07-03-2010     1198

 


 

«أمريكا».. فيلم فلسطينى يدعو إلى حياة مشتركة مع الإسرائيليين !


رانيا يوسف


 

بعد عرض الفيلم الفلسطينى الأمريكى المشترك "أمريكا" ضمن مشاركته فى المسابقة العربية لمهرجان القاهرة السينمائى الدولى فى دورته هذا العام، خرج بعض متابعى الفيلم ينبذون فكرة الفيلم والتى اعتبروها دعوة صريحة لتهجير الشعب الفلسطينى وشتاته فى العالم ليفسحوا المجال لإسرائيل بالاستيلاء على ما تبقى من الأراضى الفلسطينية، ويبدو لمتابعى الفيلم للوهلة الأولى أن الموضوع مكرر فى عدة أفلام سابقة تضمنت خلالها تلميحات وآراء حول تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، لكن فيلم أمريكا لمخرجته شيرين دعيبس بريء من هذا الاتهام، وإن نظر له البعض بهذه النظرة الأولية والنمطية التى تنحصر فى الأذهان عند تناولنا للأعمال الفلسطينية وردود الأفعال حول هوية الفيلم طالما انه إنتاج مشترك بين أمريكا وفلسطين. 
فالمشكلة الموازية لمشكلة نمطية بعض الأفلام فى السينما الفلسطينية هى ارتباط فكرة الإنتاج المشترك بين الدول العربية والأوروبية والأمريكية بالشبهة الثقافية واتهام بعض الأعمال أنها دعم للأفكار المناهضة للسياسة العالمية فى إطار السينما، ربما يوجد بالفعل أساس لهذا الاتهام الذى تحول إلى هاجس كلما سمعنا عن عمل سينمائى بتمويل مشترك تساهم فيه أكثر من دولة وبات الوضع محيراً عند تصنيف جنسية الفيلم التى من الممكن أن تتوزع بين أكثر من ثلاث وأربع دول ساهموا فى إنتاج الفيلم، لكن إدارة المهرجانات تجاوزت هذه الحيرة بتصنيف الفيلم تبعاً لجنسية مخرجه الأصلية، لكن ليس من العدل تعميم هذه الشبهة على كل ما يأتينا بتمويل أوروبى أو أمريكي. 
أمريكا فيلم أعتبره مختلفاً عن إنتاج الأفلام الفلسطينية التى أصبحت موضوعاتها تميل إلى التطابق أحياناً، فنحن ندرك أن المشكلة الرئيسية التى يعانى منها الشعب الفلسطينى مع الاحتلال الإسرائيلى والقسوة والظلم والاضطهاد.. الخ، وهذا أكثر ما ينعكس دائماً بوضوح فى إنتاجهم السينمائى ويبدو واضحاً أمام العالم، حتى تعودنا عليه كسمة أساسية لا يخلو منها الفيلم الفلسطينى، ما يشعرنا فى مرات كثيرة بالتكرار. 
ربما اختلاف فكرة فيلم "أمريكا"، أثارت هذا الجدل بين بعض النقاد، صدمة المشاهدة الأولى وتجديد الأفكار وكسر نمطية الصورة والأداء المرح لمجموعة الممثلين والأطفال المشاركين، التميز البارز الذى أبديته شيرين دعيبس مخرجة الفيلم فى مزج الحديث بين الشخصيات ما بين العربية والانجليزية بسلاسة أعطت روحاً فكاهية للأحداث وعكست الانقسام النفسى الذى أصاب أبطالها والذى لم يبدأ عند وصولهم أمريكا فحسب، بل أعلنت لنا عنه مبكراً داخل فلسطين بين الأسرة، بين الجيل القديم من الأجداد والجيل الحديث من الأحفاد، وكأنه يعكس صورة لشتات أكبر هو شتات الروح داخل الوطن. 
