07-03-2010     1198

 


 

أحمد سعيد الذى كان صوته يهز وجدان الثورة الجزائرية يكتب




 
رسالة إلى صديقى القديم بوتفليقة

محنة غريبة ومريبة.. وتوشك أن تصبح جريمة وقاتلة يتصور البعض أنها تهدد التوجه القومى، بينما إثمها أكبر.. إذ تتعرض للعناصر التى تشكل التوجه القومى والتى بدونها لا أمل فى أى توجه قومي. 
والمحنة ليست فى صدام نفر من الجزائريين مع نفر من المصريين.. أو اعتداء هؤلاء على أولئك.. أو حتى سقوط جرحى وقتلي.. وإنما فى موقف النخب الحاكمة فى مصر والجزائر.  
ومن يفكر معها ويخطط وينفذ من النخب الأدنى فى أجهزة الدولة والإعلام، 
صحيح أن هناك ما أرى وصفه بالجرائم ولكن.. حسب جميع القوانين والأعراف فى مختلف البلاد.. للجريمة مرتكبوها ولها دوافعها.. ولها أيضا عقوباتها..  
ولنبدأ بالعقوبات.. فمنها يجرى تنظيم حركة المجتمع سلبا وايجابا.. عدوانا والتزاما الذى حدث ومازال يحدث يخضع فى البلدين لقوانين تنظيم المظاهرات السلمية وتمنع الاعتداءات على الأفراد والممتلكات، فما البال بالسفارات حيث تقول المادة 77 فقرة «و» من قانون العقوبات 58 لسنة 1937. 
«يعاقب بالسجن كل من قام بغير إذن من الحكومة بجمع الجند أو قام بعمل عدائى ضد دولة أجنبية من شأنه تعريض الدولة المصرية لخطر الحرب أو قطع العلاقات السياسية.. فإذا ترتب على الفعل وقوع الحرب أو قطع العلاقات السياسية تكون العقوبة السجن المشدد. 
وهذه المادة مأخوذة من القانون الفرنسي.. ولا شك بحكم الاستعمار الفرنسى للجزائر 124 سنة أن مثلها موجود فى الجزائر، ومعنى هذا أن هناك فى الدولة ضوابط تحكم حركة المجتمع وشعب هذا المجتمع حتى لا تتهدد مصالح الدولة العليا نتيجة فتنة ونفر أو حتى مسئول اندفع لسبب ظاهر أو خبيء. 
فأين. 
وفى البدء أين قمة الجهاز الحاكم فى البلدين، ودعونا من النخب المساعدة لهذا الجهاز سياسيا وإعلاميا وأيضا شعبيا تلك النابحة والمسعورة هنا وهناك.. 
إن ما تعكسه أجهزة إعلام البلدين.. لا يخرج عن اتهام هذا بذاك.. واندفاع فيه إصرار على طرح فكرة عروبة مصر والتزاماتها العربية.. فى الوقت نفسه الذى تطرح فيه هناك فكرة نحن لسنا عرباً.. نعم هناك عرب فى الجزائر، ولكن الجزائر ليست عربية.. وقد قالها أحد متزعمى بربرة وفرنسة الجزائر المدعو سعيد سعدى والقائل سنة 1961 وهو يقود شبابا مغررا بهم من تيزى أوزو متوجها بهم إلى بانتز «لقد قررت فتح الأوراس للبربرية». 
صحيح أن شباب الأوراس منعوه وطروده ولقنوه درسا بحجارة الأوراس ـ غير أنه بدعم عنصرى مرتبط بفرنسا أصدر كتابا سنة 1996 يقول فيه بالحرف: 
«من هو غير بربرى ليس بجزائري» بل إن أحد رجال ثورة نوفمبر 1954 وللأسف الشديد صار فى مرحلة من مراحل الثورة رئيسا للحكومة المؤقتة فى الخارج وهو يوسف بن خده صرح لصحيفة «الحرية» الجزائرية ما نشرته «ولم يكذبه» فى عدد 83 بتاريخ 5/8/1996 «يوجد أكثر من تقارب بين البربريين وبين اليهود وهذا ما يجعل شخصا مثل سعيد سعدى لا يتردد فى التباهى بعلاقاته مع سفير إسرائيل فى باريس بمقتضى هذه المفاهيم والأطروحات المشتركة. 
ففيم سكوت النخب الحاكمة والمشاركة فى الجزائر على هذا التصعيد الذى تجاوز كرة القدم وإصابات واشتباكات جماهيرية بها إلى طرح فكرة أن الجزائر ليست عربية. 
