القاهرة عاشت مهرجانين فى مهرجان واحد ديفيله أزياء.. وسينما على الهامش!
أسدل الستار مساء أمس الأول الجمعة عن الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة السينمائى الدولى، الذى شعرنا بأنه لم يكن مهرجانا واحدا، بل هو مهرجانان فى واحد! الأول يبدأ بالسجادة الحمراء وتكريم نجمات السينما العالمية وديفليه الأزياء، وهو ملعب لرئيس المهرجان ونائبته يظهران معا فى كل فعالياته، والمهرجان الثانى تعرض فيه الأفلام لمحبى السينما من المتفرجين الصامدين الذين يتغاضون عن كثير من الأخطاء التنظيمية وضياع الوقت وتبديل الأفلام لأنهم فى النهاية يشاهدون أفلاما جيدة بعضها رائع، وبعضها هام يعرض قضايانا الهامة وخاصة ما يخص العرب والمسلمين والعلاقة مع أمريكا. لا بأس إذن فى أن يبحث كل فريق عما يفضله، أن تحضر ديفيله أزياء، أوتحضر مهرجانا سينمائيا. تكرم سلمى حايك دون عرض أى فيلم من أفلامها، فما معنى هذا؟ وكذا لوسى لو وصمويل شاكسون، نجوم نحبها نعم، ولكن أين أفلامهم، أين "فريدا" و"زقاق المدق" لسلمى، أين ما تنتجه! على الأرجح المسئول عن هذا التكريم اتجاه فى المهرجان له رؤية عن السينما لا ترتبط بالضرورة بالأفلام ويمكنك أن تؤجر أى أسطوانة أو حتى تشتريها، تحصل عليها سرقة من الشبكة الدولية ولا تزعج السيد أبو عوف الذى حول المهرجان كعكة لأصدقائه من الممثلين. تكريم ماركو بيلوتشيو والسينما الإيطالية يكرم المخرج الإيطالى الكبير ماركو بيلوتشيو بعرض فيلمين فقط من أفلامه، إذا كنت من الفريق الثانى فلتبحث بنفسك عن الفيلمين العظيمين "ابتسامة أمي" و"المربية"، عندها ستنسى كل المضايقات وسيبقى فقط أنك شاهدت فيلمين بمستوى فنى بديع، وبفكر تقدمى عميق، وإذا كنت قد أسعدك الحظ وحضرت مصادفة الندوة التى عقدت بعد عرض الفيلمين ستستمتع أكثر بانطلاق المخرج الكبير ماركو بيلوتشيو (70 عاما) بلغته الإيطالية المحببة وبصراحته كأوربى حر يعلن أنه يسارى غير مؤمن، ويحكى كيف انقسمت الكنيسة الكاثوليكية عند استقبال فيلمه "ابتسامة أمي". البعض اعتبره مهرطقا والبعض الآخر من داخل الكنيسة نفسها أعجب بطرحه لفكرة استخدام الدين لدعم الظواهر والابتعاد عن جوهر الإيمان. "ابتسامة أمي" أنتج فى 2002 ويتناول شخصية رسام طليعى يرفض الكذب كما يطلب منه بأن يقنع أخيه المريض العقلى الذى قتل أمه أثناء نومها بتغيير شهادته وأن يذكر أنها كانت فى وعيها وأنها سامحته على فعلته لتحويلها إلى قديسة، وهى نفس الأسرة التى تطلب منه بدلا من إنهاء زواجه بالمرأة التى لم يعد يحبها بأن يتخذ عشيقة ويحافظ على أسرته. نقد القيم البرجوازية وكره المخرج لها أكثر وضوحا فى فيلمه " المربية " عن قصة للكاتب الصقلى " لويجى بيراندللو" وفيها يقارن بين سيدة من طبقة برجوازية عليا لم تتحمل آلام ولادة طفلها الأول من زوجها الطبيب، وترفض إرضاعه فيختار الطبيب قروية من صقلية لها ابن حديث الولادة ويبرم معها عقدا لإرضاع ابنه بشرط أن تترك ابنها تماما. تحضر المربية وتبدأ فى العناية بالطفل الذى كاد يموت جوعا، فيكبر ويزداد وزنه وتتوتر العلاقة مع الأم الحقيقية، وتطلب إبعاد المربية، الزوج يرفض فتترك المنزل، تطلب منه المربية أن يعلمها القراءة والكتابة لتتمكن من قراءة رسائل زوجها السجين لأسباب سياسية. بقى أن نذكر أن الأحداث تدور إبان الحركة اليسارية فى بداياتها، حيث نشاهد مظاهرة لثوار بأعلام حمراء ويشك الطبيب فى تورط المربية فى أمر ما فيراقبها ويتبين أنها وضعت ابنها فى مكان مع مربية أخرى، وأنها تذهب لإرضاعه وعندما يثور عليها لأنها نقضت الاتفاق تفحمه بمنطقها (كيف تطلب منى أن أترك ابنى مادام اعتنائى به لا يؤثر على ابنك). قدرة الفلاحة الصقلية على العطاء ورقى مشاعرها وقدرتها على التواصل وإحداث التغيير فى البشر، تفوق قدرة الطبيب