تتعرض أول عاصمة للدولة الإسلامية فى أفريقيا وهى مدينة الفسطاط الأثرية التى أنشأها الفاتح الإسلامى عمرو بن العاص للتدمير المتعمد بعد أن تم تحويلها عمداً إلى مقلب عمومى للقمامة بإلقاء الأطنان من الحجارة والمخلفات على منازلها الأثرية لطمث معالمها والاستيلاء على أراضيها وذلك فى ظل صمت مريب من المجلس الأعلى للآثار ومحافظة القاهرة وحى مصر القديمة والذى يشرف مكتبه على أطلال المدينة التى يتم ردمها يومياً. «العربي» فتحت ملف الاستيلاء على أراضى المدينة وكشفت عدة مفاجآت: فى البداية يفجر شيخ الأثريين عبدالرحمن عبدالتواب مفاجأة مدوية مفادها أن المدينة تتعرض للنهب والتدمير منذ عدة عقود مما أدى إلى اختفاء أجزاء كبيرة منها بفعل مافيا الأراضى وأضاف أن مدير مكتب وزير الثقافة أيمن عبدالمنعم ساهم فى هذه الجريمة بل إنه أصدر كتابا منذ خمس سنوات يحمل اسم الفسطاط باللغة الإنجليزية تم توزيعه على الشركات الاستثمارية يشير فيه إلى موقع المدينة وأهميتها من حيث الاستثمار تمهيداً لتقسيمها وتحويلها إلى مشروعات استثمارية وكشف شيخ الأثريين النقاب عن محاولة سابقة للاستيلاء على أراضى المدينة كان بطلها محافظ سابق للقاهرة أراد تقسيم المدينة وبيعها لمجموعة من المستثمرين الكويتيين وأرسل عدة خطابات لى بصفتى عضو اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية لكنى رفضت هذا المشروع الذى كان سيقضى على ما تبقى من المدينة. ويضيف شيخ الأثريين أنه بالتضامن مع الدكتور عبدالمنعم الصاوى أستاذ الآثار الإسلامية وأبلغا النيابة وتم حفظ الموضوع برمته ويشير إلى أن هناك خمسة مخازن مكتظة بالآثار مقامة بجوار مكاتب حراسة الآثار تنتظر الإفراج عنها وعرضها فى المتاحف الإسلامية لأنها تحتوى على كنوز أثرية مهمة وأشار إلى أنه تقدم بطلب إلى هيئة الأثار لبناء سور حول ما تبقى من أراضى المدينة واستجاب المجلس الأعلى للآثار وبنى هذا السور الذى يحيط بها من جهة الجنوب إلى الشمال حيث تحفل بالعديد من البيوت الأثرية المهمة والتى تعد أثراً تاريخياً إسلامياً رائعاً يكشف عن أسلوب معيشة سكان المدينة والذين بنوا بيوتهم فوق المجارى المائية العذبة بشكل هندسى بديع يسمح بدخول المياه إلى الحمامات وخروج المخلفات إلى أبيار أخرى بالصرف الصحى ويعد بيت محرز الأثرى أهم تلك المنازل والذى يعد الوحيد الذى يقف بشموخ كبناء وحيد متكامل فى المدينة وأبدى الأستاذ عبدالرحمن عبدالتواب دهشته الشديدة عندما أبلغناه بوجود ردم وتدمير للمدينة ومن داخل السور الذى ذكر أن الآثار أقامته فأكد عدم علمه بذلك مشيراً إلى أنه سوف يتحرى عن هذه القصة تمهيداً لاتخاذ الإجراءات ضد المخالفين. ومن ناحية أخرى أكد الدكتور عبدالله كامل رئيس قطاع الآثار الإسلامية السابق أن مدينة الفسطاط توازى البصرة والكوفة فى العراق كقيمة تاريخية إسلامية خالصة وتضم فى داخلها مسجد عمرو بن العاص والكنيسة المعلقة وتمتد