على رأس الجزائر رجل شارك فى آخر سنوات الثورة هو عبدالعزيز بوتفليقة. 
ولكنه بحكم تركيبة الحكم هناك لا يحكم وحده.ل معه ما يوصف وبلا تزيد.. بحكام آخرين مثل التنظيم الحزبى الرئيسى من ناحية.. ومثل المؤسسة العسكرية من ناحية أخري. 
فلماذا لا يقدم الثلاثة.. أو حتى أحد الثلاثة على وضع الأمور فى نصابها. 
متعصبون من عندهم اشتبكوا مع متعصبين عندنا.. ومن بدأ ومن لم يبدأ بل من أجرم.. ومن لم يجرم؟ هذه أمور يمكن أن يتم التحقيق فيها وفق القوانين القائمة.. أما أن يغضب هذا الرئيس.. ويسكت ذاك الرئيس.. ويترك أحدهما ابنه يتطاول على جوهر التوجه المصرى القومي.. وكذلك يتفرج وزير على برنامج البيت بيتك فى التليفزيون ويفاجأ به الناس يتصل تليفونيا بالاستديو وعلى الهواء مشاركا فى حملة تكفير عامة المصريين بالعروبة ونعت كل الجزائريين بالمجرمين فهذا يعنى رضا الدولة عن هذا الخط الإعلامى بأهدافه محل الطرح على الملايين، وفى الوقت نفسه صحيفة جزائرية تفتح النار على مصر عامة.. وليس على الرياضة فيها أو الأمن أو حتى حكامها فى قممهم.. وتصف مصر والمصريين بما يعاقب عليه القانون الفرنسى للعقوبات وبالتالى القانونان الجزائرى والمصرى على حد سواء. ويظهر فى التليفزيون الجزائرى لاعب كرة يقول للملايين الجزائريين واصفا شعوره وهو فى مطار الخرطوم قادما مع فرقة من القاهرة أنا جاى من تل أبيب فيضحك من حوله فيردد مردفا: الفراعنة اختاروا الخرطوم للفاصلة يعنى تبعهم كالقاهرة فطلبنا من الجزائر مقاتلين ما مشجعين، ويعاود من حوله الضحك فيتابع نفث سمومه «أمى ما تبكى على كما المشجع لو مات ونعتبرهم.. الفراعنة». 
ويلتزم الحكام فى الصمت ولا حتى تحقيق مع من سمح بعرض مثل هذا الحوار على المشاهدين الملايين.. لماذا يا حكام هذا السكوت؟ 
لماذا لا تحققون مع مثيرى الفتنة ومرتكبى العدوان؟ لماذا تركوا العناصر المجرمة تعتدى على منشآت مصرية ومواطنين مصريين فى الجزائر دون تدخل من الشرطة أو الجيش؟ 
ولماذا تركت الحكومة المصرية جماعات من الناس تدخل جزيرة الزمالك مرتين فى ليلة واحدة حيث السفارة الجزائرية تحت سمع وبصر وتغاضى قوات الأمن المركزى وهى التى تمنع اقتراب أى تجمع من منطقة السفارة الأمريكية فى جاردن سيتي. 
لماذا تكاثر مع المحنة الحديث فى الجزائر إعلاميا عن العنصرية البربرية والقول بسيادتها الغالبة فى الجزائر. 
فى الوقت نفسه الذى يطالب مسئولون وأبناء مسئولين وإعلاميون بترك مصر لعروبتها مع وصلة من رخيص عن مساعدات مصر للعرب عامة والجزائر خاصة، وكأن التوجه القومى زكاة أو فريضة الزكاة كلها؟ 
ولمصلحة مَن أن تنعزل مصر وتفقد مكانها وسط العرب وتنسلخ تماما ونهائيا من مجرد التفكير فى التوجه القومى يوما؟ 
والجزائر.. لمصلحة من أولا خلافها مع المغرب، ولمصلحة من مشاكلها مع تونس؟ ثم لمصلحة من هذه الفتنة مع مصر. 
بل لمصلحة من أن يقوم شباب جزائريون بشغب فى مارسيليا وليون فى فرنسا حيث يكاد ينعدم التواجد المصري؟. 
