كلما رأيت فيلم «مشوار عمر» للمخرج محمد خان، تذكرت على الفور قصيدة فاتنة للشاعر «نيكانور بارا» أحد أهم شعراء أمريكا اللاتينية، تتحدث القصيدة عن رجل يخرج من بيته فى الليل، ليأتى لأمه المريضة، بالدواء، وفى الطريق يرى زوجته بصحبة رجل آخر، فتابعهما عن بعد، من وراء الأشجار، الى أن يلتقى فجأة مجموعة من الأشخاص، قالوا له إنهم اصدقاؤه، وطلبوا منه أن يصعد معهم الى شقتهم مستسلماً لرغبتهم، وطلبوا منه ان يشاركهم «الشرب» فشرب، وطلبوا منه أيضا ان يقرأ شعرا فقرأ، الى أن ينسى الهدف الرئيسى من مغادرته البيت ليلاً، وينام تحت منضدة فى الشقة التى لا يعرف أصحابها. بطل «محمد خان» فى «مشوار عمر» لديه هدف محدد، وان كان ضد رغبته، وهو أن ينقل بعض المجوهرات الى طنطا، بناء على رغبة والده، لكنه فى الطريق الى هناك يلاقى أشخاصا يصنعون مصيره، أو يخرجونه من لحظة السأم التى يعيشها، دون أن يصل الى المكان الذى يريده، فهو يعانى أزمة وجودية، أو كما أطلق عليه الناقد أحمد يوسف انه «البطل اللا منتمي» الذى يجد نفسه متورطاً فى رحلة أو تجربة يخوضها على مضض، إنها «رحلة البحث عن معنى فى عالم يؤكد فيه خان دائما ـ فى كل أفلامه تقريبا ـ انه لا يتوقف عن التغير» ولذا فإنك تستطيع أن تقابل أبطال محمد خان، فى أكثر من فيلم له. ويتساء ل المرء: لماذا أحب أحمد يوسف الذى لم أرا مرة واحدة فى حياتي؟ هل لأنه يحترم عقلية القارئ حين يحدثه عن شيء يعرفه، مدققا فى كل كلمة وكل حرف يكتبه؟ هل هى ثقافته السينمائية التى تتجاوز فكرة الصورة والصوت الى رحلة الأفكار، وتتبعه لها فى كل شريط رآه وكل كتاب قرأه؟ هل هذه المحبة نابعة من اتقان أحمد يوسف لما يعمله، وابتعاده عن الأضواء، التى يلهث وراءها غيره من النقاد، الذين قال عنهم أحد أصدقائي: انهم أفسدوا النقد السينمائي؟ ربما لكل هذه الاسباب مجتمعة تكمن ضرورة أن تكون محبا لأحمد يوسف الذى لم تره، والذى معه يبدو وجود اسمه على أحد الكتب، التى أصدرها المهرجان القومى للسينما، مبررا لأن تنتفى فكرة الدعائية التى التصقت بأغلب الاصدارات المواكبة لهذا المهرجان، وان تتساءل من يقرأ العنوان: «محمد خان.. ذاكرة سينمائية تتحدى النسيان» هل أنت بإزاء ذاكرة أحمد يوسف أم خان؟ فكلاهما يواجه النسيان بطريقته، خان الذى يحتفظ على شرائط سينمائية بـ «ذاكرة للمكان والمجتمع والاقتصاد والثقافة، وذاكرة للانسان فى كل هذه السياقات، كيف يشعر الناس ويفكرون ويحلمون ويتصارعون، بل كيف يتحدثون ويستخدمون تعبيرات الجسد وايماءاته فى التعبير عن ذلك كله». هكذا يواجه «خان» النسيان، وهى الطريقة ذاتها التى يواجه بها أحمد يوسف النسيان حين يأخذ نفسه بجدية فى كل ما يكتب، لأن هذا ما سيبقى منه، فهو يكتب دون حسابات مع أحد، مسلحا بالمعرفة التى تتجاوز فكرة التعامل مع الصورة، لتعكس ثقافة موسوعية لا تتوافر للكثيرين ممن ألصقوا بأنفسهم مهنة النقد السينمائي. كانت بداية «خان» مع الأفلام القصيرة فى العام 1963، عبر فيلم «ضائع» ومدته 4 دقائق، وقد أدى فيه مشاهد تمثيلية، مثلما فعل فى أفلام «العوامة رقم70» و«واحدة بواحدة» و«ملك وكتابة» وكلها من إخراج زملاء له، لكن البداية التى يمكن أن ندعوها بداية حقيقية، كانت مع إخراجه فيلم «ضربة شمس» فى العام 1978، وحاز عنه ثلاث جوائز من مهرجان الاسكندرية الدولى الأول ومهرجان جمعية الفيلم السنوى السابع ومسابقة الأفلام المصرية