يحيى قلاش يتذكر معكم العيد الذى نسيه الجميع ويتساءل: هل قررنا الانتحار؟
محمود صبرة
10 يونيو.. يوم «انتفاضة الصحفيين»
ما الذى جرى حتى تتجاهل ذاكرتنا يوما مجيدا من أيام الصحافة المصرية ونضال أبنائها دفاعا عنها، يوما من أيام مصر نفخت فيه من روحها وهبت معنا دفاعا عن حريتها وتأكيد إدراكها بأن حرية الصحافة هى حرية الحريات وهى حرية كل مواطن فى المعرفة والتعبير والمشاركة؟! ما الذى جرى لذاكرتنا الجماعية حتى لا نتوقف هذا العام عند العاشر من يونيو الذى اختارته الجمعية العمومية للصحفيين فى العام 1995 ليكون عيدا سنويا لحرية الصحافة "ويوم الصحفي" الذى نحتفل به فى هذا اليوم من كل عام؟! ما الذى جرى لنتجاهل جزءا من نضالنا وانتفاضتنا ضد القانون 93 لسنة 1995 الذى أطلقت عليه الأمة كلها قانون حماية الفساد فى معركة امتدت لأكثر من عام؟ ما الذى جري؟! لا الأمة تذكرت، ولا مؤسسة النقابة شغلت بالها، ولا المؤسسات المعنية بحرية الرأى والتعبير اهتمت، ولا نحن جميعا التفتنا للأمر على أى نحو؟ كيف طال النسيان ذاكرتنا إلى هذا الحد؟ وكيف تهمل فئة أو جماعة أو أمة جزءا من تاريخها على هذا النحو، فالأمم لا تقضى عليها الأوبئة الفتاكة بل تفقد هويتها بسرقة تاريخها وتموت بمحو ذاكرتها. قهر اليأس: هل لنا أن نتوقف عند هذا الأمر لنعرف أسبابه ونتداركه؟ أم أنه ليس فيه ما يستحق غير بعض أمراض العاشقين وأعراض بلاهة المحبين، أم أن ما وصلنا إليه هو نعمة النسيان الذى يحمينا من قهر اليأس وظلمة الواقع؟ هل نحمل النفس فوق طاقتها إذا طلبنا منها الآن فى ظل كل ما تعانيه أن تجتر معارك الدفاع عن الحرية وحق التعبير؟ وهل نكشف عوراتنا كجماعة صحفية إذا ضبطنا أنفسنا وقد أعطينا ظهرنا لما حققته وحدتنا فى لحظة فاصلة فى تاريخ مهنتنا منذ نحو 14 عاما ثم أصبحنا الآن فرادى تائهين فى معارك الدمج وسرقة الأصول، نساق إلى حرب أهلية صحفية وتتأجج بيننا معارك التمييز الوهمية بين شمال وجنوب كلاهما ـ لو تعلمون ـ فقير ويعانى من أعراض فقر الدم وأغراض التربص بها جميعا للتخلص منها، هل تفرقت بنا السبل بعد أن غاب عنا بيتنا وتهنا منه وفيه، فرحل عنا بعض شيوخ وحكماء معركة الانتفاضة ضد القانون 93 لسنة 1995، ويئس البعض الآخر ـ ممن نتمنى لهم طول العمر بيننا ـ وباتوا يشعرون بالغربة، ثم انشغل شبابها الذين كانوا وقودها وفتوتها ولهيبها بعد أن احتلوا مواقع ومناصب وأخذتهم المنافسة إلى ذواتهم وترتيب أوراقهم وأصبح القول الفصل لطموحهم فتراجعت الأحلام وانطفأ اللهيب وتقدمت الحسابات وتعقدت. أما من لم يشاركوا فيها من شباب الجيل الحالى الذين التحقوا بالنقابة والمهنة مؤخرا فوجدوا أنفسهم فى العراء والبيت غير دافئ وغير محب ويسعون وحدهم فى ملكوت المهنة بلا سند يحفرون فى الصخر ويواجهون علاقات عمل غير كريمة وغير عادلة ويتظاهرون من أجل بدل هزيل بعد أن طال بهم شوق الانتظار للائحة عادلة للأجور أو الدفاع عن وجودهم بعد ظهور قصير لصحف يعملون بها سرعان ما يفاجأون باختفائها، وواقع مر تزيد من مرارته صعوبة عدم تواصلهم مع بعضهم البعض رغم تواصل معاناتهم، وكذلك