عندما أشرع فى الكتابة عن محمد يوسف القعيد فإننى أحار وأرتبك، المداخل عديدة والمشاريع لا حصر لها. ترتبط بى بقدر ما ترتبط به، ذلك أن مسار كل منا تداخل مع الآخر منذ منتصف الستينيات واستمر حتى الآن، لذلك يبدو صعباً تنحية الحديث عن أيامى من خلال الحديث عنه. جمعنا نجيب محفوظ، مقهى ريش، الندوة الأسبوعية كل يوم جمعة، إذا ما حاولت العودة بالذاكرة إلى أول مرة رأيته فيها، يمكننى تحديد المكان ويصعب على تحديد الزمان، يجلس إلى مقعد فى مقهى ريش، لكن متي؟ هذا ما لا أقدر عليه، ربما عام ستة وستين، كان مجندا فى سلاح الخدمات الطبية وقتئذ، أمضى فى الخدمة العسكرية تسع سنوات، دخل الخدمة فى عام خمسة وستين وأنهاها عام أربعة وسبعين، بذلك يمكن الإشارة من خلال هذه السنوات إلى العبء الحقيقى الذى تحمله جيل الستينيات الذى ننتمى إليه، الجيل بمعناه العام وليس القاصر على مجموعة من الأدباء فى التعبير الشائع، إنه الجيل الذى خاض حرب اليمن، وعانى هزيمة يونيه وتبعاتها، وخاض حرب الاستنزاف وأكتوبر، خدمة عسكرية طويلة قبل أن ينهيها فى عام أربعة وسبعين. كان نجيب محفوظ صارماً كما هو معروف عنه فى الوقت، فى الثامنة والنصف تماماً ينصرف إلى بيته، وكان لدينا فائض من الوقت، كنا فى بداية العشرينيات، الطاقة وافرة والأرواح متوثبة والآمال عريضة رغم صعوبة الأحوال وعثر الإمكانيات، ليس من قبيل الحنين إلى الماضى، ولكننى أعتبرها أجمل أيامنا، كنا لا نفترق بعد ذهاب محفوظ، وقد نقضى الوقت حتى الفجر فى الفيشاوى، المقهى الوحيد المفتوح ليلا ونهارا فى القاهرة وقتئذ، إلى جانب بوفيه المحطة. من ندوة محفوظ تعرفت على كثيرين بعضهم اختفى تماماً من ذاكرتى، وبعضهم انزوى متباعداً، كانت الندوة نقطة الارتكاز التى قربت كلاً منا واختصرت المسافات بيننا، كان يمكن أن تتأخر معرفتى بالقعيد والكفراوى وأبوعوف ومجيد طوبيا وإبراهيم منصور وأمل دنقل سنوات لولا مقهى محفوظ وندوته، أسباب عديدة قربتنى من محمد «هذا هو الجزء الأول من اسمه، إذ أن اسمه مركب محمد يوسف»، منها تلك الأسباب المستعصية على التفسير التى تجعل روحا تألف روحاً وتنفر من أخرى، كان قريباً جداً بشهامته وذكائه وموهبته وقدرته على التفاعل، عندما أتحدث إليه رغم قدرته الفائقة على مداهمتى بتفاصيل لا نهاية لها عن كل شيء، فإننى فى مواجهته أشعر أننى يمكننى الإفضاء إليه بما يخصنى على كافة المستويات، منذ لقائنا وحتى الآن وقد بلغنا شتاء العمر عاش محمد معى أدق تفاصيل المحطات التى مررت بها، وفى الشدائد ليس مثله صديق، تجده قد تخلى عن كل ما يخصه وتفرغ للوقوف فى اللحظات الصعبة، ليس صدفة أنه الصاحب الوحيد الذى وقف حتى النهاية عندما توفى أبى وأنا فى سفر عام ثمانين. وعند رحيل أمى عام ثلاثة وثمانين، وعند رحيل شقيقى على منذ أسبوعين، خصال يوسف الشخصية الإيجابية لا حصر لها، إنه فلاح لم تغيره المدينة ولا المرور بمراحل عديدة خلال نموه الفكرى والروحى، لذلك تبدو مواقفه العامة متسقة تماماً لا تهاون ولا لبس فيها، موقفه من الصراع العربى الإسرائيلى حاسم، لا يقبل أى حجج تقول بالمرونة أو تغير الظروف، إخلاصه ووفاؤه لجمال عبدالناصر لا تشوبه شائبة، لم يعرفه شخصياً ولم يلتق به، لكنه مدافع مخلص عنه فى مواجهة محاولات التشويه، وفى جلسة الثلاثاء مع محفوظ لم يكن يتبع اسم ناصر إلا بوصف العظيم مما دعا محفوظ إلى مبادلته الوصف بالوصف فكان إذا ذكر اسم ناصر يتأنى لحظة ثم يقول «العظيم».. محمد متسق إلى حد مثالى بين ما يعتقده وسلوكه الشخصى، لا ذبذبة، ولا مساحة رمادية، من العناصر التى وثقت بيننا القراءة، إنه قارئ نهم، متابع