الروائية والمتتبع لأفلام محمد خان لابد انه سيتوقف أمام فيلم «أيام السادات» الذى يبدو مختلفا عن كل أفلام خان السابقة عليه واللاحقة، فهو يكرس شريطه السينمائى لشخصية واحدة، تبدو معها كل الشخوص الثانوية باهتة، إضافة الى شهرة هذه الشخصية، وإثارتها للجدل، إنه بطل تراچيدى بكل معنى الكلمة، محمد خان بدا فى الفيلم وكأنه يتصفح ألبوم صور، ما الذى اختلف رغم ان شخصية السادات تصلح لأن تكون ماة لأفلام سينمائية عديدة، وليس لفيلم واحد، كان حريصا على أن يقول كل شيء فى مسيرة السادات، ولم يقل شيئا على المستوى البصري. الاجابة تأتى فيما ذكره أحمد يوسف من أن «بطل خان فى كل أفلامه السابقة كان من آحاد الناس، لكنه هذه المرة شخص متفرد تماما، كما كان محمد خان يجتهد، لكى يصنع لأبطاله العاديين تاريخا، ويضيف إليهم تفاصيل عديدة، تضفى على شخصياتهم الحياة، وها هو أمام شخصية، قد تجد لها تواريخ شديدة التناقض، ولها عشرات ـ وربما مئات ـ الساعات من الشرائط التى تسجل أداء الرجل المفعم بالحيوية ربما أكثر مما يستطيعه ممثل محترف، وكان هذا هو جوهر التناقض الذى وقع فيه فيلم أيام السادات والنتيجة التى يخلص إليها أحمد يوسف بعد قراءة الفيلم انه لا ينتمى من ناحية الرؤية الى سينما محمد خان وان لم يخل من لمساته الاحترافية التى اكتسبها عبر عشرين عاما أو يزيد ـ وقت صناعة الفيلم ـ فى خبرته فى إخراج الافلام، ولذلك استخدم خان لأول مرة يقنية «الفلاش باك» كجزء أساسى من البناء السردى لفيلم، وإن شابه خطأ درامى يتمثل فى العودة داخل الفلاش باك الأصلى الى فلاش باك فرعي. لعل خان كان واقعا تحت سطوة النجم أحمد زكى الذى أراد أن يقدم نسخته الخاصة عن السادات، فأفرط فى تقلص حركة الفكين، والمبالغة فى حركة اليدين، وما انتهى به الى تقديم صورة كاريكاتورية للسادات، وافتقد الفيلم «البؤرة الدرامية» ليحتلها أحمد زكى فى تقمصه لشخصية السادات، لذلك أتت كل الشخصيات الثانوية باهتة، وهو ما لم يحدث فى أفلام خان، فكما يقول أحمد يوسف، ففى كل أفلام خان يمكنك أن تتذكر شخصية لم تظهر على الشاشة إلا دقيقة واحدة، «لذلك كان أبطال محمد خان الذين اصطنعهم بفنه أكثر حقيقية وواقعية من شخصية حقيقية، تحولت الى الاصطناع فى فيلم لم يلمس جوهر البطل باعتباره بطلا تراچيديا». كتاب أحمد يوسف يمثل رحلة بحث فى الذاكرة السينمائية عند محمد خان، لذا فإنه يرى فى فيلم «ضربة شمس» ـ بعد ربع القرن من عرضه ـ البذرة الجنينية الأولى لعالم محمد خان التى سوف ينبت منها ويتفرع عنها العديد من الأفلام، كما ان هذا الفيلم، على بساطته، يحتوى على عشرات التيمات والموتيفات التى سوف يولد منها أفلام مستقلة بذاتها، وتظل الكاميرا المصوبة نحو الواقع، تلتقط المزيد من التفاصيل، التى تصبح بدورها جوهر سينما محمد خان، لتكشف عما تحت السطح. لذلك ـ كما يقول يوسف ـ لم يكن غريبا أن تنطلق الكاميرا على نحو غير مسبوق بهذه الكثافة فى السينما المصرية، فى الشوارع، حتى إنه يمكنك ان تعتبر فيلم «ضربة شمس» مثل العديد منأفلام خان الأخرى، وثيقة للعصر الذى تم تصويرها فيه، كما ان هذا الفيلم يوثق للعديد من تيمات وموتيفات خان فى الكثير من أفلامه التالية، وأهمها هنا للبطل اللا منتمى فى الظاهر، المتورط بإرادته، بدافع ان الاخلاقيات التى تعلى من شأن الانسان، ومن النزعة الاحترافية، اضافة الى موتيفات أخرى مثل تحول الواقع اليومى شيئا فشيئا