07-03-2010     1198

 


 

قصة نادرة لم يضمها كتاب


قصة لـ«ألفريد فرج»


 
تجربة

كانت تمشى على الرصيف، وجهها الى أمام، منتصبة القامة، ولا داعى لها بأحد.. هذه الزهرة الصغيرة المتفتحة. 
وكانت تعود تسمع همسة أمها ذات صباح، لأبيها، وهو فى طريقه الى الحمام يغسل وجهه. 
ـ البنت يا سى محمود كبرت، ولا عادش لها خروج. 
وترقبها أمها وهى واقفة جامدة، وعلى شفتيها ظل ابتسامة وارتياع.. وفاطمة تعد أطباق الإفطار على عجل، وتتمنى ان تنحى أمها عينيها من فوق يا فوخها وتكاد تبكى وهى تتصور انها لابد ستتعثر فى شباك عينيها وتقع وقعة مجلجلة وتتكسر الأطباق وتتدشدش تحت جسدها وتعود دائما تتذكر نظرات أبيها الساكتة النافذة، وهو يقيس فى صموت طول أكمامها، وفتحة الصدر.. دائما يقيسها، وتصخب عيناه باتهام ما، ويزوم، ولكنه لا يتكلم ابدا. 
وهى مطيعة، فاطمة، مطيعة تعانى فى صمت من احساس مبهم بأنها تحمل فى كيانها خطرا ما يهدد الأسرة كلها، ويهددها بالدمار. خطر يمشى فى دمائها وهى تفتح الشباك فى الصباح، ويتمنى أن تظل فيه، يلفع وجهها، وترقب هذا الطرف الصغير البعيد الذى تلمحه من حديقة أحد البيوت.. خطر يأخذ عليها كل احساس بالرغبة فى استقبال الحياة، فترتد عن الشباك. 
وفى المساء تسمع أغانى الاذاعة، وتستعذب، أن تنصت، هكذا، فى السر، وكأنها لا تنصت، تنصت فى خفية، وتتشاغل بالتريكو أو بالمذاكرة، وأذناها الى الراديو.. ولا أحد يعرف اطلاقا انها تنصت، وهى فرحة بهذا، فرحة بأنها وحدها، تواجه فى جسارة الخطر الذى تدركه بلا شريك، وتستعذبه والكل منشغل عنها وعن الأغنية. 
تعاودها الخواطر وهى تمشى فى الشارع وضجيج الترام ونداءات الباعة وصخب الزحام والتدافع وأبواق السيارات والناس الذين يعبرون الشارع بسرعة خاطفة، والأتوبيس المائل على جنبه.. وفى قلبها خوف كبير أن يمسها من صخبه شيء. وتلمح عن بعد، رجالا غلاظا يندفعون لا يأبهون وأذرعتهم لامعة بالعرق عارية إلا من الشعر الكثيف ووجوههم مكفهرة كأنهم يريدون شرا.. وتفزعها الأصوات الغلظة والنساء البدينات ويفزعها ان يمسها أحد بكتفه وهو يمرق بجوارها.. 
ولمحت فجأة، هاتين العينين الواسعتين تلاحقانها، من فوق كتف الطفل الصغير، ثم من خلف ظهر الرجل العجوز، تحت ذراع السيدة المرفوعة، من خلف ظهرها هى، من أمامها، أين هما الآن؟ جنبها وارتجت أعصابها بقوة، أسرعت، تعثرت قليلا، ضاق صدرها، خفق قلبها بشدة، مشى فى كل كيانها ارتعاش، لذيذ نوعا، مفزع جدا واهتزت رأسها بعصبية تبحث عن أحد يعرفها، ثم تبحث عن أن لا يعرفها أحد.. 
