14-03-2010     1199

 


 

صفقات وصراعات سلطة وراء «تسريبات» حل مجلس الشعب..


عبدالله السناوي


 
.. سباق مع الزمن

بدا السؤال مباغتاً من رجل أخذ ينصت ملياً وطويلاً لمحاوريه المصريين على مائدة عشاء عند شاطئ النيل فى الجيزة: «أيهما تفضلون.. أن يصعد جمال مبارك إلى مقعد والده فى رئاسة الجمهورية أم أن يتولى الرئاسة من بعده جنرال جديد؟». 
كان الحوار ممتداً عن أحوال المنطقة وسيناريوهات المستقبل فيها بعد الحرب على غزة.. وعن أحوال مصر ومصير الرئاسة فيها بعد مبارك.. ولكن السؤال، بصياغته وأجواء القلق فيه، كان اعترافاً من رجل له خبرته فى الشئون الدولية ومقرب من الرئيس الفرنسى «نيكولا ساركوزي»، بأن مساحة الخيارات ضاقت أمام المصريين، وأمام صانع القرار فى الدوائر الغربية المعنية بصورة كبيرة لاعتبارات مصالحها بما قد يحدث فى مصر مستقبلاً. 
ولم يكن المبعوث الفرنسى الرفيع ممانعاً فى الاستماع إلى احتمال ثالث، أو خيار آخر، يتبنى الديمقراطية والإصلاح السياسى والدستورى وضمانات نزاهة الانتخابات العامة من التزوير، أو أن تكون الكلمة للشعب فى صناديق الاقتراع، ولكن الاعتبارات العملية أمامه، وكلها تفرضها المصالح الاستراتيجية الغربية فى المنطقة، دعته لطرح السؤال على هذا النحو، الذى لا توجد عليه سوى إجابة واحدة من خيارين، أو إعطاء علامة على الخيار الأفضل فيهما، فالوقت يضغط، والمنطقة تمور بالتفاعلات والحروب. 
كنا فى أعقاب الحرب على غزة مباشرة، والرئيس الفرنسى شارك بنفسه مع عدد كبير من القادة الغربيين فى مؤتمر «شرم الشيخ» لـ «إعادة إعمار غزة»، وفيما يبدو أن «ساركوزي» رأى فى ذلك الوقت أن يكلف «جان فرانسوا بانسيه» رئيس لجنة العلاقات الخارجية فى مجلس الشيوخ الفرنسى ووزير خارجية الرئيس الأسبق «فاليرى جيسكار ديستان» أن يمر على القاهرة، وأن يستطلع الأجواء السياسية مع قيادات رسمية نافذة فيها، وأن يستمع إلى بعض قيادات المعارضة من اتجاهات مختلفة، فالجو العام ينذر باحتمالات قد تباغت المصالح الغربية فى الاقليم.. وفى القلب منه مصر، وهى احتمالات لا يصح ـ بمنطق المصالح الغربية ـ تركها لمصادفات الحوادث. 
سؤال المصير المصرى يدخل فى صلب معادلات المنطقة وحسابات القوة فيها، ويمثل عنصرا ضاغطاً على السياسات الغربية، ولكنه ـ قبل ذلك ومعه ـ عنصر ضغط أكبر على أعصاب مصر، فلا أحد فيها بوسعه أن يتكهن واثقاً بما قد يحدث غداً. 
وفى الأسابيع الأخيرة تواترت «معلومات» و«تصريحات» منسوبة لشخصيات كبيرة فى الحزب الوطنى والحكومة ومجلس الشعب تتحدث عن قرب حل المجلس النيابى وإجراء انتخابات مبكرة، وكانت تلك المعلومات ـ فى كثير من الحالات ـ أقرب إلى «التسريبات المتعمدة» لاختبار ردود الأفعال على مثل هذا السيناريو، الذى يحاول استباق الزمن، وتهيئة المسرح السياسى بانتخابات نيابية مبكرة، لإجراء انتخابات رئاسية قبل موعدها عام (2011)، ثم تولت شخصيات أخرى من داخل ذات الدوائر الرسمية والحزبية والبرلمانية نفى «التسريبات»، بالتزامن مع النشر، وربما قبل أن تنشر!. 
