14-03-2010     1199

 


 

«ظواهر غير طبيعية» درس أمريكى للمنتجين العرب


منى الغازي


 

لا جدال أن هوليوود عاصمة السينما فى العالم وأى متعارض مع ذلك سيكون من أرباب (خالف تعرف) ونظرية (الحنجورية الفارغة) ومن هنا كانت التبعية السينمائية لهوليوود لا تعنى الضعف ولا الفشل وإنما تعنى رد الحقوق إلى أصحابها، فالسينما تتكون من ثلاثة أضلاع كما يعرف الجميع بشكلها النظرى (صناعة وتجارة وفن) وإن كانت الخطوات الطبيعية لصناعة الفيلم هى المعكوس حيث تبدأ من عند الفنان الذى يمتلك ما يقدمه للجماهير ويعثر التاجر فيه على ما يلزمه ويثير داخله رغبة الاستثمار المالى فى المجال الفنى ويدفعه إلى توفير الصناعة المناسبة لخروج العمل فى أفضل شكل له يضمن النجاح للعملية الاستثمارية الفنية. 
ولكن فى هوليوود بما أننا فى بلد المنشأ للنظرية الأساسية والتطبيق المعاكس فإن كل شيء مباح مما قد يتعارض مع النظرية والتطبيق من باب أن لكل قاعدة شواذا لتأكيدها الحالة الشاذة هنا تتكرر كل بضعة أعوام لتؤكد النظرية ليس والحكاية تبدأ من عام 2006 حين تعرض الشاب أورين بيلى لمجموعة من الحكايات عن الأشباح والقوى الخارقة ذكرته بحوادث أخرى من الماضى وبمتابعة الحوادث المشابهة على شبكة الإنترنت تبلورت فى عقل أورين صورة بصرية لمشروع شريط فيلمى تقوم فكرته على تساؤل بسيط وهو: ماذا يحدث لو توفرت كاميرا لتصوير تلك الظواهر غير الطبيعية ومن هنا كانت البداية وتوغلت الفكرة فى رأس أورين وبدأ يحاول إقناع أصدقائه وبالفعل حصل على تفاعل ومساندة من مجموعة من الأصدقاء هم تونى تيلور وجاسون بلوم وستيفين شنيدر وأمير زبيدا وتم تجميع الميزانية من مصروفهم الخاص ووافقوه على خوض التجربة وتم وضع خطة عمل وسيناريو تخطيطى كتبه وارين ووقع الاختيار على منزل بيلى لتصوير الأحداث داخله وتم ترتيب الأحداث على هذا الأساس فى السيناريو التخطيطى وتم الإعلان عن إجراء اختبارات لاختيار أبطال الفيلم ومن عدد قليل من المرشحين يختار وارين أبطال فيلمه كاتى فيثرستون وميكا سلوت ومارك فريدريش واشلى برامر ونظرا لأن الجميع غير محترفين وفى تجاربهم الأولى يقرر وارين أن يظهر كل منهم باسمه الحقيقى لتفادى الأخطاء ويتم تحديد موعد لبدء تصوير الفيلم وتم استئجار كاميرا وبدأ التصوير قبل انتهاء النسخة النهائية من السيناريو مما دفع الممثلين إلى ارتجال الحوار أثناء التصوير واستعان بصديقته كريستال كارتريت لعمل الماكياج وتم انتهاء من تصوير الفيلم خلال أسبوع واحد قامت خلاله مجموعة العمل بالإقامة الدائمة داخل منزل وارين والعمل ليلا ونهارا حتى انتهى الفيلم، ليبدأ وارين العمل على مونتاج الفيلم وحده وفى العمليات النهائية يستعين بوحدة مونتاج احترافية ومهندس صوت ومصمم للمؤثرات الصوتية من احد استوديوهات أفلام الهواة التى توفر له أجهزة بأجور منخفضة وينتهى وارين من فيلمه عام 2007 بتكلفة قدرها 15 ألف دولار (80 ألف جنيه تقريبا) ويحاول عرض الفيلم فى الجامعات بتذاكر مخفضة ولكن دون جدوى ويساعده بعض الأصدقاء فى إيصال الفيلم إلى مسئولى دريم ووركس الذين يتولون بدورهم عرض الفيلم على الشريك المؤسس والمستشار الخاص للشركة المخرج ستيفن سبيلبرج الذى يبدى إعجابه بالفيلم وينصح