كم تريد أن تبكى، أو تفر، لو أنها جرت بكل سرعتها، لكن ستقع، سيضحك الناس عليها.. سيجرى وراءها، لابد أن تجري.. بل ستقف سيقف هو. لابد أن تقف، على المحطة، لا سيلحظها الناس.. 
وأحست بالعالم كله يتداخل فى نفسها فى اصرار، يدخل بأطراف مدينة لا راد لها لا نجاة منها، كالمصير.. وحينئذ أحست وطأة الصخب، ثقيلة، ولكنها كضربة لازب، ووطأة الزحام والتدافع، هائلة، ولكنها لا راد لها.. وكأنها ستستسلم لشئ ما طاحن هاو عليها من فوق، لذيذ كالموت نفسه، ورهيب. 
اين هما العينان؟ أنها تندفع منحرفة نحوهما لم تتبين ذلك، فتعود تنحرف بعيدا. أصبحت تمشى ذاهلة مترنحة.. 
وحاسة أخرى، غير حواسها، حاسة جديدة تنذر بشيء ليدخل قلبها فى التو ستضحك، ستضحك ضحكاً هستيريا، بل ستبكى، نعم ستبكى فى عويل مكتئب كعويل القطط فى الليل. سينفذ الى أعماق روحها سهم يقتلها ويقطع لحمها هذا الأملس البض من الداخل ويهراه وتحس له خدرا الخدر الذى كانت تحسه وهى طفلة، وأبوها يعبث فى شعرها. 
هذا السهم، رابض أمام عينيها قائم سينطلق، وحينئذ ستعرف العذاب.. عذابا، ولكن لا نهاية له، لا حد لقسوته، وستبكى، ولكن أحدا لن يربت على كتفها، سيقذفونها بالطوب. ستبكى الى أن تجف الدموع.. ولن تضحك بعد أبدا، مدى الحياة. 
وبعد شارع واحد ستنحرف فى زقاقها وتدخل البيت.. سيراهما أحد، لا يجب بياع السجاير على الناصية، والبواب وأخوها الطفل يلعب فى الزقاق، والناس فى الشبابيك، لا يجب.. 
الرصاص.. 
ولا يمكن أن ترتد ، وإلا رأها أحد، يقول ايه؟! 
وجرت فاطمة. حينئذ جرت وأحست بالعينين خلفها مصرتين غريبتين واثقتين. وخفق قلبها بشدة، وقد انفصلت تماما عن العالم وآخر لمحة منه هاتان العينان. 
لم تعد ترى، لم تعد تسمع حين اندفعت على السلم فوقعت، وقبل أن تتوجع سمعت صوت البواب: 
ـ ماشى وراها ليه 
ـ انت مالك 
ـ سيبه ياعم علي 
ـ أسيبه إزاي. والله ما اسيبه إلا فى البوليس. 
ـ أوعى سيب هدومي 
وأصوات عراك عنيف وكلمات متقاطعة مهوشة وصراخ أطفال وأصوات ارتطام.. ومعركة فى الخارج أحست فجأة انها هى التى تخسرها.. فتخاذلت اعضاؤها وهى واقعة مرتمية على السلم لا يأبه لها أحد، وحزن عارم يعصر قلبها، كما لو كانت فاجعة هائلة قد نزلت بنفسها، وهى تتلوى وتعول وتصرخ وتحس مخالب وحوش ومسوخ كثيرة فوق كل أجزاء جسدها تتداول وتتلمظ قبل أن تنهشها قطعة قطعة.. قاسية ظالمة، وتعول وتصرخ تستغيث، تستغيث فى رعب وكآبة لم تحسمها قبل فى حياتها. 
وفتح باب شقة الجيران وخرجت سميرة صديقتها مروعة تسأل: 
ـ هو عمل لك حاجة يا حبيبتي؟ مالك يا فاطمة؟ 
فيرتفع صراخها وعويلها وهى تزعق بملء رءتيها هواء: 
ـ ماليش! 
 
  تقييم المقال
المعدل: 4
تصويتات: 2


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من