عدم تواصلهم مع أجيال أخرى سبقتهم رغم أن الأغلبية شركاء فى الحيرة والهم والمعاناة واليأس. راية المقاومة: غاب 10 يونيو 1995 الذى انتفضنا فيه ورفعنا راية المقاومة والصمود والمواجهة والحوار والوحدة، وحضر يونيو 2009 الذى ذهبنا فيه ـ فرادى وجماعات صغيرة ـ كل فى طريق، اعتلى بعضنا سلم النقابة دفاعا عن حقهم فى استمرار انتظام صرف بدل التدريب الذى بدأت ملامح غروبه تلوح، وأخذ بعضنا بسنة الاعتصام أمام مؤسساتهم فى ظاهرة جديدة علينا احتجاجا على قرارات إدارية متعسفة أو مساس بحقوق ثابتة، أو ضد قرارات دمج لم يستشر فيها أحد ويخشى البعض من نتائجها السلبية عليهم، وزملاء آخرون يذهبون إلى النقابة التماسا للأمان بعد أن تمت تصفية مؤسساتهم والعبث بأصولها فتزيد حيرتهم من غياب مقلق لمؤسسة النقابة، وزملاء من جريدة الشعب المغلقة بقرار سياسى سيادى منذ نحو 9 سنوات يعتصمون فى النقابة منذ أكثر من أسبوعين يطالبون بعودة جريدتهم تنفيذا لعشرات الأحكام القضائية وفتح ملفاتهم التأمينية التى أغلقت بدون وجه حق وإضافة العلاوات السنوية إلى رواتبهم الهزيلة، وعشرات آخرون من الزملاء استنفدت طاقاتهم فى متابعة دعاوى قضائية قاموا برفعها فى المحاكم أو تقدموا ببلاغات للنيابة للحصول على حقوقهم بعد قيام صحفهم بفصلهم أو منعهم من الكتابة أو الحرمان من العلاوة أو الاعتداء عليهم من جهات وأشخاص أثناء قيامهم بعملهم فى مواقع الأحداث، وغيره وغيره الكثير مما يؤكد أن الحال غير الحال وأن واقعنا ليس بخير وأن وحدتنا التى كانت رهاننا للانتصار فى كل معركة أصابتها العلة وأن جهازنا المناعى الجماعى قد أصابه العطب. لكن يبقى السؤال المهم: هل من أمل فى الشفاء، بعد كل هذا؟ أتصور أن الإجابة بغير نعم هى انتحار.. وأتصور أن اعترافنا بالعلة فضيلة وأن تشخيصنا للمرض هو الطريق إلى الشفاء وأن بداية العلاج أن نقبض على ذاكرتنا فهى استعادة للنفس والهوية والروح وبها نستطيع أن نفعل كل شيء. معاول الهدم: وأعتقد أننا لابد أن نتوقف عند 10 يونيو 1995 ونعيد دروسه علينا، فربما كانت أسباب قوتنا فيه تسلب منا بفعل فاعل فنفيق، فهذا الكيان الذى وقف ووقفت مصر كلها معه ليسقط قانونا أقره البرلمان فى سابقة مهمة ربما تم التخطيط بعدها ألا يسمح بتكراره وأن تتحول عوامل قوتنا فى مواجهة الآخرين إلى معاول هدم لأنفسنا. وصدور مثل هذا القانون فى حينه لم يكن من قبيل المصادفة على أى نحو، ودعوة أعضاء اللجنة الدستورية والتشريعية لمجلس الشعب بشكل عاجل يوم 27 مايو 1995 ودون إخطارهم بطبيعة المشروع الذى تم عرضه على المجلس وإقراره خلال ساعات لم يكن أمرا عفويا والذى أعلنته د.فوزية عبدالستار رئيسة اللجنة بمقدمة تكشف عن ضمير غائب لأكاديمية مهنتها القانون، فقد اعتبرت أن المشروع بالغ الأهمية وأنه يستهدف الحفاظ على حقوق وحريات الأفراد وبصفة خاصة حقهم فى رد الشرف والاعتبار، كما يحمى ويؤكد حماية حرمة الحياة الخاصة، وأوضحت أن المشروع يتسم بعدة سمات مثل إدخال أفعال غير مؤثمة إلى دائرة التجريم وتشديد العقوبات وإلغاء الحبس الاحتياطى للصحفيين باعتباره تمييزا لهم، وأنه