14-03-2010     1199

 


 

مدونون إشراف محمد حماد


حسن مدني


 
لعبة التدوين

عندما نرى أهمية رصد المدونات فى قراءة تغيرات العقل الجماعى العربى، وتأثير المدونات فى الحركة الفكرية والسياسية فى العالم العربى ـ وهو أثر كبير وإن كان غير حاسم ـ فمن الطبيعى أن نتوقع أن تقوم كل الجهات المعنية بمراقبة هذه المدونات وخاصة ذات الإقبال الكبير والأثر الظاهر. ومن الطبيعى أن تكون هناك محاولات للتأثير على مسار هذه المدونات، بطريقة أو بأخرى، عن طريق التعليق أو الاختراق أو الإشارة إليها ونشرها أو التعتيم أو التشويش عليها. وكما رأينا استضافة مدونين على صفحات الجرائد وشاشات الفضائيات، فقد رأينا استضافة بعضهم فى السجون والمعتقلات. وهذا يدل على عملية رصد لمحتويات هذه المدونات، ورصد لمحتويات الشبكة ككل. 
من الذى يراقب ويرصد ولماذا؟ 
من الطبيعى أن كل صاحب مصلحة يعمل على مراقبة ما يهمه فى الشبكة، بما فى ذلك المدونون أنفسهم. فكل منا يبحث عما يهمه ويشغله، من مقالات أو أخبار أو صور وأفلام وأغان إلى آخر القائمة ـ وهذا عمل أفراد. وهناك الجرائد والمجلات والقنوات الإعلامية والأحزاب والجماعات السياسية، كلها لها مصالح واهتمامات، وهى تتدخل كما تستطيع وكما يساعد على تحقيق رؤية كل منها. والأجهزة الأمنية فى بلادنا منشغلة فى الأغلب بمراقبة الأفكار السياسية، وحماية الأنظمة والقوانين وفق رؤيتها، وهذا عملها على كل حال. أما أجهزة الدول الساعية للسيطرة (أو الحفاظ على السيطرة) فهى تسعى لأمرين، ولابد لها أن تسعى لهما، الأول مراقبة أى أفكار أو دعوات قد تؤدى إلى كسر هذه الهيمنة أو إعاقة تقدمها، وذلك بغرض حصار هذه الأفكار والقضاء عليها. والآخر زرع وترسيخ أفكار ومفاهيم من شأنها دعم الانكسار العربى والهيمنة الغربية على العقول. وذلك لإنشاء المزيد من العقول التى ترى أنه لا سبيل لنا للنهضة إلا بعقل غربي. 
والفكر الإمبريالى، أو الفكر الأوربى عموماًً، له سوابق واضحة فى المسخ الثقافى، أو الإبادة الثقافية. فهو لم يعد حريصاً على إبادة جنس بعينه، وإنما يهمه القضاء على ثقافة هذا الجنس. وإنشاء أبنائه على الصورة التى يحبها المستعمر الأوروبي. هذا ما فعلته أوروبا فى أمريكا وإفريقيا وأجزاء من آسيا. وذلك باستخدام الحديد والنار مرات، واستخدام المدارس والمستشفيات مرات أخرى، واستخدام المال والكنائس فى مرات ثالثة، والإعلام والفنون مرات رابعة، وربما يستعينون بالمدونات الآن. المهم أن يتم القضاء على عناصر القوة فى كل ثقافة قد تنافسهم، وأن يتم زراعة الهزيمة فى نفوس كل من حولهم، لكى ينشأ جيل يخضع نفسه، ويستعمر ذاته لحساب السيد الأوروبي. 
ففى إفريقيا تم إنشاء جيل لا يعرف لغة أجداده ولا دينهم ولا تاريخهم. وفى أمريكا تم القضاء على شعوب "الهنود الحمر" ومسح تاريخهم وإنشاء جيل لا يعرف عن أجداده إلا أكاذيب روجها الرجل الأبيض. وقل مثل ذلك عن أمريكا الجنوبية والهند. وقد حاولوا كثيراً مع المغرب العربى ومصر والخليج العربي. ولم يعصمنا من ذلك المصير إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومازالت الحرب سجال. لذلك من الطبيعى أن نتوقع من الأمريكى أن يسعى إلى الهيمنة على عقول العالم بكل سبيل، ومنها المدونات. بل إننى لا أستطيع توقع غير ذلك مع معرفتى بالفكر الأوروبى وخليفته الأمريكي. الفكر الذى جعل همه الأول تمدين الرجل الهندى، وجعله يرتدى ثياباً لها جيوب يضع فيها الدولارات ليشترى بها منتجات الرجل الأبيض (والتعبير لأحد الآباء الأمريكيين ـ بشكل حرفى تقريباً). فليس من الصعب أن نتخيل ما يريده لنا، ومقدار ما حققه فى أمتنا. ولكن يظل هناك جيوب مقاومة، وبذور نهضة فى ثقافتنا، وقد جرب الأوروبى أن يرانا نجدد نهضتنا مرة بعد مرة، وعرف أنه لا يستطيع الحفاظ على تفوقه إلا بقتل هذه البذور، وتسميم تربتها. فهو يفعل ذلك فى الإعلام والتعليم ومن الطبيعى أن تشمل جهوده المدونات. 
المدونات ليست الطريق للتغيير، ولكنها إحدى الطرق. أحد السبل المتاحة لنشر الفكر، وغرس بذور الأمل والثقة فى هذه الأمة، وطريق للتواصل بين أفراد تباعدت بلادهم وتقاربت أفكارهم وأحلامهم وتماثلت همومهم. ومن هنا تأتى أهميته. وككل عمل له أهميته ينبغى الاهتمام به، والحرص فى التعامل معه. أما من يرى أن التدوين عمل تافه لا قيمة له، فليتركه ويبحث عن شيء نافع يفعله. أن من المهم أن يشعر الإنسان بقدره وبأهمية ما يفعله، وأن يدرك تأثيره فى ما حوله، دون مغالاة كبيرة، ولكن كذلك دون أن يحقر من نفسه أو يقلل من شأنه. لأن إدراك أهمية ما يفعله يجعله يهتم بإتقانه، ويطور فيه قدر جهده، كما يمنحه الصحة النفسية اللازمة. أما إذا شعر بأنه لا يفعل ما ينفع ولا ما يضر، فهو ميت وإن تنفس وأكل وشرب ونشر ألف مدونة. 
 
  تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من