مجلس الشعب أنقذه من ورطته وجعل من زاهى حواس كبش فداء لامبراطور الحديد
محمد الباز
أحمد عز.. أمين سر توريث جمال مبارك
يحمل المهندس أحمد عز فى حقيبته عددا من الألقاب التى يحتل مناصبها، فهو أمين التنظيم فى الحزب الوطني، وعضو الأمانة العامة، وعضو هيئة المكتب، وعضو المكتب السياسي، ونائب مجلس الشعب، ورئيس لجنة الخطة والموازنة به، ورئيس لجنة الحفاظ على الأراضى الزراعية بالحزب الوطني، وهو قبل كل ذلك وبعده رجل أعمال ثروته تجاوزت المليارات، فهو يمتلك ثلاثة مصانع للحديد ومصنعين للسراميك، ويدير استثمارات عديدة خارج مصر وتحديدا فى الجزائر. قد تسأل ومن أين يأتى عز بالوقت الذى يكفى للعمل فى كل هذه المناصب؟ أقول لك إن الرجل لا يدير عمله بشكل فردي، فهو مثلا فى عمله بلجنة الخطة والموازنة فى مجلس الشعب لديه لجنة مستشارين من أساتذة الجامعة تعد له كل الدراسات التى يقدمها لمجلس الشعب، وهى التى أعدت له دراسته الأخيرة التى قدمها إلى مجلس الشعب عن قوانين الآثار فى أربع دول من دول العالم المتقدم وهى فرنسا وإيطاليا وتركيا واليونان. ولا يكتفى عز بأن يحصل على هذه الدراسات من المجلس الاستشارى الذى يفكر له، بل يقوم بدراسة هذه الدراسات وقراءتها وهضمها جيدا، حتى يكون عارفا بكل تفاصيلها، حتى إذا ما اقتضت الحاجة إلى أن يتحدث فيها أن يكون ملما بما بين لديه، ولذلك فهو يؤكد أنه هو الذى قام بالدراسة رغم أن آخرين هم الذين قاموا بذلك. اللجنة الاستشارية التى تساعد عز فى عمله، ليست بعيدة عن المجموعة الكبيرة من الشباب التى تساعد عز ويصل عددها إلى 1000 شاب من الحزب الوطنى فى مختلف التخصصات، ورغم أن عز يقدمهم للحزب الوطنى على أنهم مجموعة من المتطوعين، إلا أنه وبينه وبينهم يتعامل معهم على أنهم كتائب الحزب الوطني، الذين يجزل لهم العطاء، فلهؤلاء الألف شاب مرتبات ثابتة لا يدفعها الحزب بالطبع، ولكن يدفعها عز من ميزانية مؤسسته الاقتصادية الضخمة. يصبح من الطبيعى بعد ذلك أن يقوم عز بكل هذه الأعباء دون أن نلحظ عليه أى إرهاق من أى نوع، فهو دائم الحركة والنشاط والعمل، بل إن ازدحام جدوله بالعمل لم يمنعه من أن يعيش حياته الخاصة، فقد تزوج حوالى ست مرات كان آخرها من سيدة الأعمال ونائبة مجلس الشعب السابقة شاهيناز النجار، كما أن لديه ثلاثة أولاد من زوجات سابقات هم ملك وعائشة وأحمد، يتابع كل صغيرة وكبيرة فى حياتهم ويراعيهم كأب صالح لا يهمل فى حياة أولاده بحجة انشغاله الدائم فى البيزنس والسياسة، فأحمد عز يجد الوقت لكل ما يريد إنجازه. فى كل مرة يتعرض أحمد عز لأزمة سياسية، يعتقد البعض أن فى هذه الأزمة نهايته، وأنه لن يخرج منها سالما، لكنه يتجاوز الأزمة ليس بالتعادل فقط ولكن بالانتصار المدوي، آخر أزماته كانت مع قانون الآثار الجديد، الذى تسربت أخبار تؤكد أنه تقدم إلى مجلس الشعب بقانون يبيح الاتجار فى الآثار. التوصيف مزعج، خاصة أن تصريحات صاحبته منسوبة إلى فاروق حسنى وزير الثقافة وزاهى حواس تشير إلى أنهما يهددان بتقديم استقالتيهما فى حالة إقرار مجلس الشعب للقانون، بما أكد أن ما يريده عز ليس إلا خرابا وتدميرا لتراث مصر الحضاري، وإذا قمنا بمد الخط على استقامته سنجد أننا أمام حالة من الخيانة العظمى لمصر، ومن يفعلها؟ إنه الرجل القوى فى الحزب الوطني. لكن أحمد عز أمسك بلجام الأزمة ووجهها إلى صالحه، وعاد اللوم والعتاب والتقريع والإهانة لزاهى حواس أمين عام المجلس الأعلى للآثار، فى جلسة مجلس الشعب العلنية التى عقدت لمناقشة القانون سارع الجميع لتبرئة أحمد عز مما نسب إليه، وكان اللوم الذى وجه إليه من الدكتور فتحى سرور رئيس المجلس رقيقا ومهذبا. وجه فتحى سرور كلامه إلى أعضاء المجلس نافيا أن يكون المهندس أحمد عز قد تقدم بأى مشروع قانون يسمح بالتجارة الداخلية فى الآثار، وأن كل ما قدمه كان عبارة عن دراسة لمشاريع القوانين المشابهة فى الدول الأوروبية، وذلك كى يستفيد منها المجلس فى مناقشاته وإقراره للقانون، وحتى يؤكد سرور براءة عز من القانون المشبوه