المشاكل فى الجزائر خانقة.. تماما مثل المشاكل فى مصر فهل تستغل النخب الحاكمة فى البلدين الرياضة وشعبيتها فى إلهاء الجماهير عن مشاكلهم الحياتية بمهزلة بعد مهزلة ولتمضى الأيام بالسلطة فى البلدين تنعم سلطانا وسلبا؟ مصر اجتماعيا واقتصايا وقبطيا ونوبيا مهددة بمستقبل مظلم والجزائر مهددة بما هو أكثر ظلاما، مهددة بالانقسام والتجزئة.. غير ما يتهدده اجتماعيا واقتصاديا وأمنيا أيضا، فأين مصلحة البلدين فيما يحدث؟ سوء الظن الساذج يقول إنها عملية إلهاء وامتصاص وتفريغ إعلامى حرفى زعم بعضهم أن وراءه الثعلب صفوت الشريف والطامع فى الإرث جمال مبارك.. استرضاء لسياسات ضاغطة ومشروع الشرق الأوسط. 
حرقا نهائيا لخيال المآتة الذى يرعب إسرائيل والغرب والمسمى بجامعة الدول العربية رغم وهنها وهوانها. 
ليكن ما يشيعون.. 
فأين الرئيس.. فى مصر.. وفى الجزائر.. غضبه.. فشكرا. 
ولكن 
غضب لمصر؟ 
لمئات اعتدى عليهم ومنشآت خربت ألف شكر.. ولكن مرة أخرى  
انتظر غضبة للثوابت لمصر كلها. 
لمصالحها العربية ومصالحها الافريقية، لمصالح الأجيالها. 
فى تكتل عربى سياسى اقتصادى عسكرى يستطيع يوما فى المستقبل أن يسد مع كل العرب مجرى ومؤامرات الغير. 
القومية العربية ليست من ساعة أو شهوة لحظة ،القومية العربية مثل الوحدة الأوروبية سواء بسواء. اجتمعوا بلا قومية الانجلوسكسون على اللاتين رغم حروب مائة عام والفرنسيون مع الألمان رغم احتلال هؤلاء لإدلاء وتبادلهم مرارة الهزيمة. 
القومية العربية كالوحدة الأوروبية مصالح فى مصالح.. صحيح هى عندنا تدعمها اللغة والفكر والتاريخ الواحد وغلبة دين ومذاهب.. إلا أنها فى الأصل وفى الهدف مصالح.. ولمصر مصالح.. أفهم أن عجزنا عن التفاهم عليها والتلاقى حولها أن تصير بيننا فتنة ولكن بسبب كرة قدم فيؤسفنى أن أقول: هل أصبحت مصر والجزائر ومصر والسعودية ومصر والسودان أندية كرة قدم؟.. هل تم ازدراء الدول والشعوب باختزالها فى أقدام أحد عشر لاعبا كل مؤهلاته إجادة معينة للتعامل مع هذه المستديرة الملعونة المظلومة؟ 
أرفض وعليك أن ترفض. 
وألا تحمل عاقبة ترددك أو تخاذلك أو ما شئت أن تصف به قناعتك فى شأن هذه الفتنة المحنة والإعلام سلاح ذو حدين.. يبدو أنه ينقذ بينما هو فى واقع الحال ينحرف ويقتل، ويقتل ويقتل.. أما الرئيس الجزائرى وهو من رعيل الشباب الذى لحق بثورة الجزائر فى شهورها الأخيرة.. فهو يعلم ما لا تعلمه تلك المجموعة الجزائرية من الشباب المتطرف عن مصر. وقناعة مصر بعروبتها.. والدعم اللامحدود الذى تلقاه سياسيا وعسكريا وطبيا وماليا وإعلاميا أيضا للجزائر كثورة وللجزائر كشعب وللجزائر كتعريب وتعمير وتصنيع وتعدين واتصالات. 
وليس هذا منَ.. فقد ردت الجزائر بمساعدة عسكرية ومالية منذ هزيمة يونيه 1967 وحتى نهايات انتصار أكتوبر العسكرى 1973. 
أقول متسائلا: وقد شاركت فى أول حكومة للجزائر المستقلة التى رأسها أحمد بن بيللا وكنت فيها وزيرا للشباب.. هل نسيت غزلك لمصر وحبك لها ولدورها فى دعم وإنجاح ثورة الجزائر وقولك إنه لولا دعم مصر وعبدالناصر للثورة وهى مجرد فكرة عند الرؤساء التاريخيين كما تسمون صناع الثورة الأول لما تجاوزت مشاكلها وثبتت أقدامها وحققت للجزائر الحرية والاستقلال ووحدة التراب. 
