فى رواية (سنوات الغضب) للأديب جمال البشبيشى استطاع أن يقدم للقارئ رواية راقية قادرة على الإمساك بالحالة والوعى بالهدف الفكرى المقصود طرحه وكذلك القدرة على رسم الشخصيات وطرح الدلالات المريرة الموحية دون مباشرة أو فجاجة فى طريقة وأسلوب الطرح.. لقد وضع الكاتب من خلال شخصية البطل أو الراوى (الشخصية التى تخفى الكاتب داخل عباءتها) وضع القارئ أمام مقارنة بين عصرين وزمانين ومجتمعين على طرفى نقيض رغم ان السنوات الفاصلة ليست طويلة بين الزمنين فمازال معظم الأشخاص يعيشون على نفس الأرض داخل نفس الوطن الذى حارب الراوى ورفاقه من أجل تحريره ليحتله آخرون من داخل الوطن ويموت جنود الماضى على يد جنود الحاضر فى معركة غريبة تحكمها الهمجية ويحيط بها العبث فى ظل اختلال كل القيم وتداعى الأبطال الحقيقيين لهذا الوطن.. هؤلاء الذين حاربوا فى المعركة الحقيقية العدو الحقيقى من أجل آمال كبار تساقط الواحد منها تلو الآخر مع مرور السنوات وصولاً الى الحاضر الذى لا يحمل سوى المرارة وضياع الهدف. يجعل الكاتب من بطله شاهداً على الأحداث فيما مضى وحتى الآن لرصد المسافة الكبرى بين العصرين والتناقضات الهائلة واختلال القيم الواضح لدرجة طرح سؤال أخير ضمنية لم يصرح به الكاتب وهو يشير الى الجيل الحالى والوضع الحالى فيتساءل مشيرا بكل المرارة.. أهؤلاء هم المستقبل الذى كنا نحارب من أجله؟!! من أجل هؤلاء استشهد وراح من راح وضاعت أحلام من ضاعت أحلامه؟!! أهذا هو الحلم وتلك صورة الوطن التى ضحينا بأنفسنا من أجل أن تتحقق؟!! ويختم الكاتب بروايته بوفاة (صادق) أحد ابطال حرب أكتوبر على يد أحد جنود الأمن المركزى المطيعين لأوامر ضباطهم والموكل إليهم حماية الأمن، ولكن أمن من؟!! قد يختلف البعض فى الإجابة عن هذا اسؤال الأخير. ان الرواية المسماة (سنوات الغضب) استطاعت فى بساطة وعمق ايجاد حالة متكاملة وعقد مقارنة قاسية وواقعية فى شجن شديد وشحنة عاطفية يغلب عليها الأسى الذى يأسر القلوب حتى نصل فى نهاية الأمر الى الإحساس بالمرارة الذى لابد وأن نتذوقه كهدف رئيسى سعى الكاتب للوصول إليه فى وعى شديد وامتلاك ظاهر لأدواته الفنية خاصة فى اختياره للشخصيات والقدرة على الانتقال بين الماضى والحاضر فى عذوبة ووعى شديدين وصولاً الى تكامل الحالة.