رجال جمال مبارك والسعيد بوتفليقة يشعلون الحريق بين العاصمتين:
«تنظيم كلوت بك» فى الإعلام المصرى والجزائري
لعبت الفضائيات الخاصة فى مصر ونظيرتها من الصحف الرياضية الخاصة أيضًا فى الجزائر بالنار لمدة قاربت على الشهر قبيل المباراة الأخيرة بين المنتخبى المصرى ونظيره الجزائرى، فحولت مباراة فى كرة القدم إلى ما يشبه «المعركة الحربية» بين بلدين عربيين شقيقين، تجمعهما أواصر العروبة والإسلام، حتى إذا ما اشتعلت النيران، وأخذت تلتهم فى طريقها كل شيء، فشل الاثنان فى إطفائها بامتياز، ولم يعد أمامهما ـ بدلاً من أن يتواريا خجلاً من حجم الجرم الذى ارتكباه ـ سوى أن تصب مزيدًا من الزيت، على النيران المشتعلة، لتقضى على البقية الباقية من تلك العلاقة التاريخية التى جمعت بين القاهرة ووهران، والتى شيدتها العاصمتان العربيتان ـ بدم القلب ـ على مدى نصف قرن أو يزيد قليلاً. أشعل «تنظيم كلوت بك» فى الصحافة الرياضية الجزائرية، بخاصة صحيفة «الشروق» قريبة الصلة بدوائر الحكم فى الجزائر وشبكة «أوربت» وقناة «مودرن سبورت» النار فى مدرجات الدرجة الثالثة، على مدى أكثر من شهر كامل، حتى إذا ما استعر اللهيب، وامتدت كرة اللهب الحارقة إلى خارج استاد القاهرة ومبنى اتحاد الكرة الجزائرى متجهة إلى استاد «أم درمان» فى السودان الشقيق، توارى عمرو أديب خجلاً خلف بزته الأنيقة، وخلع أحمد موسى ملابس المهرج الحمراء التى ارتداها ليلة 15 نوفمبر، واختفى الجنرال مدحت شلبى من شاشة «مودرن سبورت»، لتجد قناة «نايل سبورت» الرسمية نفسها وحيدة وسط الميدان، مطالبة بمهمتين فى غاية الصعوبة والأهمية فى آن: إطفاء ما أشعله المراهقون الإعلاميون من حرائق فى نسيج العلاقات التاريخية بين البلدين، ومحاولة البحث عن حل سريع لأزمة دبلوماسية تلوح بشائرها فى الأفق القريب، لا تخطئها عين كل ذى بصيرة أو أذن تسمع. وربما تبدو نظرة سريعة على ما جرى فى القاهرة وبعض المدن الجزائرية منذ صباح الخميس الماضى للدلالة على حجم الجُرم الذى ارتكبه الإعلام الرياضى فى البلدين الشقيقين على مدى الأسابيع التى استبقت المباراتين التى جمعت بين المنتخبين المصرى والجزائرى، وهو «جرم» صادف على نحو عجيب هوى سياسيا لا تخطئه العين فى البلدين، فكلا العاصمتين تخططان منذ زمن لعملية توريث غير شرعية للسلطة، بدت معها خطوة الصعود إلى مونديال جنوب إفريقيا هى الباب الملكى لتدشين الوريثين فى القاهرة والجزائر. فى القاهرة تصدر جمال مبارك أمين لجنة السياسات والمرشح الأوفر حظًا للترشح على مقعد الرئاسة فى الانتخابات المقبلة صدارة المشهد فى مقصورة استاد القاهرة الرياضى فى المباراة الأولى للمنتخبين، لذا لم يكن غريبًا أن تركز كاميرات التليفزيون المصرى كثيرًا على «الوريث» وهو يتقافز فرحًا بالهدف الثانى الذى أعاد «الأمل المفقود» للمنتخب المصرى، ومهد الطريق أمامه لمباراة فاصلة مع نظيره الجزائري. ركزت الكاميرات كثيرًا على جمال مبارك، ربما