الأكثر إثارة أن بعض الشخصيات التى سربت الكلام عن قرب حل مجلس الشعب هى ذاتها التى تولت الرد والنفى، معتبرة أن النشر بايحاءاته عن قرب نقل السلطة من الرئيس إلى نجله نوع من «اللكلكة»، وهو تعبير عامى يعنى ـ ضمناً ـ اتهام المعارضة باصطناع معارك وقضايا لا وجود لها أو أساس! 
والتصريح ـ بذاته ـ نوع من «اللكلكة»، فالدولة لا تعرف ـ حقاً ـ ماذا تريد(؟)، وأعصابها ـ فعلاً ـ مشدودة على أوتارها، ولكن بنغمات نشاز فى صراعات أجنحة مؤسساتها الحاكمة. 
«الحرس الجديد» من أنصار «جمال مبارك» يعتقد أن الوقت قد حان لحسم ملف انتقال السلطة، وأن مصلحة «سيناريو التوريث» أن تجرى وقائعه بإشراف الرئيس مبارك بنفسه وفى حياته مستخدما نفوذه الواسع والمؤكد داخل مؤسسات القوة، التى تدين له بالولاء، وألا يترك هذا السيناريو لمصادفات الحوادث بعده، فالأمور سوف تختلف جذرياً، والحسابات سوف تنقلب رأساً على عقب. 
ولدى أنصار نجل الرئيس أسبابهم فى استباق الزمن، فالوقت قد يتحول إلى خصم لا يمكن التغلب عليه، وهناك مصالح كبرى تخلقت حول لجنة السياسات لا يمكن تركها لمصادفات الحوادث وتدافعها، فربما يكون من تصفية تلك المصالح وأصحابها، الذين حازوا على مليارات سهلة فى سنوات قليلة، جواد اكتساب الشعبية والقبول العام الذى قد يراهن عليه أى خليفة آخر للرئيس مبارك. 
وفى اعتقاد هذا الفريق، حسب معلومات محققة، أن إعادة صياغة مجلس الشعب وأوزان المعارضة فيه مبكراً يغلق ملف الانتخابات التشريعية قبل أن تربكها أية أقدار وأحداث مباغتة، حتى ينصب الاهتمام كله على الانتخابات الرئاسية ونقل السلطة إلى نجل الرئيس. 
واتجاه التفكير العام داخل فريق «جمال مبارك» ـ حسب ذات المعلومات ـ يميل إلى تخفيض كتلة «الإخوان المسلمين» فى المجلس التشريعى إلى نحو (25) نائباً، ووضع هذا الرقم على موائد التفاوض مع الجماعة، التى توصف فى الخطاب الرسمى بـ «المحظورة»، تحت عنوان عريض: «التمثيل النيابى مقابل عدم الممانعة فى صعود جمال مبارك للرئاسة»، كما يميل فريق نجل الرئيس إلى تصفية حسابات شاملة وقسرية لـ «النواب المشاغبين»، أو الذين يعتبرونهم خارج سياق التفاهمات. 
من أبرز المرشحين للاستبعاد القسرى من عضوية المجلس النيابى فى أية انتخابات مقبلة.. النواب: «علاء عبدالمنعم»، و«جمال زهران»، و«سعد عبود». 
وهناك داخل ذات التفكير كلام كثير حول حصص برلمانية مقررة لحزبى معارضة توازن الحضور الإخوانى، وتعطى انطباعا بوجود معارضة فى البرلمان الجديد.. ولكنها تحت السيطرة. 
