14-03-2010     1199

 


 

الحريف.. كلام فى السياسة!


عبدالله السناوي


 
الحريف.. كلام فى السياسة!

«أنا رئيس جمهورية حريف».. بدت فى تلك العبارة بنصها وتوقيتها رؤية الرئيس «حسنى مبارك» للمؤهلات التى يتطلبها المنصب الرفيع، وهى مؤهلات تغلب عليها فكرتا «الإدارة» و«الخبرة»، أو أن يكون رئيس الدولة إداريا بالمقام الأول ولديه خبرة مجربة فى شئونها، بينما تكاد تغيب عنها «الرؤية السياسية» اللازمة و«القواعد الدستورية» الحاكمة للعبة السياسية فى إدارة المصالح العليا والسياسات العامة وضمان استقرار الدولة وانتقال السلطة فيها بصورة سلمية وآمنة. 
كان الرئيس يتحدث أمام مجموعة من قيادات الأمانة العامة للحزب الوطنى فى مقر رئاسة الجمهورية فى أعقاب نجاته من أخطر محاولة اغتيال تعرض لها بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا منتصف التسعينيات.. وقد تبدت فى الأفق السياسى وقتها أجواء قلق من مصير رئاسة الدولة بعده، فلا نائب يتولى المسئولية، كما حدث فى أعقاب رحيل سلفيه «جمال عبدالناصر» و«أنور السادات»، ولا قواعد دستورية راسخة تضبط وتنظم انتقال السلطة وتوفر الشرعية لها. 
فى هذا الاجتماع تطرق الرئيس إلى الملف الضاغط، وقال إنه يفكر فى نائب، ولكنه فى حقيقة الأمر لم يكن حاسمًا فى هذا الاتجاه، فكر فى اسم بعينه، وأصدر قرارًا سرعان ما ألغاه قبل أن يعلن رسميا، ولكن المثير ـ هنا ـ أن الرئيس لم يجد فيمن حوله من يستحق أن يخلفه، أو تتوافر فيه عناصر «الاحتراف» التى يتصور أنه يحوز عليه.. وفكرة الاحتراف ـ بالذات ـ تلخص جانبًا كبيرًا من المأزق الذى اندفع إليه نظامه فى السنوات التالية، فقد استنفد زمنه، واستغرقته مشكلاته، وتبددت هيبته وتآكلت قواعد الشرعية فيه، وبدا كل شيء مأزومًا.. بلا أفق حل، وهذا كله لا يمكن وصفه بـ«الاحتراف» فى إدارة شئون الدولة، فلا إدارة يعتد بها عندما تفتقد اللعبة لقواعدها الحاكمة وأسسها الدستورية المقنعة، وهذا الكلام يناقض جوهريا أية ادعاءات عن نسبة الانتصار فى بطولة كرة قدم لذات النظام الذى فشل فى كل شيء آخر.. من ملفات المنطقة الملغمة إلى ملفات البطالة والفقر والفساد، فمن قواعد الرياضة الشفافية، وهذه تغيب بصورة فادحة فى المشهدين السياسى والاجتماعي، ومن قواعد الرياضة الاحتكام إلى أسس لها احترامها فى تقرير نتائجها، وهذه فكرة لا صلة لها بما يجرى فى مصر الآن. 
فى ذلك الوقت من منتصف التسعينيات لم يكن «سيناريو التوريث» يخطر ببال أحد، ولكن اللافت فى هذا الاجتماع، الذى لم يتسن أبدًا للرأى العام الإلمام ببعض ما جرى فيه، أن الرئيس أشار إلى أن «دخلى لا يكفيني»، وأنه قد طلب من ولديه أن «يبتعدا عن مواطن شبهات الثروة».. تكلم الرئيس يومها على راحته، وكما هى عادته فى الجلسات والاجتماعات الخاصة، وران صمت على القاعة، فقيادات «الوطني»، التى حضرت الاجتماع المثير، تدرك أن الرئيس هو مصدر شرعية القرارات ومرجعها الوحيد، وما يفكر فيه غير قابل للاستيضاح أو الاستفسار، فضلاً عن النقاش والاقتراح، وربما خطر ببال بعضهم أثناء حديث الرئيس المستفيض عن مستقبل نظام الحكم بعده، ما جرى من حوارات سابقة مع أمين الحزب الوطنى فى ذلك الوقت الدكتور «يوسف والي».. فقد سأله رئيس أمانة خدمية عند تولى مسئوليتها: «هل لنا حق المناقشة والاقتراح؟».. أجاب على الفور: «نعم».. عاد سائلاً: «هل لنا حق الاعتراض على ما تتخذه الحكومة من قرارات وإجراءات؟».. أجاب قاطعًا: «لا».. وكانت هذه من خبرة «العمل السياسي» فى كواليس الحزب الذى يصف نفسه بأنه صاحب الأغلبية، وهى خبرة إدارية فى المقام