أكثر من عماد متعب الذى أحرز هدف إحياء الأمل، وأكثر أيضًا من علاء مبارك شقيق جمال الذى كان يجلس على بعد خطوات منه، رغم أن الأخير معروف بولعه الشديد لكرة القدم منذ الصغر، بل وبـ«حرفنته» كلاعب كرة كان من الممكن أن يكون له مستقبل كبير فى الملاعب، لولا أن الأقدار اختارته ليكون نجل الرئيس المصري. ولم يختلف الأمر كثيرًا، فـ«الجزائر» تعيش منذ شهور أجواء مشابهة كثيرًا لما يجرى فى مصر، وفكرة التوريث حسبما يقول محللون جزائريون «بدأت تتبلور بالفعل من خلال تهيئة السعيد بوتفليقة أصغر أشقاء الرئيس الجزائرى، ومستشار الرئيس الخاص للجلوس على عرش المملكة الجديدة». ويبدو أن الصورة قد اكتملت تمامًا فى السودان، فقد كانت الساحة مهيأة تمامًا للوريثين، فها هو جمال مبارك يطير بصحبة شقيقه إلى استاد «أم درمان» بصحبة قافلة من الطيران بلغت 18 طائرة أقلت مشجعين مصريين من طراز رفيع يليقون فى النهاية بصحبة «الوريث المرتقب»، وهو الأمر الذى يفسر إلى حد كبير حجمًا، شاهدناه من بكاء هستيرى لفنانين كبار سيقوا إلى تلك «الموقعة الكروية» الصعبة، واضطروا إلى قضاء يوم عصيب للغاية فى العاصمة السودانية، رغم أننا لم نشاهد كثيرًا منهم فى استاد القاهرة، الذى يبعد نصف ساعة بالسيارة عن أبعد بيت لأحدهم! فى استاد «أم درمان» ألقى كل لاعب بأوراقه، لكن السعيد بوتفليقة لم يفضل اللعب الهادئ على ما بيدو، ففى الوقت الذى اختار فيه جمال مبارك وفدًا يليق باسم مصر وتاريخها كعاصمة للفن العربى، اختار السعيد أن يلعب باللغة التى يفهمها «محاربو الصحراء» فى تخوم الجزائر، وفضل اللعب الخشن، باعتبار أن التأهل لكأس العالم مع شعب يعشق كرة القدم إلى درجة الهوس، قد يكون إنجازًا تاريخيا ينسب إليه ويضاف عند الحاجة القريبة إلى برنامجه الانتخابى الذى سوف يطرحه على الشعب الجزائري! لم يستفد جمال مبارك بالقطع من الانتشار الكبير لقناة «الجزيرة»، لكن «السعيد» فعل، عندما مهدت القناة القطرية الميدان طوال الأيام التى استبقت المباراة الفاصلة. ولم يستفد كذلك من الدعم اللوجيستى الكبير الذى قدمته «الدولة» لمنافسه الجزائرى، عندما حملت الطائرات الحربية «الحثالة» فى رحلات مكوكية إلى السودان، فيما يشبه عمليات الإبرار الجوى العسكرية. المؤكد أن ما جرى فى استاد القاهرة يوم 14 نوفمبر ومن بعده فى استاد «أم درمان» بـ«الخرطوم» بعد ثلاثة أيام، لم يكن بأى حال من الأحوال مباراة فى كرة القدم، وبالتالى فإن ما ترتب عليها من تجاوزات من الجانبين، لا يجب أن نحمله للشعبين الشقيقين، ذلك أن الأمر برمته لا يعدو أكثر من «لعبة» بين طرفين، لكل منهما أجندته الخاصة وطموحه السياسى الذى يسعى لتحقيقه ولو على جثة علاقات تاريخية ورفقة نضال ودم جمعت بين شعبين شقيقين، وبالتالى أدواته التى يستخدمها لتحقيق هذا الطموح بأسلوب لا يخلو من «ميكافيللية» شديدة، وقد نجحت الأدوات المستخدمة فى القاهرة والجزائر فى القيام بدورها على أفضل وجه.