07-03-2010     1198

 


 

المغنى والأغنية


د. أحمد الخميسي


 

أنا من محبى الكاتب الكبير بهاء طاهر الذى يسعدنا حين يتم عامه الخامس والسبعين وهو أشد ما يكون حيوية وإبداعا وإنسانية. ويشغل بهاء طاهر مكانة خاصة عندى لأسباب عديدة يكفى أهون سبب منها ليجعلنى سعيدا وأنا أهنئه فى عيد ميلاده، أطال الله عمره ومتعه بالعافية والصحة ليواصل إسعاد الأدب العربى والمصرى بأعماله الصافية التى تشبه صوتا نقيا من قلب طفل وعقل حكيم. وقد كان فى حياتى كتاب كثيرون أحببتهم حين وجدت أن الانطباع الذى يتركونه كبشر مطابق تقريبا للانطباع الذى تتركه أعمالهم الأدبية فى نفسى قليلا ما يكون المغنى والأغنية شيئا واحدا. فقد قرأت الأديب جنكيز أيتماتوف وكنت من المعجبين به حتى التقيت به فى موسكو، وكان لى معه حوار طويل أقوم بإعداده للنشر، لكنى امتنعت عن إرساله للمجلة بعد لقائى بالكاتب، فقد كانت شخصية (أيتماتوف) أبعد ما تكون عن خيالاته ورواياته الجميلة. أحببت يوسف إدريس بقوة، فقد كان بركانا من عواطف ومشاريع وأفكار تتحرق شوقا لحرث الأرض وغرسها بالجديد. وكنت أرى فى شخصه الانفعالى هموم وأحلام ومآزق أبطال قصصه القصيرة. وقد تعرفت إلى كاتبنا العزيز بهاء طاهر بالمصادفة فى الستينات حين نشرت عام 1967 قصة فى مجلة الكاتب قدمها يوسف إدريس، فاستوقفنى بهاء طاهر فى ردهة مكان لا أذكره وسألني: هل أعدت كتابة المقطع الثانى من قصتك؟ . قلت: نعم. فهز رأسه كأنما كان يريد أن يستوثق من شيء ما وانصرف. وظللت واقفا بعد انصرافه فترة مدهوشا، لأننى لم أكن بالفعل قد أعدت كتابة أى مقطع من القصة سوى ذلك الذى أشار إليه! وأدركت أننى أمام أديب كبير يرى عملية الكتابة من داخلها بدقة مذهلة، كأنه يقف على رأس الكاتب يتابع من وراء كتفه ما يكتبه! فى تلك السنوات كان بهاء طاهر قد نشر عدة قصص لفتت الأنظار إليه بقوة ومالبث أن جمعها فى مجموعة (الخطوبة) عام 1972 وفى عام 1968 اعتقلت فى مظاهرات طلابية ولم يكن معى فى المعتقل سوى صوت بهاء طاهر يجتاز أسوار المعتقل من راديو ترانزسيستور ويبث القصص والمسرحيات المترجمة من البرنامج الثاني. عام 1972 غادرت مصر، ثم رحل بهاء طاهر عام 1975 عندما منع من الكتابة. وفى الخارج كنت أتتبع كل ما يصدره الكاتب الكبير، وأذكر أننى مع صديقى وأخى د.أبوبكر يوسف كنا نقرأ رواية (الحب فى المنفي) ونتوقف عند بعض سطورها بذهول من لحن الغربة الذى عزفه بهاء طاهر بصفاء ونقاء نادرين. وأتاحت لى السنوات العشر الأخيرة فرصة أن ألتقى ببهاء طاهر فى مواقف، ومناسبات مختلفة، بعضها مرتبط برغبات الأدباء التى تلوح وتنطفئ فى خلق كيانات ثقافية مستقلة، وبعضها متصل بمساعدة زملاء من الكتاب تعرضوا لوضع صحى مباغت أو ظرف آخر. وفى كل مرة كنت أسمع صوت بهاء طاهر الكاتب والإنسان معا أو أراه خطفا وهو يحاول بحرارة وصدق ولهفة من أعماق قلبه أن يفعل المستحيل من أجل الآخرين. وكنت أتتبع إنجازاته الروائية البديعة، ومقالاته القليلة فى الصحف، و مواقفه، ونزاهته السياسية، والأخلاقية، وأجدنى أنظر إليه من بعيد بحب واحترام عميق وأقول لنفسى إن بهاء طاهر يمثل بدون أدنى شك بوصلة الأدب الروائى المصري، وبوصلة الكاتب الإنسان، وذلك الموقف الشريف الثابت الذى لم يبتلعه احتواء، ولا كسره تهديد، ولادفعه تجاهل ليأس.  
نعم، يشكل بهاء طاهر بالنسبة لى قيمة أدبية وإنسانية وأخلاقية وسياسية رفيعة، ويفرحنى أن أهنئه، وأن أشد على يديه، وأقول له: كن معنا قدر ما تستطيع، مائة عام، وأكثر. وسأظل أثق أن الدنيا بخير، وأن الشر لن ينتصر، وأن السطحية والأنانية والسوقية سوف تهزم، طالما ظل معنا بهاء طاهر هذا الطفل الحكيم المحب للحياة والناس والوطن . 
عندما صدرت مجموعتى القصصية (قطعة ليل) كنت حريصا على إهداء بهاء طاهر نسخة وحريصا على أن أستمع لرأيه. قال لي: جميلة، فقط ملاحظة واحدة: اترك يديك حرتين وأنت تكتب، لا تقيد نفسك. وهأنا قد تركت يدى حرتين وأنا أكتب مرة أقول فيها للأستاذ الكبير كل عام وأنت طيب. وأقول له: إنه ملزم بالحياة مائة عام، وأكثر، لأجلنا، ولأجل الأدب، ولكى يبقى فى هذا العالم الفوضوى العنيف، الجاهل والفظ، معنى اسمه بهاء طاهر، حقيقى وخير كالشجر والمطر وكل عاطفة نبيلة. أقول له: لنا عندك ربع قرن آخر على الأقل حافل بابداعك الذى يملأ القلب بالأحلام والأمل ويؤكد لنا أن الدنيا قد تشهد أياما أخرى أجمل وأفضل، ومن أجل (قد) هذه، تستحق الحياة أن تعاش كما عشتها أنت، وتستحق أن تروى كما رويتها لنا.  
 
  تقييم المقال
المعدل: 5
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من