ولا أظنك كنت منافقا لمصر وعبدالناصر فى تسجيلك هذا لإذاعة صوت العرب فى فندق أليتى يوم حفل الاستقبال الذى أقيم على شرف زيارة عبدالناصر للجزائر، فقد بللت دموع فرحة اللقاء بعبدالناصر الميكروفون فى يد الزميل جمال السنهورى وأفسدته ذلك أنك كنت صادقا ـ وآخر عهدى بك منذ سنوات فى احتفال الجزائر بعودة شاعر الثورة الجزائرية المسلم العربى الميزانى العظيم مفدى زكريا وحوارك معى عن وحدة الدم.. دم المصريين فى بورسعيد أيام عدوان فرنسا مع بريطانيا وإسرائيل على مصر عام 1956 ودم الجزائريين فى قسطنطينة. والعمليات الفدائية للمجاهدين ضد الفرنسيين على امتداد أيام الأسبوع الثانى من نوفمبر من العام نفسه 1956 استجابة لمقولة عبدالناصر من فوق منبر الجامع الأزهر أما فرنسا ووزير خارجية فرنسا.. أنا مش ح أرد عليهم.. الجزائر هيه اللى ح ترد عليهم. 
ثم عقبت على قولى لك «ده الإسلام ودى العروبة المؤمن للمؤمن يشد بعضه بعضا» قائلا ضاحكا: «دستورى كل ما تعرضت لأمر فيه مصر لا نداءاتك للجزائر ولا تعليمات رؤسائى فى الجبل ولكن كلمة رئيس وزراء فرنسا جى موليه فى دفاعه فى الجمعية الوطنية الفرنسية لتبرير مشاركة الجيش الفرنسى فى حرب السويس سنة 1956 قال فيها لقد أرسلت الحكومة جيشها ليحارب فى مصر ويسقط ناصر حتى تبقى فرنسا فى الجزائر، وختمت حوارك العفوى معى يومها «أنا لا أنسى هذه الكلمة بجى موليه.. جسدت عندى مصر وقيمة مصر» ثم أردف مداعبا وصوت العرب وأحمد سعيد». 
يا رئيس الجزائر.. أدعوالله ألا تكون قد نسيت دستورك الذى وصفه العدو فى لحظة اعتراف لنواب شعبه واختته دستورا لك تدير من خلاله كل مسألة مصرية تعرض عليك. 
فطبق الدستور.. 
انفذه فى أعمالى ضميرك من التمزيق المجرم الذى قد يكون البعض عفويا يحدثه أو تآمريا يرتكبه. 
أو اصدقنى القول ولو همسا بينك وبين ضميرك. 
من حولك يجعلك تقف من مصر هذه المرة هذا الموقف الصامت؟ 
امنعه من أن يستمر فى تآمره بل وحاكمه تماما، كما يجب أن يحاكم رئيس مصر حسنى مبارك كل من يزين له من أسباب الغضب ما يجعله لا يرى مصر الجوهر والمصالح والمستقبل الواجب الحفاظ عليها أو على الأقل على حصص بقايا وشائج عروبة مصالح ومصائر. 
المحاكمة مطلوبة فى البلدين، سواء لمن يقول بأنه الضحية من أو من يفاخر معتزا بالإثم وأدعو لكما الله أن تقدما عليهما وإلا قل لنا يا رئيس مصر وأنت يا رئيس الجزائر ماذا تتخيلان عليه مصير هذه الجريمة؟ 
وماذا فى خلفيات كل منكما عن نوعية الهدف من الإصرار عليها وعدم ايقاف تداعياتها ومحاكمة المسئولين عنها هنا وهناك. 
إن سوء الظن والمؤامرة ونظريتها تشيع بين الناس الكثير من المشاريع الشرق أوسطية فى ظل ضغوط أمريكية مكثفة لإنهاء ما ردده مسئولون وإعلاميون فى إسرائيل ومناصرون لهم بأماكن صنع القرار فى واشنطن بعبثية الفكرة العربية ووجوب موافقة على الشرق أوسطية وفى مقدمتها إسرائيل وتركيا وفى ذيلها العرب بدءا من مصر والسعودية وصولا إلى جيبوتى وقطر. 
ويا عرب تذكرو أن ما صرتم عليه فى الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضى، تحررتم من الاستعمار الفرنسى والاستعمار البريطانى، وها أنتم تعودون إليه إسرائيليا هذه المرة. وأعوذ بالله من غضب الله. 
 
  تقييم المقال
المعدل: 3.03
تصويتات: 156


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من