من الأفضل بل من الواجب إلغاء هذا التمييز تكريسا لاحترام مبدأ المساواة المقرر فى الدستور. وانبرى السيد كمال الشاذلى ليقول إن المعروض أمامنا هو تشديد لبعض العقوبات كى تواكب التطور الذى وصلنا إليه فى الأسعار، وأنه لابد من وضع الحدود بين الحرية والتعدى باسمها لأن الرايات العالية التى تحملها الحرية ـ على حد تعبيره ـ لا يصح أن تتحول إلى معاول لطعن سمعته وشرفه وعرضه أو المساس بحرمة الحياة الخاصة أو ازدراء مؤسسات الدولة، وواصل أحمد أبو زيد زعيم الأغلبية مؤكدا أنه مع الحرية، لكنه ضد إساءة استخدامها، وأن هذا القانون يحمى الأغلبية من الصحفيين الشرفاء ويحمى الصحافة الحرة النزيهة من أى تجاوزات تسيء إلى الأشخاص وكرامتهم وأعراضهم. واعتبر النائب شوقى عامر إقرار هذا القانون وساماًَ على صدر هذا المجلس. نواب الشعب: وعلى نهجهم سار نواب التصفيق والتعليمات، خاصة أن الأغلبية منهم كانت عينها على دعم الحزب وأجهزة الدولة لها فى الانتخابات البرلمانية التى كانت على مسافة شهور قليلة بعد أن اختتمت هذه الدورة أعمالها بهذا القانون الجريمة، لكن هذا لم يمنع عددا من النواب الشرفاء وأصحاب الضمير والحس الوطنى من أن يتصدوا لهذه المهزلة فى مقدمتهم النائب فكرى الجزار الذى كشف كيف تمت دعوتهم تلغرافيا على عجل لإقرار مشروع لم يعلموا عنه شيئا ولم يطلعوا على أى من بنوده، ووصف المشروع بالكارثة وأنه يصدر للانتقام من بعض الصحف وبعض الكتاب والأقلام التى تتصدى للفساد وكشف العورات، وقال: "إننى لا أطمئن إلى قانون يضاف إلى ترسانة القوانين سيئة السمعة وإننى أرجو أن نختم حياتنا البرلمانية وقد لا نعود إلى هذه القاعة مرة أخرى بكلمة حق نعبد بها الله". وقال النائب المحترم أحمد طه إن هذا القانون المعروض هو تضييق لا يمكن أن يكون لصالح حرية الرأى أو لصالح الشعب أو لصالح المستقبل ولا أوافق عليه وأرفضه. ووصف كمال خالد المشروع بأنه بكل المعايير أبشع وأسوأ قانون عرض على مجلس الشعب لأنه قانون قمع وإرهاب لكل صاحب قلم وكل صحفى فى مصر سواء كان مؤيدا أو معارضا. وتساءل نائب التجمع لطفى وأكد: ما السبب المباشر الذى أدى إلى سقوط هذا القانون على هذا المجلس بهذه السرعة كما لو كان سقط بالبراشوت وقال إننى أعتبر هذا القانون لغماً يوضع فى جسد هذا النظام، ولهذا فإننى باسمى وباسم الهيئة البرلمانية لحزب التجمع نرفض هذا القانون. وتم تمرير المشروع خلال ساعات قليلة ووقعه السيد رئيس الجمهورية فى الليلة نفسها 27 مايو 1995 ونشر فى الجريدة الرسمية صباح يوم 28 مايو 1954 تحت رقم (93 لسنة 1995). أيام الغضب: وانفجر الموقف، وكانت نذر كثيرة قبل هذا القانون تؤكد التربص بهامش الحرية المحدود، وأن الصدور قد ضاقت، وأن من منح قرر أن يمنع، وأن من أعطاك بالسماحة سوف يأخذ منك بالغضب، فكان زكى بدر وزير الداخلية قد انفلت فى كل مكان يهاجم الصحفيين ويسبهم، وتمت إحالة الصحفيين إلى المحاكمات العسكرية، وتوالت قرارات حظر النشر فى قضايا الفساد، وتجاهلت النيابة تطبيق الحصانة ضد الحبس الاحتياطى فى بعض قضايا النشر كان أبرزها مع الزميلين عبد