدافع عن قرارات جمعياتها العمومية، إنما تدافع فى الوقت ذاته عن ضمير الجماعة التى تمثلها. 
وانتهت هذه المعركة التى أدارها أساتذة وزملاء شاركوا فيها بالرأى والحجة، بانتصار منطق الضمير الوطنى والمهنى والنقابى، لكننا أحوج ما نكون اليوم، لتذكير أنفسنا بهذه الحقائق، ودون وصاية من أحد على أحد، فما أشبه الليلة بالبارحة، فهاهو حالم "ديمقراطي" جديد فى البيت الأبيض، تصيبنا كلماته بالخدر، وهاهو الوضع العربى والفلسطينى فى أسوأ حالاته. وهاهو "نتانياهو" يعود من جديد يسمعنا ليل نهار لاءاته وإملاءاته، فهل كثير علينا أن نعتصم بضمائرنا وامتلاك وعينا؟!. 
 
  تقييم المقال
المعدل: 4.33
تصويتات: 6


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من