ويمتد هذا الشتات الذى سريعاً ما يتحول إلى مثابرة وراثية فى دماء الشعب الفلسطينى، مثابرة على البلاء والغربة الداخلية والظلم، بعدما تقرر منى الهجرة إلى أمريكا من أجل ابنها الوحيد والإقامة عند أختها رغدة التى هاجرت أيضاً منذ خمسة عشر عاماً مع زوجها وبناتها التى ترفض تأمرك سلوكياتهم وتداخلهم التام فى المجتمع الغربى وضياع أصولهم العربية وذوبانها فى عادات المجتمع الأمريكي. 
الأمومة هى الدافع الوحيد وراء فكرة الهجرة إلى أمريكا الذى دفعت منى أن تترك أرضها وأهلها وعملها فى أحد البنوك الفلسطينية، ومن جهة أخرى تقبل إحساس الغربة والعمل فى أحد محلات الوجبات السريعة التى تخجل من أن تخبر عائلتها عنه، هذا الدافع الوحيد الذى لا يمكن لنا أن ننبذه ولا أن نلومها عليه، إحساس الأمومة والخوف على الأبناء والتفكير لهم فى مستقبل أفضل هو شعور تلقائى وطبيعى يدفع بالأم أن تلقى بنفسها فى الجحيم ليس فقط أن تهجر تاريخها ووطنها وأهلها وذكرياتها. 
نجحت المخرجة فى الخروج من فكرة التحريض والدعوة إلى التهجير بتوظيفها لفكرة الأمومة المجردة من أى أفكار أو نوايا سوى حبها لطفلها، مجرد حالة إنسانية لأم تخشى موت ابنها الصغير أو تعرضه لاعتقال ولا حرج فى سعيها لينال درجة أفضل من التعليم والنجاح خارج أسوار الاحتلال وهو حق مشروع لكل أم حتى وإن لم تكن أرضها محتلة، وتعلنها منى مباشرة عندما يبدأ ابنها بتغيير سلوكه وانتهاج أفكار وأفعال أصدقائه التى تنحرف عن أسباب هجرتها إلى أمريكا، فتدعو ابنها أنها لم تغادر الوطن إلا للبحث له عن مستقبل أفضل لا ليرتدى الزى الأمريكى ويتزين بالعقل الأمريكى وإلا فما الحاجة للغربة إذن، فالفيلم يجمع بين المرح والمشاعر الإنسانية والحنين إلى الوطن بكل ما فيه من مآس واضطهاد وعنصرية لأنه فى النهاية يظل وطنا. 
يحمل الفيلم أيضاً تيمة الأمل والأمنية فى خلق حياة مشتركة وربما هذه الدعوة الحقيقية التى نادت بها شيرين دعيبس مخرجة الفيلم، وهى توفير حياة مناصفة بين الفلسطينيين واليهود سواء داخل فلسطين أو خارجها، اختزلتها شيرين فى شخصية مدير المدرسة التى التحق بها فادى ابن منى بأمريكا، وهو شخصية يهودية أمريكية أشبه بالكاريكاتيرية، سريعاً ما نجده يندمج مع منى وعائلتها كأنه فردا منهم أو صديق حميم. 
"دعونا نعيش مثل ما انتم عايشين" صرخة صاغتها شيرين فى هذا العمل جاءت بعد يأس من إنهاء الاحتلال الإسرائيلى كلياً، فحاولت إيجاد مخرج للدائرة السياسية المفرغة والتى لن تنتهى وقدمت دعوة صريحة وعلنية لفكرة التعايش السلمى بين الجانبين شرط أن تتوفر المساواة فى توزيع الحريات والعدل، حسب ما عرضته المخرجة من وجهة نظرها فى أمريكا أرض الحريات كما يسمونها، ولكن هل المهاجرون من بلاد عربية يتمتعون فعلاً بنفس هذا القدر من العدل والحرية التى يتمتع بها المواطن الأمريكى أو المهاجر الأوروبى داخل أمريكا؟. 
حصد الفيلم جائزة جمعية النقاد الدوليين الفايبريسى فى مهرجان كان 2009 كما شارك فى مهرجانى ستوكهولم وسان دانس قبل مشاركته فى مهرجان القاهرة. 
 
  تقييم المقال
المعدل: 4
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من