العظيم مناف وعادل حسين. وامتد الأمر إلى التدخل فى شؤون النقابة بمحاولة تمرير قانون جديد للنقابة عام 1993 أطلق عليه الصحفيون "القانون اللقيط"، وانتفضوا ضده حتى تم إسقاطه وتبرأ منه الجميع والذى كان يريد تقسيم الصحفيين إلى فئات فى جداول القيد بحيث يظل نصل السيف معلقا على رقاب الصحفيين لمدة 14 عاما متصلة، وكذلك يجيز ضم موظفى الإذاعة والتلفزيون ومصلحة الاستعلامات لجداول القيد بالنقابة وتفريغ النقابة من دورها، وكذلك تحويل النقابة إلى محكمة تأديب للصحفيين بدلا من وظيفتها الرئيسية: أن تكون مظلة حماية ودفاع عنهم. جاء القانون على هذه الخلفية فانفجر الغضب فى الصدور وتوالت اتصالات أعضاء المجلس والتشاور مع عدد من النقابيين ورموز مهمة فى المهنة، وزحف الجميع على النقابة بغير موعد وقرر أعضاء المجلس عقد اجتماع طارئ يوم 29 مايو 1995 وكان الأستاذ إبراهيم نافع الذى كان نقيبا فى هذا التوقيت فى مهمة خارج مصر وحالت ظروف طارئة دون حضور الأستاذ جلال عيسى النقيب بالإنابة من رئاسة الاجتماع، فتم عقد الاجتماع برئاسة الزميل محمد عبد القدوس الوكيل الثانى، واتخذ المجلس مجموعة من القرارات التى حكمت مسار المواجهة ومنها الدعوة لعقد جمعية عمومية طارئة فى 10 يونيو يسبقها مؤتمر عام للصحفيين فى الأول من يونيو والذى حضره حوالى 1500 صحفى، واعتصام احتجاجى يوم 6 يونيو لمدة 5 ساعات بمقر النقابة شارك فيه مئات الصحفيين من كل المؤسسات والأجيال والاتجاهات فى أكبر حركة احتجاجات شهدتها النقابة على مدى تاريخها، وغطى الصحفيون جدران نقابتهم بالرايات السوداء ونشروا القائمة السوداء بأسماء النواب الذين تزعموا تمرير هذا القانون، وأقاموا جنازة رمزية شيعوا فيها حرية الصحافة، وتوالت مبادرات الغضب فقد احتجبت صحف "الوفد" و"الشعب" و"الأحرار" يوم الجمعة 2 يونيه، و"العربي" و"الحقيقة" السبت 3 يونيه، والأهالى الأربعاء 7 يونيه، وقررت بعض الصحف تنظيم حركات اعتصام بكامل محرريها بحديقة النقابة، كما عقد رؤساء أحزاب وتحرير صحف المعارضة اجتماعا بحزب الوفد مساء الاثنين 29 مايو الذى تقرر فيه تنظيم حركة احتجاب الصحف، كما عقد رؤساء أحزاب المعارضة مؤتمرا صحفيا ظهر الأربعاء 31 مايو، واجتماع رؤساء تحرير صحف المعارضة يوم الأربعاء 7 يونيه تم الاتفاق فيه على مواصلة الحملة على الفساد، ثم الأربعاء 14 يونيه أعلنوا فيه الالتزام الكامل بقرارات الجمعية العمومية للصحفيين. رسالة هيكل: وفى 18 يونيه عقد مؤتمر حاشد بمقر حزب الوفد شاركت فيه كل القوى الديمقراطية، وكان يوما مشهودا وعرسا لحرية الصحافة. وكنا قبل عقد الجلسة الطارئة لمجلس النقابة قد قررنا إصدار بيان سريع يوم 28 مايو أعلنا فيه الرفض القاطع لهذا القانون الذى يستهدف حرية الصحافة ولا يحترم المصالح العليا للوطن، كما قررنا أن ينقل زميلنا الراحل جلال عيسى موقف النقابة فى كلمته فى الاحتفال بعيد الإعلاميين أمام الرئيس مبارك وطلب عدم التصديق على القانون وإعادته لمجلس الشعب من جديد وطرحه للمناقشة العامة واستطلاع رأى الصحفيين فيه، ولكن كانت الأمور تسير بسرعة وكرة النار تكبر