بإعادة تنفيذه بشكل احترافى وسيناريو محبوك وبنفس مجموعة العمل وبالفعل يتولى آدم جولدمان المنتج الفنى الإشراف على تنفيذ الفيلم الجديد ولكن العرض الخاص للفيلم يأتى بفشل ذريع مما يدفع بجولدمان إلى اقتراح عرض الفيلم الأصلى فى دور العرض بدلا من الجديد وبالفعل ينزل إلى دور العرض فيلم الرعب منخفض التكاليف (ظواهر غير طبيعية) ليحقق انتشارا ونجاحا متتالى بدءا من الإقبال الجماهيرى غير العادى انتهاء بالحفاوة النقدية ولتتضاعف عدد دور العرض من يوم لآخر فينتقل من 150 دار عرض فى اليوم الأول إلى 800 دار عرض فى اليوم الثالث وليحقق فى يومه الأول 7 ملايين دولار تنطلق إلى 20 مليونا فى اليوم الثالث مما يدفع بآمال الشركة نحو طموحات كبرى فى تحقيق إنجاز فى عالم الأرقام القياسية فى الإيرادات خاصة مع تربع الفيلم على شباك الإيرادات فى أمريكا لأربعة أسابيع متتالية.  
تدور أحداث الفيلم حول (كاتى وميكا) اللذين انتقلا إلى منزل جديد فى سان دييجو فى ولاية كاليفورنيا. كاتى تهتم بالأمور الغيبية وتصدقها وتعتقد أن الأرواح الشريرة تتبعها منذ الطفولة، ولكن "ميكا" صديقها يفكر بطريقة عكسية فهو يرى أن فكرة وجود أشباح هى فكرة سخيفة لا تستحق سوى السخرية ولإثبات وجهة نظره يقوم بإدارة كاميرا لالتقاط ما يحدث بالمنزل ليلا ونهارا وبعد عدة ليال من الأحداث الغريبة يبدأ ميكا فى الشك بأن هناك نوعا من الأشباح فى منزلهم الجديد ويلجأ الاثنان إلى أحد المتعاملين مع الأشباح والأرواح ولكنه لا يستطيع تقديم مساعدة لهم فيحضر ميكا لوحة ويجا فى محاولة لإجراء محادثات مع الأرواح، الأمر الذى يغضب كاتى والأشباح ويصعد الأمور فى طريق المواجهة الدامية. 
مما سبق يتضح لنا أننا أمام فيلم لا يعتمد على أى تقنيات متطورة أو معقدة كما أنه يخلو من أعمال الجرافيك التى تعتبر أحد أهم أساسيات أفلام الرعب فى الفترة الحالية مما يضعنا وجها لوجه أمام السؤال: ما الذى يميز ذلك العمل البسيط على المستويين الفنى والجماهيري؟ وتأتى الإجابة موضحة ببساطة بأن نجاح هذا العمل إنما ينبع من حالة الصدق المفزعة فى الفيلم، فأنت أمام حالة شبه واقعية تسحبك بشكل تدريجى للدخول مع أصحابها قد ساعد على ذلك الأداء المترهل للممثلين والاعتماد على الإضاءة البسيطة والحوار المرتجل مما يدفعك للإحساس بالجو التوثيقى وهو ما يدفع بالمتلقى العادى إلى منطقة الفزع الذى قد يمتد لأيام تالية للمشاهدة، أما النواحى الفنية فإن الفيلم يحمل تجربة إخراجية رغم بساطتها إلا أنها مميزة وهى تنحصر فى زرع الكاميرا كشخصية تعيش الأحداث متفق على وجودها ثم تناول الفيلم كاملا من وجهة نظر تلك الشخصية وهو أمر معقد إخراجيا يفرض على المخرج لى أذرع الأمور لتتناسب مع ما فرضه إلا أن تلك الفكرة كانت احد أهم أسباب نجاح الفيلم.  
فى النهاية فإن تلك الحدوتة ليست للتسلية ولا للعلم بالشيء ولكنها موجهة إلى صناع السينما المنخفضة التكلفة فى مصر والذين يدمجونها مع الانخفاض فى الفكر والقيمة الفنية متخيلين أن الانخفاض إنما يجب أن يكون على جميع المستويات، إنما هو إلا انخفاض فى عقولهم ولكنهم لا يعلمون. 
 
  تقييم المقال
المعدل: 3.77
تصويتات: 9


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من