07-03-2010     1198

 


 

د. محمد أبوالغار عائداً من رحلة إلى الولايات المتحدة


د. محمد أبوالغار


 
هل يقدر أوباما على إسرائيل؟

تابعت خلال أسبوعين وأثناء حضورى مؤتمراً طبياً فى الولايات المتحدة ما يدور على المسرح الأمريكى وما هو الموقف الحقيقى على أرض الواقع للرئيس أوباما؟! 
يعتقد الكثيرون أن أوباما قد حاول أن يقوم بحلول جذرية لمشاكل كثيرة غاية فى التعقيد بعضها وعد بها أثناء حملته الانتخابية ومشاكل أخرى مفاجئة ظهرت قبل انتخابه مباشرة. ويعتقد المراقبون أنه قد يغرق فى كل هذه المشاكل لأن الدخول فى كل هذه المشاكل مرة واحدة خطأ سياسي. 
لقد وعد أوباما بالجلاء عن العراق وسحب القوات الأمريكية وبدأ فى تنفيذ وعده وكانت هناك موافقة من البنتاجون على ذلك ومعارضة شعبية شديدة للبقاء فى العراق ولذا كان اتخاذ القرار سهلاً وبانتهاء الانسحاب الأمريكى يعتقد الكثيرون أن العراق مهدد بتفجيرات عنيفة واحتمال حرب أهلية وفى الأفق يبدو أن تقسيم العراق قادم لا محالة والرئيس الأمريكى لن يلام على شيء مما سوف يحدث فى العراق وسوف يلقى باللوم على الرئيس السابق ولن يهتم أحد بمستقبل العراق وشعبه وهويته. 
والموضوع الثانى الذى وعد به أوباما هو إغلاق معتقل جوانتانامو وبالفعل أصدر الرئيس قراراً رئاسياً بإغلاقه إلا أن هناك مشاكل عالقة يحاولون أن يجدوا لها حلاً وهو أن هناك عدداً من المعتقلين لم تثبت عليهم تهم محددة وتريد أمريكا ترحيلهم إلى بلادهم ولكن بلادهم ترفض استقبالهم، والبعض الآخر عليهم شبهات لا ترقى إلى مستوى الاتهام الواضح وتقديمهم إلى المحاكمة قد ينتهى بالبراءة، ويعتبر خبراء الأمن أن تواجدهم طلقاء فى المجتمع يشكل خطورة وبالتالى ليس واضحاً ما هو القرار النهائى لهذه الحالات، والبعض من معتقلى جوانتانامو الذين توجد عليهم تهم واضحة سوف يقدمون للمحاكمة، وتتخوف المنظمات المدنية لحقوق الانسان من احتمال تأثر المحلفين بأحداث 11 سبتمبر ما قد يؤدى إلى إدانة بعض الأبرياء ولا تزال المناقشات جارية فى هذه الأمور التفصيلية، أما المعتقل فقد أقفل بغير رجعة. 
وقد أثار حادث الرائد نضال الضابط الأمريكى الذى وصل إلى هذه الرتبة وهى رتبة عزيزة وقليلة فى هذه الدولة بعكس دول العالم الثالث التى بها الآلاف من الجنرالات والمارشالات فى الجيوش وكذلك فى الشرطة وتواجد لواءات شرطة فى الشارع تنظمه أو تحرسه شيء طبيعى وعادى مثلاً فى ميدان التحرير بالقاهرة، فهذا الضابط الأمريكى المولد والتربية خدم فى الجيش الأمريكى سنوات طويلة منها 4 سنوات فى العراق وفجأة قام بإطلاق التار على زملائه فى المعسكر بطريقة عشوائية أدت إلى مقتل وجرح الكثيرين، أثار ذلك الحادث الذعر فى قلوب الشعب الأمريكي/ صحيح أن هذا حادث فردى ولكن هناك عشرة آلاف مسلم فى الجيش الأمريكى حالياً وهناك ملايين من المسلمين فى الولايات المتحدة، كل ذلك أثار الخوف فى قلوب الكثيرين وقد يكون له توابع غير معلنة تمس المسلمين فى أمريكا ومحاكمات معتقلى جوانتانامو ومصيرهم فى المستقبل وقد تؤثر على رؤية وخطة أوباما فى التعامل مع المسلمين تحت ضغط اليمين الأمريكى الذى قد يتهمه بالضعف وعدم القدرة على اتخاذ قرارات قوية شجاعة. 
