07-03-2010     1198

 


 

المدونون إشراف محمد حماد (lesa ـ 3aish)




 
السر وراء اغتيال المبحوح

لسه عايش 
http: //lesa ـ 3aish.blogspot.com 
 
"كان كالضوء يتسلل، وكالهواء ينفذ، وكالظل بصمت يتحرك، فلا يعرف بتحركه أحد، ولا يطلع أحدا على برامجه، مثال لا يبارى للرجل المسلم فى مظهره وقوته وحسن تدبيره".. بعض من صفات كشفها كاتب فلسطينى مقرب من حركة حماس عن شخصية القيادى البارز فى الحركة "محمود المبحوح" مكنته من تدويخ أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على مدار 20 عاما داخل وخارج غزة، حتى أذن الله بلحظة الرحيل قبل أكثر من أسبوعين مخنوقا بإمارة دبى فى واقعة لم تتكشف كامل ظروفها حتى الآن. 
وتتهم حماس إسرائيل باغتيال المبحوح (50 عاما) فى أحد فنادق دبى يوم 20 يناير الجاري، بينما قال شقيقه إن التحقيقات الأولية تشير لاغتياله خنقا بعد تلقيه صعقة كهربائية لشل حركة جسده الرياضى المعروف بقوته وشدته. 
والمبحوح الذى تقول عنه حماس إنه ضمن جنود المقاومة الذين اختاروا العمل لسنوات طويلة فى الخفاء لتنفيذ مهمات لا مجال لإتمامها إلا فى صمت، هو أحد مؤسسى كتائب القسام ـ الجناح العسكرى للحركة ـ مع زملاء آخرين معدودين، وصاحب أول عملية نوعية تنفذها، وهى أسر وقتل أول جنديين إسرائيليين، وغير ذلك من عمليات وإنجازات قد لا يزاح عنها النقاب قبل سنوات وسنوات. 
مسيرة المبحوح فى المقاومة لم تبدأ مع البندقية وأوراق العمل السري، بل بمسعاه لمقاومة ما رآها مظاهر فساد من حوله تلهى شباب وطنه عن قضيتهم الأساسية، فنشط إثر التحاقه بجماعة الإخوان المسلمين فى عام 1978 حين كان فى ربيعه الـ18 فى محاربة محلات القمار التى كانت منتشرة آنذاك فى مدينة غزة. 
كما اشتهر بحرصه على الحفاظ على المظهر الصحيح للشاب المسلم القوي، فبرز فى رياضة كمال الأجسام، وحصل فيها على المركز الأول على مستوى قطاع غزة فى الثمانينيات؛ فاكتمل له بذلك ـ بحسب وصف مقربين منه ـ "هيبة الطلة الزكية؛ حيث كان بهى الطلعة، حسن الهندام، أنيق الملبس، نظيف الثياب، عبق الرائحة، متزن الخطي، يسير مرفوع الرأس، منتصب القامة". 
وبعد أن أنهى الثانوية العامة وحصل على دبلوم فى الهندسة الميكانيكية وافتتح ورشة لتصليح السيارات بدأت مسيرته الفعلية فى صفوف المقاومة المسلحة؛ حيث كان يتخذها ستارا للتخطيط هو وزملاؤه لعمليات سرية تقض عند تنفيذها مضاجع جنرالات الاحتلال الذين يتلفتون حولهم باحثين عن اليد الخفية التى تدبرها فلا يرون إلا السراب، حتى برز للأعين حين تم اعتقاله فى سجن السرايا المركزى الإسرائيلى بغزة بتهمة حيازة الأسلحة. 
وفى عام 1987 سطر التاريخ أول أبرز إنجازاته فى سجلات المقاومة حين شارك فى تأسيس كتائب القسام، وهو نفس العام الذى شهد تفجر الانتفاضة الأولى من داخل مخيم جباليا الذى نشأ وعاش فيه وسط 16 من الإخوة والأخوات. 
اندفع بكل قواه لمساندة الانتفاضة بعمليات تثلج صدور ذوى الشهداء والجرحى فدبَّر ونفذ أول عملية لأسر جنديين إسرائيليين فى تاريخ حركة حماس عام 1989، وهما أيلان سعدون وآفى سبورتس، وقتلهما وإخفائهما دون أن تعرف إسرائيل مصيرهما حتى عام 1997، حيث أرشدتها إلى مكان دفنهما السلطة الفلسطينية بعد حصولها على معلومات انتزعتها من أحد أعضاء القسام فى أقبية التحقيق الفلسطينية آنذاك. 
وبعد اعتقال عدد من عناصر كتائب القسام، من بينهم مؤسس الحركة آنذاك الشيخ أحمد ياسين، وقائد القسام الشهيد صلاح شحاده، علمت إسرائيل بمسئولية المبحوح عن أسر الجنديين الإسرائيليين؛ فسعت لاعتقاله أكثر من مرة وفشلت لقدرته الفائقة على التخفي. 
وفى عام 1990 هدمت قوات الاحتلال بيته، وبات بذلك أول بيت تصدر محكمة إسرائيلية قرارا بهدمه فى غزة إضافة إلى مصادرة أرضه بتهمة خطف جنود إسرائيليين. 
