14-03-2010     1199

 


 

بهاء طاهر


محفوظ عبدالرحمن


 
الكاتب الذى لا يكتب إلا ما يرى أنه يستحق

كان بهاء طاهر طالبًا فى كلية الآداب عندما كنت طالبًا فيها.. وكان شهيرًا بيننا لكن أحدًا ممن أعرفهم لم يزعم أن هناك صداقة تجمعهما.. وعندما قابلته فى الفترة الأولى لاحظت أنه متحفظ فى علاقاته.. وفسر بعضنا هذا بأنه قناوى خجول، والدليل تلك الضحكة العصبية السريعة التى تفلت منه.. وخطر على بالى أن بهاء خطط لنفسه على غير ما كان يفعل أبناء جيله.. بعضهم ألقى بنفسه فى بحار السياسة بتياراتها المختلفة، وبدا أنه مبتعد وإن كشفت الأيام أنه من أكثر جيله غرقًا فيها.. وبعضهم اهتم بالكتابة ـ ولقد فعل ـ لكنه لم يكن مثلهم متلهفًا على النشر، وأيضًا لم يسع إلى العمل الصحفى كوسيلة لنشر ما يكتب، ومن الغريب أنه عمل فى الإذاعة، والأغرب أنه لم يكتب للإذاعة بل عمل مذيعًا ومخرجًا.. ولقد عرفته عندما أكمل إخراج أول برنامج كتبه للإذاعة وكان عن «اخناتون» ولا أذكر الظروف التى منعت نور الدين مصطفى من إتمامه، وأظنها كانت ظروفًا صحية.. وفى تلك التجربة القصيرة اكتشفت صفة جديدة فيه وهى الدقة الشديدة. 
وأظن أن بهاء نشر أول ما نشر فى مجلة «الآداب» البيروتية منارة الحركة الأدبية فى الخمسينيات والستينيات.. وأذكر أننى منذ البدايات أحسست أننى أمام مشروع كاتب مسرحى عظيم.. وأذكر أننى تكلمت مع بهاء فى ذلك مرات، لكنه كان دائمًا حوارًا من طرف واحد، ولم يعلق أبدًا على ما قلت.. هل كان من البداية مهتمًا بالرواية والقصة فقط؟.. كان يدرك قبل أن يدرك أحد أن المسرح فى بلادنا بلا مستقبل، وأنه تجربة خاسرة؟ 
وفى مجلة «الآداب» كان يكتب آنئذ رجاء النقاش.. وكان مرشحًا لجائزة مبارك مع بهاء.. وكانت آخر فرصة للناقد الجميل فلقد باغته شبح النهاية.. وقام بهاء بالتنازل عن الترشيح.. ولم يكن ذلك غريبًا على بهاء، لكن على الوسط الثقافى الأدبي. 
وبالطبع أرى أن الكاتب لا تصنعه الجوائز، لكننى سعدت بحصول بهاء طاهر على جائزة مبارك فى الآداب مثلما أحسست بالتعاسة لفشل المجتمعين فى منح الجائزة التقديرية لـ «محمد أبو المعاطى أبو النجا» الذى كان يستحق الجائزة منذ سنوات، ولكن العدل الكامل فى الجوائز مستحيل، فعلينا أن نسعد بالتوفيق مثلما حدث فى حالة بهاء، وبالضيق مثلما حدث فى حالة أبو المعاطي. 
ولعل التوفيق والضيق يكونان وراء تغيير النظام الفوضوى الذى تجرى فيه جوائز الدولة، وإن كنت أشك فى ذلك فلقد بحت الأصوات. 
وذات مرة كنت ذاهبًا إلى هولندا فطلب منى بهاء نسخة من الترجمة الهولندية لروايته «خالتى صفية والدير».. وفى روتردام مررت على أكثر من مكتبة فلم أجد الرواية، وفى أمستردام كررت ذلك ولم أجد الرواية أيضًا. 
وعندما عدت اتصلت به وقلت له ضاحكًا إن روايته نفدت فى هولندا. 
وغضب بهاء فكثيرًا ما كنت أصدم بغضبه أو سعادته وقال إننا حولنا كل شيء إلى سخرية.. وسمعت هذه القصة فتاة مصرية تعيش فى هولندا، وبالطبع كانت مثلى من المعجبين بـ «بهاء»، فقالت إنها ستأتى بالرواية. 
لكنها اتصلت بى وقالت إنها بحثت عنها فى كل مكتبة فلم تجدها، وفى النهاية ذهبت إلى الناشر الذى قال لها إن الرواية فعلاً نفدت! 
تحية إلى بهاء طاهر الكاتب الذى لا يكتب إلا ما يرى أنه يستحق.. لذلك فهو يستحق الكثير. 
 
  تقييم المقال
المعدل: 5
تصويتات: 3


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من