جيد لما يصدر فى الوطن العربى كله، من عادتى أن أوقع باسمى فى الصفحة الأخيرة، كثير من الكتب التى احتفظ بها فى مكتبتى تحمل توقيع محمد أيضاً، عندما تعرفت عليه كان مجنداً وكان مقره مستشفى غمرة العسكرى، لم يكن له سكن قاهرى، عاين مكتبتى التى كانت بدأت تنمو فى بيتنا بدرب الطبلاوى، وبدأ يقرأ ما يلفت نظره منها، كان دقيقاً جداً فى إرجاع الكتب وظل كذلك إلى سنوات قريبة، خلال الفترة الأخيرة ألاحظ أنه يستعيد الكتب ولا يعيدها، كذلك لا يسألنى عما آخذه منه، ربما لأن ذاكرة كل منا مثقلة، وربما لأن ما عنده عندي. سافرنا معاً، وهو رفيق سفر رائع، لديه دهشة طفل وفلاح يتغرب لأول مرة، ولنا فى الأسفار حكايات تملأ مجلدات، لديه نظر مدبب، تلفته الأشياء الصغيرة، يتوقف عندها، ولعل كتابه عن اليابان من أجمل كتب الرحلات العربية، كما أنه يعرف بهذا البلد القصي. بدأنا معاً فى عام ثمانية وستين كان يدخر أربعين جنيها وكنت أدخر خمسة وثلاثين، قدمنا كل ما نملك إلى الأديب سمير ندا الذى أسس سلسلة كتاب الطليعة، وبإيثار نادر قدمنى محمد على نفسه، هكذا صدر كتاب «أوراق شاب عاش منذ ألف عام». فى بداية عام تسعة وستين، رحنا نبيع نسخة للمعارف والأقارب ومن خلال الحاج محمد مدبولى، وبحصيلة ما جمعناه طبعنا روايته الأولى «الحداد»، وكان ظهور الكتابين بمثابة ميلاد أدبى لكلٍ منا، توالت أعماله الأدبية والحديث عنها يطول، غير أننى أقول إنه لم يقرأ جيداً مثل العديد من أعمالى وأعمال كتاب آخرين موهوبين والسبب الخلل الواقع فى حركة النقد الأدبية، لمحمد أعمال رائعة توقفت أمامها طويلاً وكتبت عن بعضها، منها «الحداد» و«بلد المحبوب» و«اليوم أربعة وعشرين ساعة» وروايته الرائعة «البيات الشتوي» و«الحرب فى بر مصر» وثلاثية «شكاوى المصرى الفصيح» وأخيراً «قسمة الغرماء»، أما إنجازه فى القصة القصيرة فيقف إلى جانب إنجازه الروائى، ليت حصوله على جائزة الدولة التقديرية المتأخر نسبياً يكون فرصة لإعادة قراءة متأنية لأديب من أكبر الروائيين العرب. مما اعتدنا عليه قراءة مخطوطات أعمالنا، أطلعه على ما كتبت خاصة الروايات وأحترم آراءه وملاحظاته، لم أتوقف عن هذه العادة حتى الآن، على المستوى المهنى يعتبر من أقدر الصحفيين حرفية، ولعب دوراً أساسياً فى ازدهار «المصور» غير أنه غادر المهنة كلها لأسباب أحترم رغبته فى عدم الإفصاح عنها، امتلك من الشجاعة ما لم أمتلكه، إذ أحال نفسه إلى التقاعد وهو دون الستين بسنوات، خرج من دار الهلال ولم يعد إليها حتى الآن بجسده رغم دعوات صديقنا حمدى رزق عاد إلى المصور بقلمه ولم يعد إليها بنفسه، غير أننى طوال السنوات الماضية أتيح لى أن أقف على مدى ما تركه من أثر حميم وصادق عبر اتصالات العمال والمحررين به وودهم لشخصه الطيب النبيل. من العلاقات الكبرى فى حياة كل منا الصلة بالأستاذ محمد حسنين هيكل، غير أن محمد أقرب، وكثيراً ما أعرف الأخبار التى تخص الأستاذ من خلاله، وللأستاذ تأثير عظيم فى حياته، وأعتقد أن تلك الصلة أحد عوامل التوازن فى حياته خاصة فى السنوات الأخيرة التى ينطوى فيها ولا يتحرك كثيراً ويتابع بأسى بعضا مما يجرى، نتحدث طويلا عبر الهاتف، وقد تمضى أيام بدون أن نتبادل كلمة، لكنه دائماً هناك، فى أيامى التى ولت وتلك الباقية، صديقاً عزيزا، وصلة تعلو فوق أى حساسيات يظنها البعض بين المبدعين المتجايلين، لكل منا طريقه، لكن ما أمضى فيه يمضى بالتوازى، وكلانا امتزجت أيامه بأيام الآخر، لذلك شعرت بأننى من حصد الجائزة عندما نالها من أول دورة تصويت فى إجماع يحمل التقدير فعلا لواحد من أكبر أدباء جيلنا ومن أخلص أبناء مصر.