الى كابوس، ولذا نراه يصور فى الأماكن الطبيعية خلال النهار أو الليل، وهو اغراء تحول الى حالة عشق حقيقى ساعده على الانتماء الى الواقع المصرى بكل تفاصيله. وضمن تفاصيل هذا الواقع المصرى تقع المناطق العشوائية، التى بات يتنازع العمل عليها أكثر من أب، تحت ادعاء الريادة، ويتناسى هؤلاء فيلما مثل «احلام هند وكاميليا» وهى الأفلام التى يسميها أحمد يوسف «الأفلام العشوائية» التى تقدم الناس باعتبارهم فرجة، مخلوقات مشوهة، مكانها الممكن الوحيد هو سيرك الحياة، ولكى تصبح الحياة أفضل لنا، فمن الأفضل أيضا حرق هذه الكائنات والتخلص منها لأن الفنان يقول انه لا أمل فيهم بعد أن شوهناهم وليس مهما عندئذ من الجانى ومن الضحية؟!، لأن الضحية ذاتها أكثر جرما من الجاني. الأمر يحتاج الى أن يحدد الفنان موقفه الانسانى تجاه هؤلاء والفارق بين هذه الأفلام العشوائية الجديد وبين فيلم مثل «أحلام هند وكاميليا» أن محمد خان يحب أبطاله وبطلاته، ويقول انهم لا يزالون بشرا مفعمين بالحيوية والانسانية، لذلك لا يشعر المتفرج ابداً، بعد ان ينتهى من مشاهدة الفيلم انه قد استمتع ـ بنوع من السادية ـ بالفرجة على هؤلاء الفقراء. ويقول أحمد يوسف: «ان مشاهدتى لهؤلاء المظلومين تعلمنى على أيديهم ـ انا الذى أزعم امتلاك بعض الثقافة ـ كيف أعيش الحياة، وضرورة ان أحبها أكثر جمالا وعدلا بالنسبة لى ولهم وللوطن» هذا فى مقابل الشعور بعد الفرجة على فيلم عشوائى، بأن تلك المخلوقات الشائهة هى نفاية مجتمع ظالم، يجب حرقهم لكى نستطيع، اذا أردنا، أن نوقف هذا الظلم فى يوم ما حين نقرأ كتاب أحمد يوسف فإننا نجد أنفسنا إزاء ناقد أعاد قراءة ومشاهدة أفلام خان بحس يقظ، يدفعه أحيانا لمراجعة أفكاره حول فيلم من هذه الأفلام بعد عقود من مشاهدته الأولى لها، ليكتشف ان محمد خان فى فيلمه «فارس المدينة» بدا وكأنه يصفى حساباته مع مجموعة من أبطال أفلامه القدامى، ليقول من خلالهم إنه لا يستطيع ان يساعدهم ما دامت الشروط الاقتصادية والاجتماعية على حالها، رغم ان أحلام هؤلاء الأبطال بسيطة، من هنا سعى خان فى فيلم «مستر كاراتيه» لأن يصنع قدما فى السينما التجارية، محاولا تحقيق المعادلة الصعبة بين تصفيات السوق والحرية الابداعية، لكن الفيلم كما يقول أحمد يوسف «ظل يعانى من ازدواجية انتمائه فى معظم مشاهده لمحمد خان وانتماء مشاهد أخرى للنجم أحمد زكي» هذه الازدواجية تغلبت فيها كفة زكى فى فيلم أيام السادات فبدا غريبا على محمد خان. يصل أحمد يوسف فى كتابه الى خلاصات خاصة بسينما محمد خان، وذلك بعد أن يقدم عدة قراءات فى أكثر من فيلم، فالبطل لدى خان فارس فى كل تجلياته، بين الفقر والفن، النقاء والتلوث، إنه بطل تراچيدى ودون كيشوتى معاً، وكثيرا ما يصفه الآخرون بالجنون، فهو خارج على السائد والمألوف، وهو مثل خان ـ الذى شارك فى كتابة أكثر من عمل له ـ فى علاقته بالعالم، فكما يبدأ خان بالتأمل المحايد الموضوعى لعالمه الفنى، ينتهى متورطا فيه، متوحدا معه، دون ندم، والحرب التى يخوضها هذا البطل مع الزمن، الذى يفلت ولا يعود، وهى حرب تهدف فى تنويعات مختلفة الى رغبته المستحيلة فى العودة الى الماضى أو الرفض القاطع للعودة إليه. الكتابة عن شخص ما أو عمل له يخضع للكثير من الحسابات، بينها أن تكون هناك معرفة أو علاقة ممتدة بين الكاتب وموضوعه، وفى كل الأحوال تظل المجاملة هى الدافع الغالب فى كل ما نراه من كتابة