حتى مدينة القطائع التى بناها أحمد بن طولون ثم أحاطها الناصر صلاح الدين الأيوبى بسور ضخم لحمايتها من الهجمات الصليبية وكانت المدينة تعد منارة للعلم والعلماء وانطلقت منها الجيوش الإسلامية التى فتحت شمال أفريقيا وعبرت إلى الأندلس ومعها جيوش من العلماء لنشر الدعوة الإسلامية فى مختلف البلاد التى تم فتحها وأكد على وجود مخازن وضعت فيها قطع أثرية مهمة استخرجتها بعثتا الآثار الأمريكية واليابانية. مشيراً إلى وجود إهمال جسيم فى حفظ هذه الآثار من جانب القائمين على حراستها ويؤكد أن هناك العديد من الجهات التى تطمع فى الاستيلاء على أراضى مدينة الفسطاط لتحويلها إلى منطقة سكنية حيث تعتبر هذه البقعة من أفضل المواقع فى القاهرة. وأكد مصدر من أهالى المنطقة المجاورة لمدينة الفسطاط أن عمليات الردم تتم منذ عشر سنوات كاملة وتبدأ من الثامنة مساء وحتى السادسة صباحاً حيث تمر عشرات السيارات الضخمة تحمل أطناناً من الأتربة والحجارة وتلقيها على أراضى مدينة الفسطاط حتى أوشكت معالمها على الاختفاء نهائياً وتساءل المصدر عن السبب وراء سكوت هيئة الآثار عن هذا التدمير المتعمد رغم وجود حراس لها فى هذه المنطقة وأين هى شرطة السياحة والآثار من هذه الجريمة ولماذا تسمح محافظة القاهرة بدخول هذه السيارات «التريلات» وهل يحمل سائقوها التصاريح اللازمة والضرورية لمثل هذا العمل من حى مصر القديمة والمحافظة مؤكداً أن سائقى هذه الشاحنات يتعمدون إطلاق السارينات لإزعاج السكان لإجبارهم على بيع منازلهم خاصة وأن هذه السيارات تزلزل أركان البيوت حيث يتطلب عبورهم لإلقاء الحمولات على أراضى المدينة المرور من شارع ضيق وسط مساكن الأهالى والغريب أن هؤلاء السائقين يؤكدون حصولهم على تصاريح من محافظة القاهرة والحى لإلقاء الردم. وأشار مصدر آخر من الأهالى والذين يخشون سطوة بلطجية ردم مدينة الفسطاط التابعين لأحد رجال الأعمال أن هناك نية مبيتة لتقسيم أراضى المدينة وبيعها لمستثمرين حيث تم رصد العديد من السيارات الفارهة تدخل لمشاهدة ما تم ردمه تمهيداً لشرائها كما رصد الأهالى زيارة سرية للهارب رامى لكح منذ فترة زمنية قبل الهروب حيث جاء لمشاهدة هذه الأراضى المردومة ولكن هروبه حال دون شرائه لها. وقال المصدر إن لديه أرقام السيارات التى تقوم بالردم وتحتفظ «العربي» بنسخة منها لتقديمها لمن يرغب. وأكد أحد حراس المدينة الأثرية الذين رفضوا ذكر أسمائهم أن هذا التخريب والتدمير يتم منذ عدة سنوات مشيراً إلى أنهم حرروا العديد من المحاضر لشرطة السياحة والآثار واستغاثوا بالمجلس الأعلى للآثار خاصة بعد أن اقترب الردم من بيت محرز الأثرى وسور صلاح الدين الأيوبى وفجر الحارس مفاجأة جديدة مفادها أن عملية الردم تتم تحت غطاء عقد إيجار لعشرين فدانا حصلت عليها إحدى الشركات فى الأربعينيات من القرن الماضى ثم رحل جميع مساهمى هذه الشركة من مصر عقب ثورة 23 يوليو ولم يعد أحد منهم مرة أخري.