وبعد مطاردة فى غزة دامت أكثر من شهرين تمكن وعدد من رفاقه من اجتياز الحدود إلى مصر فى عملية فريدة قالت عنها مصادر مقربة من حركة حماس إنها تركت الإسرائيليين فى ذهول لمدة طويلة؛ إذ كيف نجح فى الإفلات من الحصار الأمنى المضروب على غزة تحت عين وسمع أفراد الاستخبارات الإسرائيلية. 
وعلى الحدود اعتقلته وزملاءه الأجهزة الأمنية المصرية، وطالب الإسرائيليون مصر بتسليمهم، إلا أن المبحوح وزملاءه تمكنوا من الفرار والتخفى عن أعين الأمن المصرى لمدة 6 أشهر، حتى غادروا إلى ليبيا، ومنها إلى سوريا التى قضى فيها معظم سنواته اللاحقة، يستكمل عمله التخطيطى فى صمت وخفاء. 
وفى خارج فلسطين نضجت أكثر مهارات أبوالحسن ـ كنية المبحوح ـ فى التخفي، وتعلَّم مهارات الحاسوب وأجاد عدة لغات، ليوسع من قدراته على التخطيط لعمليات المقاومة داخل غزة، والبحث عن مصادر لإمدادها بالمال والسلاح. 
وصار بين البلدان "كالضوء يتسلل، وكالهواء ينفذ، وكالظل بصمت يتحرك، فلا يعرف بتحركه أو يطلع على برامجه أحد، يعتمد على حسه، ولا يخالف حدسه؛ حيث كان يدرك جيدا أن الإسرائيليين لن يدعوه وشأنه"، بحسب ما ذكره الكاتب الفلسطينى الدكتور مصطفى يوسف اللداوي. 
ويضيف اللداوي: "زار كل البلاد، ونسج من أجل هدفه علاقات كثيرة، وصنع تحالفات عديدة ساعدته فى تحقيق نجاحات للمقاومة داخل غزة دفعت إسرائيل إلى ملاحقته فى كل مكان، تتابع أسفاره وتحركاته، وتجمع المعلومات عن منطقة سكنه والمناطق التى يرتادها والأشخاص القريبين منه، حتى إنها كانت تتبع أين يبيت سيارته، ورصد بنفسه عشرات الأشخاص الذين كانوا يلاحقونه"، كما تعرض لعدد من محاولات الاغتيال طوال 20 عاما مضت. 
ومن الاحتياطات التى كان يؤمن بها نفسه أنه كان "لا يستخدم هاتفه النقَّال إلا نادرا، ويشترى تذكرة سفره بنفسه فى يوم سفره، ويحرص على عدم الحجز المسبق، وغالبا ما كان يموه فى سفره، ويسافر إلى غير الوجهة التى يقصدها، ومن هناك يغير خط سير رحلته، ويختار الفندق الذى سيقيم فيه بنفسه ولا يكرر الإقامة فيه، ولا يأكل شيئا من الفندق، ويشترى طعامه من مطاعم عشوائية، ولا يتحرك بسيارته إلا بعد التأكد من أن علامات الأمان التى وضعها فيها كما هى لم يمسها أحد، ويقودها وعينه على السيارات من حوله". 
وبقى المبحوح (الأب لأربعة أبناء) على هذا النهج حتى أذن الله بلحظة الرحيل؛ وذلك خلال زيارته إلى دبى الأسبوع الماضى فى مهمة غير معروفة كلفته بها حركة حماس، حيث ارتقت روحه إلى ربها فى 20 من يناير الجارى فى أحد فنادق الإمارة. 
ويقول فائق المبحوح ـ شقيق الشهيد محمود ـ إن: "النتائج الأولية للتحقيقات أثبتت أنه اغتيل بواسطة جهاز يحدث صعقة كهربائية، ثم جرى خنقه بواسطة قطعة قماش. 
فمن جانبها، وصفت صحيفة "هاآرتس" العبرية المبحوح بـ"المطلوب الأول للجيش الإسرائيلي" مشيرة إلى أنه يقف وراء عمليات تمويل وتهريب السلاح إلى حركة حماس خاصة فى غزة"، وبينت أن الموساد حاول فى أكثر من مرة اغتياله. 
ولعل من أبرز التعليقات الإسرائيلية على حادثة اغتيال المبحوح ما كتبه محلل الشئون الأمنية والعسكرية فى صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية رون بن يشاى والمعروف بقربه من المخابرات الإسرائيلية من أن "المبحوح كان واحدا من مسئولى المنظومة المشتركة لحماس وإيران، وقد نظّم وأشرف على تهريب القذائف، والسلاح، ومواد تفجيرية ومدربين عسكريين من إيران إلى غزة.. ". 
وأضاف بن يشاى أن "المبحوح تواجد فى دبى من أجل هذه المهمة وأن إمداده للحركة بالسلاح من أهم الأسباب التى جعلت الموساد يسارع لتصفيته. 
 
  تقييم المقال
المعدل: 4
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من