النفسى وزوجته المتعلمة. وبإصرارها على العلم وسرعة تحقيقها لذلك يؤكد المخرج على الفكر الاشتراكى وينحاز له عبر المشاعر الدافئة للأم. أعيد حاليا قراءة رواية الأم لماكسيم جوركى، كاتب الثورة البلشفية، وأجد المخرج ماركو بيلوتشيو معبرا عن روح الاشتراكية عبر فيلميه العظيمين بديعى الصورة والسرد والتمثيل، اللذان شاهدهما محبى السينما رغما عن الإهمال المخجل الذى تعرض له المخرج الذى لم يحضر ندوته سوى مترجمين عن الإيطالية واختفى رئيس المهرجان ونائبته، وكل لجانهما العليا والاستشارية، وبقى متابعان صامدان ومسجل الندوة حاتم جمال. وردة هذه الدورة أهديها للمخرجة والناقدة فريال كامل. تكريم أمريكا بالهندى والفلسطيني تكرم سينما الهند بمهرجان القاهرة، ولكن فيلم الافتتاح والمشارك أيضا فى المسابقة الدولية فيلم هندى من الإنتاج الضخم" نيويورك" يدلى بدلوه فيما بعد سبتمبر إلفن وينتهى لتحية "الإف بى آي" وضرورة مساندة جهودها فى محاربة الإرهاب. أى والله فتارة يعلنون على لسان الأبطال بالطريقة الهندية وعبر الفلاش باك المسنود بالموسيقى الزاعقة، أن الوكالة الأمريكية هى التى حولت الشاب المتفوق المولود بأمريكا (سمير- سام) إلى إرهابى باتهامة زورا وتعذيبه بعد الأحداث الشهيرة. وتارة يخبرنا ضابط الوكالة من أصل هندى أن واجب كل مسلم أن يكشف عن المتورطين لكى ينعموا بالحرية فى أرض الأحلام وأن ينبذوا فكرة الانتقام التى تأكل أصحابها. أرض الأحلام أيضا هى محور فيلم " أنا خائف " الهندى من التاميل والذى يبدأ بداية طيبة عن اختلاف ثقافة الهنود فى أمريكا عن الثقافة الأمريكية ويدور حوار بين الزوج الذى يفضل الاندماج فى المظاهر الأمريكية، وبين الزوجة التى تصر على أن تتحدث طفلتها بلغة التاميل وتطلب من الزوج ألا يشرب أو يكون هنديا. ينحرف الفيلم عن مساره وندخل فى قضية العنف ضد الأطفال بتصوير شخص أمريكى مهووس جنسيا، أقرب إلى سفاح للأطفال جاء لطلاء جزء من المنزل. فكرة أن الشر آتى من الخارج تعود لأيام الاستعمار حيث كل الشرور آتية من المستعمر الأبيض. علاقة الحب والكره مع الأمريكان تسيطر على الأفلام الهندية المشاركة بمهرجان القاهرة هذا العام، ولكنها لا تعبر بالتأكيد عن السينما الهندية ككل. أما فيلم "أمريكا" للمخرجة الفلسطينية شرين دعبس فهو حالة خاصة من حالات التنازل المعلن رغم مستوى الفيلم الفنى المرتفع وجودة التمثيل فيه وخاصة للممثلة (نسرين ـ مني) التى توشك على الرحيل لأمريكا مع ابنها المراهق هربا من الحواجز والحالة المعروفة لفسطينى الأرض المحتلة. فى أمريكا تلجأ للعيش مع أختها وزوجها الطبيب الذى بدأ مرضاه فى سحب ملفاتهم من عيادته بعد أحداث 11 سبتمبر. تنجح منى فى الحصول على عمل بمطعم صغير اسمه القلعة البيضاء، لافتته بألوان العلم الإسرائيلى، وتجد مساندة قوية من مدير مدرسة ابنها اليهودى الطيب من أصول بولندية. تتشابه ظروفهما فهو مطلق مثلها، ينقذ ابنها من الاعتقال بعدما تشاجر مع زميل له بالمدرسة ويقول حرفيا لرجل البوليس أنه يضمن الفتى، تدعوه على مطعم عربى مع الأسرة وينتهى الفيلم به يرقص مع الطبيب زوج الأخت فى سلام ووئام. الفيلم شديد الخبث حاز إعجاب غالبية الحضور ورددوا ما يقال عن أن الرجل يهودى وليس صهيوني. وعن حدوث هذا فى الواقع. والأفلام ككل فن اختيار فحين تختار شرين دعبس من بين كل الأمريكيين يهوديا طيبا للعيش معا فى سلام تحت مظلة القلعة البيضاء لا يمكن أن يكون الأمر محض صدفة. قدمت شرين دعبس أوراق اعتمادها وستبقى فى أمريكا محققة حلمها الفنى كصانعة أفلام. أما القضية فلها الله. فارق كبير بن التزام المخرج الإيطالى "ماركو بيلوتشيو" وبين تنازلات المخرجة الفلسطينية الشابة شرين دعبس، بين سينما حقيقية كالمربية وبين سينما مزيفة كالنموذج الهندى " نيويورك".