ولكن معضلة استباق الزمن أن الرئيس مبارك نفسه غير مستعد للتفكير فى ترك الرئاسة، أو التنازل عنها، ويفضل أن يبقى على مقعدها حتى «آخر نفس ينبض» ـ بحسب ما قال فى خطاب شهير، فضلاً عن أنه يدرك أن شرعيته تتوقف مفاعيلها فى اللحظة التى يعلن فيها تخليه عن منصب الرئاسة، وهو غير مستعد ـ بطبائع الحذر فيه ـ للمغامرة، أو وضع نفوذه الكبير فى اختبار من نوع مختلف. كما أن هذا النوع من التفكير داخل فريق «جمال مبارك» يتصادم مع توجهات داخل ما يسمى بـ «الحرس القديم» المرتبط بالرئيس مبارك بصورة شخصية، والذى يرى أنه لا توجد أية ضرورات لحل مجلس الشعب الآن، وإرباك البلد فى انتخابات جديدة، بينما الحالة الصحية للرئيس مستقرة، وبوسعه ممارسة صلاحياته الدستورية، والترشح لدورة رئاسية سادسة! 
وما بين الفريقين تناثرت «التسريبات» و«الضربات تحت الحزام» فى كواليس السلطة، وبدت الأجواء ملبدة باختبارات القوة والنفوذ. وهذه الأجواء الأقرب إلى الفوضى تلخص بصورة موجزة ومأساوية معاً أزمات مصر المستحكمة، فالأفق السياسى فى حالة انسداد، وتحت جلد النظام قلق من نوع مختلف لم تعتده مصر طوال حقبها السياسية المتوالية فى عصورها الحديثة، فالسؤال عن المستقبل به شيء من الفزع، والفزع به شيء من انتظار مقادير إغريقية لا قدرة لأحد على ردها. وفى أجواء الفوضى والارتباك، وانسداد القنوات السياسية، وقلة الثقة فى المستقبل، فإن كل شيء معلق مصيره على تدافع الأحداث فى اللحظات الأخيرة.  
هذه الفكرة ـ بالذات ـ صلب القلق الغربى على مستقبل النظام بعد مبارك، فلا يمكن ـ باعتبارات المصالح الاستراتيجية ـ ترك المصير المصرى لحسابات اللحظات الأخيرة.. ومع تصاعد وتيرة الكلام عن قرب حل البرلمان والاندفاع بـ «سيناريو التوريث» إلى نهايته تصاعدت ـ فى ذات الوقت ـ وتيرة الاهتمام الإعلامى الغربى بمستقبل نظام الحكم فى مصر. 
و من المثير أن ذات السؤال الذى طرحه فى أواخر يناير الماضى «جان فرانسوا بانسيه» وزير الخارجية الفرنسى الأسبق على محاوريه فى القاهرة عن الخيار الضيق بين «الوريث والجنرال» ـ أعادت طرحه قبل أيام ـ واحدة من ألمع الصحفيات الفرنسيات، وأكثرهن نفوذاً وشهرة، «مارى دوتيل» نائب رئيس تحرير مجلة «لوبوان»، التى حاولت أن تستقصى فرص «جمال مبارك» فى خلافة والده، وحاورت بعض أنصاره، وبعض معارضيه، ولم يكن عند الصحفية الفرنسية الشهيرة سؤال آخر تبحث عنه فى القاهرة، إذ بدت العاصمة المصرية أمامها مشغولة بمستقبل الحكم فيها، وبدت العاصمة الفرنسية فى خلفيتها لا يعنيها شيء آخر فى مصر المعاصرة غير أن تعرف اتجاه الأحداث وأن تقرر موقفها فى الخيار الضيق بين الوريث والجنرال، فالأول ـ يستند إلى سلطة والده فى الإمساك بملفات حيوية، والثانى ـ حقيقة قوة تستند إلى مواريث ما بعد (1952). 
والمعضلة الحقيقية ـ هنا ـ أن مصر لديها أشواق مؤكدة للديمقراطية، وأن تقرر مصائرها بنفسها فى صناديق اقتراع حرة ونزيهة تتوافر فيها ضمانات عدم التزوير، ولكن الأشواق ـ بلا إرادات تصحبها ونخب تصونها ورأى عام يقظ يعرف حقوقه ويدافع عنها ـ قد تتبدى كحلم ليلة صيف.. نستيقظ منه على  
 
  تقييم المقال
المعدل: 4.30
تصويتات: 56


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من