عن شخص ما أو عمل ما، لكن أحمد يوسف لم ير خان سوى مرات معدودة، ولم تدم الاتصالات التليفونية بنيهما سوى دقائق، حتى ان خان قابل فكرة إعداد يوسف كتابا عنه كانت مثار دهشة، لكن الكتاب أنجز، لنكسب نحن القراء رحلة عميقة فى عالم فنان سينمائى حقيقى قدم للسينما المصرية عدة أفلام لا يمكن أن يتجاهلها من يؤرخون للسينما فى تلك الحقبة، منذ أن قدم خان فيلمه الأول الى اللحظة الراهنة التى لا يزال يقدم فيها ابداعاته، ورغم هذا لا يزال هاجس الغربة يسكن خان، هو الذى قدم مصر عبر أكثر من شريط سينمائى، فهو بعد هذه الرحلة من تثبيت الذاكرة المصرية يقول: «لا يزال فى أعماقى شعور عميق بعدم الزمان، إنه احساس ينبع أحيانا من أن البعض يرغمونك على الإحساس بنوع من الغربة الى درجة المهانة، حتى إننى اتساءل عن مصيرى اذا تغيرت الظروف السياسية لسبب أو لآخر، وصدرت قرارات بترحيل كل الانجليز؟ ترى الى أين أذهب، وماذا أفعل هناك؟ وهل يجب على عندئذ أن أترك الوطن لأعيش فى المنفي؟ هل من الغريب اذن أن أشعر بعدم الأمان». كان محمد خان قد أثيرت مسألة جنسيته بعد عرض فيلم «أيام السادات» فما الذى يحتاجه خان (الذى يحمل الجنسية الانجليزية) حتى يكون مصريا؟ لعل هذا ما يفسر انشغال خان فى أغلب أفلامه بفكرة الانتماء، ففى الجزء الذى وضع له أحمد يوسف عنوانا «هكذا تحدث محمد خان» يتحدث المخرج الجميل عن «قلق المنتمي» قائلا: «يراودنى فى أغلب فترات حياتى شعور بعدم الأمان، حتى لو لم يكن لذلك أسبابه القوية، ومن المؤكد أن لهذا الشعور سلبياته، لقد حاولت أن ألمس تلك الفكرة فى فيلم «يوسف وزينب» وعلاقاتها القوية بقضية الانتماء». ويقول خان: «قد يكون انحدارى من «خليط» هو الذى خلق لدى هذه المشكلة، فبالنسبة لشخصية يوسف فى الفيلم حاولت من خلاله أن أجيب عن سؤال: ما هو الانتماء؟ انا لا أعتقد ان الانتماء يكون للأرض، وإنما للبشر فحتى لو كان هناك مصرى مئة بالمئة، ولا يريده كل البشر من حوله فإنه لا يشعر بالانتماء للأرض، إننى أنتمى تماماً للناس من حولى، لكننى لا أستطيع أن أقاوم هذا الشعور الخفى بعدم الأمان». يتحدث خان عن فترة الستينيات من القرن الماضى التى عاشها فى لندن، وتركت آثارها على تكوينه، باعتبارها كانت ملتقى لكل الحركات السينمائية، وهناك تولدت لديه عدة مشروعات، منها تأسيس مجلة سينمائية، لكن المشروع لم ير النور، وعندما عاد خان من انجلترا كان قد شاهد حوالى 5 آلاف فيلم، كانت السينما هى كل حياته، وهو ما يفتقده الآن، فلا توجد حركات سينمائية فى العالم كله مثلما كانت عليه السينما فى الستينيات، التى تعود إليها ثقافة خان السينمائية، وفى تلك الفترة فى لندن بدأت فكرة فيلم «ضربة شمس» عندما كان خان يمتلك محلا لبيع الملابس.. حديث خان عن نفسه يأتى إجابة عن أسئلة طرحها أحمد يوسف عليه، وفضل حذفها، ليكون محمد خان وحده فى «الكادر» فهو يتحدث عن ظهوره فى عدة أفلام ممثلاً، لكنه يكشف عن رفضه فيلما عالميا من اخراج ريدل سكوت وبطولة ليوناردو دى كابريو وراسيل كرو، وكان الدور لزعيم منظمة ارهابية، لكنه اعترض على جملة حوار تأتى على لسان الشخصية: هل أنت يهودي؟ وكان من المفترض أن تكون: هل انت من الموساد؟ لكنهم عرضوا على خان فيما بعد دورا آخر لأستاذ جامعى فلسطينى، لكنه رفض رغم اعجابه بنهاية الفيلم التى تؤكد أن أمريكا تريد أن يكون الارهاب طليقا عكس شعاراتها بأنها تريد القضاء عليه.