والمشاعر تشتعل. وارتفع مؤشر درجة حرارة الحدث إلى الذروة ليقترب من الغليان، وتحول مبنى النقابة القديم إلى خلية عمل لا تستطيع أن تفرق فيها بين اجتماعات المجلس وحلقات النقاش التلقائية للصحفيين التى احتضنتها حديقة النقابة، تنعقد ثم تنفض لتنعقد وهكذا، فى هذه الأجواء التى حفلت بعشرات التفاصيل، ووسط هذا الصخب الغاضب من الكتابات اليومية بكل ألوان التناول الصحفى ومبادرات التضامن والتأييد من كل حدب وصوب، تذكرت أن صوتا مهما وفريدا فى المهنة وقيمة كبرى فى الوطن لم نسمعه بعد وهو الأستاذ محمد حسنين هيكل، وفكرت فى مخاطبته وظنى أن حماسى يغلبنى، لكن لم يكن غير الحماس هو الذى يصيغ تفاصيل هذه اللحظات، وتشاورت مع الزميل على هاشم، وكان هو السكرتير العام للنقابة فى ذلك الوقت، وبعثت للأستاذ هيكل برسالة موقعة منى على الفاكس لا تزيد عباراتها علي: "جمعيتنا العمومية بعد غد السبت.. مازلنا ننتظر كلمتك"، وسأل عنى الأستاذ جلال عارف وطلب أن أحضر إلى مكتبه قبل ظهر الجمعة، وعندما دخلت عليه بادرني: "طلبت كلمتى وعدت إلى مكتبى فى يوم عطلة لكى أكتبها، فلك ما طلبت وأنت مؤتمن عليها". كانت كلمة هيكل التى قمت بإلقائها خلال أعمال الجمعية العمومية الحاشدة حدثا مدويا أعطى وقودا وزادا لمعركة استمرت ما يزيد على العام وخرجت القضية إلى آفاق أرحب وأصبحت من الأدبيات المهنية والنقابية والسياسية الرفيعة بكل المقاييس، وقال هيكل فى كلمته: "إن هذا القانون استفزنى كما استفزكم واستفز الرأى العام وحملة الأقلام وكل القوى السياسية والنقابية والثقافية فى البلد، وأشهد آسفا أن وقائع إعداد القانون كانت أقرب إلى أجواء ارتكاب جريمة منها إلى أجواء تشريع عقاب، وأنه يعكس أزمة سلطة شاخت فى مواقعها، وأنه سلسلة من التصرفات والسياسات لا تساعد على تماسك البناء الاجتماعى، وانتظام الحركة السياسية وملاقاة عصور متغيرة". واختتم هيكل كلمته: "لقد أحزننى تصريح منسوب للرئيس منشور فى كل صحف أمس ـ الخميس ـ نسب فيه قوله بأنه إذا التزم الصحفيون بميثاق الشرف فإن القانون الجديد ينام من نفسه، وأنه مع كل الاحترام لمقام رئاسة الدولة فإن القوانين لا تعرف النوم وإنما تعرف السهر، وهى لا توضع لتنام بكرم العفو أو بسحر المغناطيس، وإنما قيمة القانون أن تعلو حركتها الذاتية فوق إرادات الأفراد". أساليب المواجهة: وكان اجتماع هذه الجمعية بهذا الحشد الذى فاق كل تصور، بل أكاد أقول إنه لم يتخلف عن حضورها أحد. وأمام الضغوط العاتية والمقاومة المتصاعدة وسلامة المنطق والحجة وتعدد أساليب المواجهة من الحوار إلى استخدام كل الوسائل الاحتجاجية ومنها المواجهة بسلاح الفن حيث أقيمت أمسية فنية بحديقة النقابة أشرف على تنظيمها فريق عمل بقيادة الزميل كارم محمود، وغنى فيها للحرية محمد منير وفاروق الشرنوبى وألقى فيها كل من عبد الرحمن الأبنودى وسيد حجاب أشعارهما، وشارك فيها عدد كبير من كبار الفنانين أتذكر منهم جميل راتب وتوفيق صالح ويوسف شاهين وداود عبد السيد وفتحية العسال، أمام كل ذلك تحول الأداء الرسمى من العناد إلى الارتباك، ثم بدأ مسار البحث عن حل، وتسلم