الموضوع الثالث: هو موضوع التأمين الصحي. إن مشكلة العلاج الطبى فى أمريكا أنها باهظة التكاليف وتبلغ أضعاف العلاج فى أوروبا الغربية المساوى للعلاج الأمريكى فى الكفاءة والنتائج والسبب الرئيسى فى هذا الارتفاع الرهيب فى التكلفة هو أن هناك آلاف المحامين المتخصصين فى قضايا مضاعفات العلاج الطبى وهم يقومون بالاتفاق مع المرضى برفع قضايا على الأطباء والمستشفيات فى حالة حدوث أى مضاعفات ولو بسيطة ولا يتكلف المريض شيئاً بل يقوم المحامى بالتكفل بكل شيء من أتعاب المقاضاة على أن يحصل على خمسين فى المائة من التعويض. وبسبب هذه التعويضات المبالغ فيها يضطر الأطباء والمستشفيات إلى أولاً: إجراء عدد هائل من التحليلات والفحوصات غير اللازمة والباهظة التكاليف حرصاً على عدم مساءلتهم وبالإضافة إلا أن تكلفة العلاج مرتفعة تضطر شركات التأمين إلى رفع قيمة التأمين على المريض ويرتفع أيضاً التأمين على الطبيب ضد أى قضايا ترفع عليه ليصل فى بعض الولايات والتخصصات إلى أكثر من ربع المليون دولار سنوياً ما يضطر الطبيب إلى رفع أجره والمستشفى لرفع أجرها وفى النهاية تبلغ التكلفة رقماً فلكياً يصل جزء كبير منه إلى هذه الفئة من المحامين. 
ولا يستطيع أوباما الاقتراب من هذه القضية المهمة وغير الأخلاقية لأن معظم هؤلاء المحامين من كبار رجال الحزب الديمقراطى ومن أبرزهم إدواردز الذى كان مرشحاً للرئاسة فى المراحل الأولي. 
ويزيد المشكلة أن الدواء الذى تنتجه الشركة الأمريكية يباع فى أمريكا بأربعة وأحياناً عشرة أضعاف ثمن بيعه فى خارج أمريكا. يعنى ذلك أن السبب الكبير فى ارتفاع تكلفة العلاج لم يقترب منه أوباما ولم يستطع أحد من الرؤساء السابقين اصلاحه. 
إن أول مشروع للتأمين الصحى فى أمريكا قدمه الرئيس جونسون عندما استحدث تأميناً صحياً شاملاً لكل الأمريكيين الذين تخطوا الخامسة والستين من العمر فى الستينيات. ومنذ ذلك الحين يقوم الأمريكيون بدفع تأمين صحى من جيوبهم أو عن طريق الشركات والمؤسسات التى يعملون بها وهناك فروق شاسعة فى نوعية التأمين ومدى تغطيته لعلاج الأمراض المختلفة حسب قيمة المبلغ الذى يدفع فيه. 
ويبقى أكثر من 45 مليون أمريكى لا يغطيهم أى نوع من التأمين الصحى وهناك مثلهم يغطيهم تأمين محدود وقد أعلن أوباما مراراً وتكراراً أنه يتعهد باستحداث تشريع بقانون للتأمين الصحى يغطى كل الشعب الأمريكى وجميع من يقيم على أرضها. 
وقد هاجم الجمهوريون مشروع القانون بشدة وأثاروا ضجة ذات صوت عال على مستوى جميع الولايات ساعد فى تمويلها بطرق مختلفة أجهزة الحزب الجمهورى الذى تأخذ تمويلاً من شركات الأدوية العملاقة وشركات التأمين وفى النهاية تم وضع أوباما فى مأزق ولكنه أصر على تمرير المشروع واضطر تحت الضغط أن يتخلى عن انشاء شركة تأمين حكومية تنافس الشركات الخاصة واضطر للتخلى عن تغطية المهاجرين غير الشرعيين ومعظمهم من أمريكا اللاتينية بالتأمين الصحي. وفى نفس الوقت لم يقم المستفيدون الحقيقيون من مشروع أوباما وهم أكثر من أربعين مليون فقير أمريكى بأية مجهود لمساندة أوباما والرد على غلاة متطرفى اليمين وبالرغم من أن الكثير منهم ذهبوا للتصويت فى انتخابات الرئاسة لأول مرة لصالح أوباما إلا أنهم لم يتصدوا للدفاع عن مصالحهم فى مشروع التأمين الصحي.  