الأول، تقوم على مبدأ غياب الشفافية وروح المبادرة والحوار، وربما تدخل ـ وفق المعايير الرئاسية ـ فى باب «الاحتراف».. ولهذا السبب بدا الرئيس «مبارك» ـ فى اجتماع ضمه إلى عدد محدود من الإعلاميين فى مدينة «شرم الشيخ» فى أعقاب آخر زيارات العاهل الأردنى «عبدالله الثاني» ـ غاضبًا على «عمرو موسي» وزير خارجيته لسنوات طويلة وأمين عام الجامعة العربية الحالي، لم يكن غاضبًا على الدكتور «محمد البرادعي» مدير عام هيئة الطاقة الدولية السابق بذات الحدة، فالأول، من داخل النظام، وصعد وفق قواعد الاحتراف فيه، وأية انتقادات يقدمها، أو أية إشارات عن احتمالات ترشحه لرئاسة الجمهورية، لها رد فعل مختلف. 
تبدى فى المشهد العام انفلات إعلامى ضد «البرادعي»، ولكن فى الكواليس كان الغضب على «عمرو موسي» أشد وأعنف، ولا يعنى ذلك أن النظام الحالى قد استقر على بدائل لـ«عمرو موسي» فى منصب أمين عام الجامعة العربية، فمع تدهور الدور المصرى والدبلوماسية المصرية معها بدا أن هناك أزمة عميقة فى الأسماء المصرية المرشحة لخلافته، ولو لم يترشح «موسي» مجددًا، فإن احتمال وصول مصرى آخر إلى هذا المنصب الرفيع يبدو ضئيلاً للغاية، وقد يكون من مصلحة النظام ـ رغم فورات الغضب ـ إعادة ترشيح «موسي»، فمن ناحية تحتفظ مصر بمنصب الأمين العام، ومن ناحية أخرى يجرى التخلص من صداع الترشيحات التى تزكيه لرئاسة الجمهورية. 
وفى كل الأحوال فإن ما يقوله الرئيس غير قابل للمراجعة أو الاستيضاح، وهذه معضلة مرحلة تحول طالت واستطالت، وأنهكت البلد بصورة فادحة، وأدواره فى محيطه تحطمت، وفى لحظة بدا الإعلام الرسمى المصرى مستعدًا أن يصطنع أعداء وهميين، يشن عليهم الحملة تلو الأخري، وكانت غزة هى العدو الجديد، وبدا فى الجدار العازل على الحدود أن مصر افتقدت أية قواعد مستقرة للحفاظ على أمنها القومي، وكانت العروبة عدوًا آخر، وشنت الحملات الجهولة عليها، وقيل: «لماذا يكرهوننا؟».. ولكن الحقائق غلبت سريعًا، فقد بدت غزة المحاصرة مبتهجة بصورة استثنائية بفوز المنتخب المصرى لكرة القدم ببطولة الأمم الإفريقية للمرة الثالثة على التوالى والسابعة فى تاريخها، رقص شبابها الدبكة فى الشوارع، ووزع «الشربات» على المقاهي، ورفعت الأعلام المصرية فى كل مكان، وكانت هذه المشاعر تكذيبًا علنيا ونهائيا لكل الادعاءات والأكاذيب عن «نهاية العروبة» و«العدو الفلسطيني»! 
والمشكلة الآن أن الظروف تغيرت، والأحوال تبدلت، وأن ما كان يمكن يوفر استقرارًا فى منتصف التسعينيات، لم يعد يصلح نهائيا لإدارة الدولة بصورة احترافية بمعناها السياسى والدستورى والديمقراطى قبل أية اعتبارات إدارية، وأنه لا بديل عن عقد اجتماع جديد ودستور جديد يؤسس لشرعية جديدة.. إنها القواعد اللازمة والضرورية للانتقال من عصر إلى عصر ومن نظام إلى نظام. 
والخطير أن مجلة «الفورين بوليسي» الأمريكية ذائعة الصيت تتوقع مرحلة انتقالية بعد «مبارك» تنتهى باضطرابات واسعة، فالوضع فى مصر ـ كما تقول ـ هش، والولايات المتحدة قلقة على مصير نظام حليف، وتؤكد ـ حسب مسئولين أمريكيين سابقين ـ أن الولايات المتحدة ليست مستعدة لمرحلة ما بعد «مبارك»، وأفكارها مشوشة، وهناك خشية من تبعات التحرك العشوائى فى الوقت بدل الضائع، وهذه حسابات قوة ومصالح استراتيجية فى المنطقة، ومن حقنا نحن فى مصر أن نفرض قواعد أخرى للمستقبل تضمن مصالح بلادنا قبل أى طرف آخر ـ وهذه معضلة بلد قال رئيسه قبل نحو خمسة عشر عامًا إنه «رئيس جمهورية محترف». 
 
  تقييم المقال
المعدل: 4.83
تصويتات: 54


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من