فى الكواليس الدكتور أسامة الباز ملف الأزمة وبدأ اتصاله بعدد من كبار الصحفيين والنقابيين للبحث عن صيغة للخروج من هذه الأزمة. وبدأت دعوة مجلس النقابة للقاء عدد من المسئولين، فكان اللقاء مع وزير الداخلية صباح الثلاثاء 13 يونيو ثم مع وزير الإعلام السبت 17 يونيه الذى مهد للقاء الرئيس مبارك فى 21 يونيه 1995 وكان هذا هو اللقاء الأول، حيث تم لقاء ثانٍ فى يونيه 1996 حضره مع أعضاء المجلس كل النقباء والنقابيين السابقين وكان فى مقدمتهم كامل زهيرى وشيخ الصحفيين حافظ محمود الذى مازلت أحتفظ له بانطباع لا يغادرنى منذ هذه اللحظة فهو شخص معجون بالكبرياء والاستغناء والوقار الذى يحفظ للرئاسة مقامها، ولا يخشى قول الحق فى حضور السلطان، فكان لينا وحاسما رقيقا وباترا. انعقاد مستمر: وعلى مدار أكثر من عام ظلت الجمعية فى حالة انعقاد مستمر وتلتقى مرة على الأقل كل شهر وبين كل اجتماع وآخر عشرات الاجتماعات الأخرى بين أعضاء مجلس النقابة وبين أعضاء الجمعية العمومية ولقاءات لا تنتهى بين الاثنين للتشاور، فقد تم الدخول فى سيناريو حل الأزمة ومعه بدأت المناورات الرسمية والرهان على انحسار موجه الغضب والالتفاف على كل ما يتم الاتفاق عليه فى الاجتماعات الرسمية أو الغرف المغلقة، لكن الجمعية العمومية سهرت على رعاية قراراتها وتحقيق هدفها الرئيسى بإسقاط القانون وتوحد الإيقاع، ولم تتعارض ـ لحظة ـ حكمة الكبار مع ثورة الشباب، واستغلت النقابة مساندة قوى كثيرة لها فى معركتها ونوعت فى وسائل حركتها باستغلال النشر فى الصحف فى سيل مقالات لم يتوقف، وإعداد مشروع قانون بديل دخلنا به مواجهة مع لجنة مشتركة أغلب عناصرها حكومية ودارت معركة لتعيد بعض التوازن إلى تشكيلها، ثم عقد المؤتمر العام الثالث للصحفيين فى سبتمبر 1995 والذى خرج بتوصيات مهمة لملامح الخطوط العريضة لأى مشروع بديل يمكن أن يقبله الصحفيون، واستبيان تم تعميمه وتوزيعه على المرشحين لعضوية مجلس الشعب لمعرفة اتجاهاتهم إذا دخلوا البرلمان من هذا القانون وكان إعلان نتائجه دعما وانتصارا لمطالب الصحفيين، وكانت الجولات التى اصطحبنا فيها كامل زهيرى إلى بعض دوائر النواب الذين رفضوا القانون وكانوا يعيدون ترشيحهم لعضوية البرلمان فى الانتخابات الجديدة وذلك تأكيدا لتضامننا معهم بمنحهم شهادات تقديرية باسم النقابة لدعمهم حرية الصحافة. كانت معركة كبرى، تسجيل كل تفاصيلها دين لابد أن نوفيه للأجيال الحالية حتى تبنى عليه وتتواصل الهمة ونزيح دواعى اليأس عنا جميعا. ولا يمكن للزملاء أن يسقطوا من ذاكرتهم العاشر من يونيو 1995 الذى صنعوه بصمودهم وجعلوه عيدا سنويا لهم، بهتافهم المتكرر فى اجتماعات جمعيتهم العمومية، وسط لهيب التصفيق وارتفاع الحناجر: "عاشت حرية الصحافة.. عاشت وحدة الصحفيين"، ولا يمكن للأجيال التى قررت أن تصون ذكرى هذه الملحمة العظيمة طوال الأعوام الماضية منذ العام 1996 وحتى العام قبل الماضى، أن تذهب هى بنفسها به إلى النسيان وتقرر الانتحار! فلم يكن إصدار القانون 93 لسنة 1995 الذى أسقطه الصحفيون مصادفة، وكذلك ما نحن فيه الآن، فهل وصلتنا الرسالة!