و يمتدح الخبراء إصرار أوباما على الاستمرار فى الدفاع عن مشروعه بقوة رهيبة وفى النهاية وافق محلس النواب على المشروع وبقى المجلس الأصعب وهو مجلس الشيوخ الذى يحتاج فيه 60 صوتاً من المائة لتمرير المشروع وقد يضطر إلى تقليص جزء آخر من المشروع حتى يمر. هذه المعركة العنيفة والقاصمة للظهر أضعفت من قدرات أوباما على حل مشاكل أخرى داخلياً وخارجياً. 
المشكلة الرابعة التى تواجه أوباما هى حرب أفغانستان التى أعلن أوباما فى برنامجه الانتخابى الإصرار على استمرارها لضرب معاقل التطرف ولكن الأمور لا تسير كما يريد أوباما واتضح أن أمريكا لن تكسب الحرب نهائياً كما توقعت وحتى الآن أوباما متردد فى إرسال أربعين ألف جندى إضافى يطلبهم البنتاجون لحرب أفغانستان وفى نفس الوقت بدأ الرأى العام الأمريكى يقتنع بأن هذه الحرب لا فائدة منها وأن أمريكا لن تكسبها وزاد عدد المعارضين للحرب عن المؤيدين وأوباما فى ورطة كبرى فهو لا يريد أن يبدو أمام الجمهوريين والشعب أنه رئيس ضعيف وفى نفس الوقت لا يريد أن يتخلى عن أحد وعوده الانتخابية وسوف تستمر المشكلة لفترة كعامل مؤرق يضعف من قوة ومكانة أوباما. وأعتقد أنه فى النهاية سوف يتخذ قراراً بانهاء هذه الحرب بطريقة أو بأخري. 
المشكلة الكبرى التالية هى مشكلة ورثها أوباما عن بوش وفى الحقيقة عن ريجان الذى قرر رفع جميع القيود والرقابة والنظم عن البنوك الأمريكية ما أدى إلى انفلات تدريجى كبير فى القروض الذى أدى إلى انهيار عدد من أكبر البنوك الأمريكية نتيجة تعاملات غير سوية ومخالفة للأصول البنكية. وبعد أن تحسن الاقتصاد الأمريكى حديثاً وبدأ يسترد عافيته يحاول أوباما إعادة نوع من القواعد التى تنظمها الخزانة الأمريكية للبنوك لمنع ما حدث مع التدخل فى نظام مكافأة كبار موظفى البنوك الخاسرة ومنع هذه المكافآت فى حالة الخسارة وعمل قواعد لها فى حالة المكسب ولكن هناك مقاومة لذلك لأنه يعتبر تعديا على الاقتصاد الحر بالمفهوم الأمريكى التقليدى وهذه معركة أخرى مع اليمين الأمريكى يريد أوباما أن ينتصر فيها. 
كل هذه المشاريع تتطلب أموالاً طائلة وسوف يوفرها الاقتصاد الأمريكى من ضرائب جديدة أو الاقتراض وهو ما يعترض عليه اليمين الأمريكي. 
أما مشكلة الشرق الأوسط الذى انتظر الجميع أن يحلها أوباما فهو فقد حاول أن يأخذ خطوة أولى أثتاء معركته الضارية مع اليمين فى مشروع التأمين الصحى بطلب وقف التجميد للمستوطنات فى الضفة الغربية لمدة ستة أشهر حتى يبدأ التفاوض ولكن نتنياهو استغل كل وسائل الضغط الأمريكية فى هذا الوقت الصعب بالنسبة للرئيس الأمريكى وورفض طلبه بطريقة مبطنة بحيث لا يبدو رفضاً صريحاً. 
وأعتقد أن المعارك التى يخوضها أوباما فى الداخل سوف تستمر لفترة لا تسمح له بالخوض فى معركة سلام الشرق الأوسط التى هى معقدة وصعبة بسبب التعنت الاسرائيلى فى الداخل واللوبى الإسرائيلى فى الخارج ومن المتوقع أن ينتهى أوباما من مشاكله التى ذكرناها فى حوالى عامين يكون على وشك الدخول فى معركة انتخابية جديدة وهكذا يتبخر الأمل فى أى حل خلال السنوات الثلاثة القادمة. وبعد ذلك لا أحد يستطيع التنبؤ بما سوف يحدث وخاصة أنه لا توجد ضغوط ملحة على الولايات المتحدة تجاه سياستها فى الشرق الأوسط فجميع السياسيين والزعماء يسمعون الكلام وينفذون الأوامر والشعوب مستكينه أو مغلوبة على أمرها. 
 
  تقييم المقال
المعدل: 4.25
تصويتات: 16


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من