قال نصا: وأنا أكرر لومى للمهندس أحمد عز لأنه لم يرد، وكان من الواجب عليه أن يرد ردا قاسيا على ما نشرته الصحف من أخبار غير صحيحة وكاذبة عن قانون تقدم به يسمح بالتجارة الداخلية فى الآثار. لم يكن الدكتور سرور وحده الذى أقر ببراءة أحمد عز فقد فعلها أيضا الدكتور زكريا عزمى نائب الزيتون وهو النائب صاحب المصداقية العالية داخل المجلس وخارجه، قال عزمى إن المهندس أحمد عز تقدم بدراسة للجنة التشريعية ولجنة الثقافة حول قوانين الآثار فى العالم، ولم يقدم أى قانون أو اقتراحات لتعديل القانون، ولكن الدكتور زاهى حواس داير على الصحف والجرائد يقول إن مجلس الشعب هيضيع مصر وأحمد عز عايش فى أوروبا، وحتى تكتمل الصورة فقد أضاف عزمي: أنا لا أدافع عن أحمد عز ولكن أدافع عن مجلس الشعب. ولما جاء الدور على عز ليتحدث قال ردا على الدكتور سرور: أنا لا أرد على الصحف، ورغم أن أحمد عز وحده هو الذى يستطيع أن يحدد مقصده من كلمته تلك، إلا أننا أمام مسئول كبير لا يحترم الصحافة ولا يقدرها ولا يلتفت لما تنشره عنه حتى لو كان قاسيا وعنيفا ويضر بسمعته السياسية، سأستبعد أن عز يتعامل من خلال كلمته تلك مع الصحف بغرور وتعالٍ، لكننى لن أستطيع أن أستبعد أنه يقر بأن الصحافة لا قيمة لها ولا تأثير، وهو سلوك لا يسلكه عز وحده تجاه الصحافة المصرية ولكنه سلوك الحزب الوطنى والنظام الحاكم كله، وكأنهم يصدرون لنا كلمة معاوية بن أبى سفيان الشهيرة: إننا لا نحول بين الناس وبين ألسنتهم مادام أنهم لا يحولون بيننا وبين ملكنا. ولأن الجلسة كان من بين أهدافها تبرئة أحمد عز، فكان لابد من كبش فداء، لم يكن من المناسب أن يكون كبش الفداء هو فاروق حسني، فإذا كان أحمد عز قويا فإن فاروق حسنى قوى أيضا، إذن فليكن كبش الفداء هو زاهى حواس، الذى تعرض لهجوم طاغ وصل إلى درجة الإهانة فى المجلس على ذمة أحمد عز. الإهانة جاءت إلى زاهى حواس من رجل أحمد عز فى مجلس الشعب ورجله أيضا فى نقابة المحامين النائب عمر هريدي، تحرش بحواس أثناء الجلسة وقال: كان من الواجب على الدكتور زاهى حواس أن يرسل تكذيبا للصحف عما ورد على لسانه، لكنه لم يكتف بذلك فقد تحرش مرة ثانية بحواس وهو خارج من مجلس الشعب، ويؤكد شهود العيان أن هريدى وجه ألفاظا غير لائقة لحواس، وقال له بقى إنت تضربنى فى شارع وتصالحنى فى حارة. الموقف كان صعبا على زاهى حواس ما فى ذلك شك، لقد تحدث إلى الصحف قبل أيام من هذه الجلسة وكان كلامه واضحا ضد أحمد عز، قال إن مشروع قانون أحمد عز يعتبر تخلفا قانونيا، وقال فى مناسبة أخرى إن ما يفعله أحمد عز ليس إلا هتك عرض لمصر، لكنه فى المجلس شعر بأنه فى بيت أحمد عز، وهو ما جعله يتراجع عن كلامه، الذى كان مفاجأة. قال زاهى حواس فى المجلس والكلام منسوب له نصا: أنا أكن كل احترام للمهندس أحمد عز، وقال: أنا قلت للصحفيين إننى منذ أن قابلت المهندس أحمد عز وأنا معجب ببلاغته وفصاحته لدرجة أنى أشبهه بالفلاح الفصيح. لا يمكن أن أشكك فى صدق كلام زاهى حواس، لكن لا يمكن أن أعزل حرارة كلماته عن حرارة الموقف الذى وجد نفسه فيه، ولا يمكن أن أقول إنه تصرف تصرفا صحيحا، فقد قالها له عمر هريدى فى وجهه: كان الأشرف لك أن تثبت على موقفك، لكن يبدو أن زاهى حواس أدرك أنه سيكون كبش فداء لأحمد عز فلم يعاند ولم يصعد من موقفه، لأنه بحسه السياسى يعرف أن النظام الذى يعمل فيه لا يسامح من يخطئ فى حقه، وأن الكارت الأحمر جاهز لكل من يتجاوز الخطوط الحمراء، وأحمد عز من بين هذه الخطوط بالطبع. هو رجل قوى إذن لا يمكن أن يقهره أحد، لكن هل قوة أحمد عز وحدها هى التى جعلت كبار مجلس الشعب يتبارون فى تبرئته مما نسبته الصحف إليه فى قانون تجارة الآثار، إن أحمد عز يستمد قوته تحديدا من مصدرين، الأول هو تمويله الدائم وبسخاء للحزب الوطني، حتى إن البعض يعتبره محفظة نقود لا تنفد بالنسبة للحزب، والثانى علاقته القوية بجمال مبارك. وأغلب الظن أن تبرئة أحمد عز من القانون المشبوه جاءت على خلفية علاقته بجمال مبارك، فليس معقولا أن ينسب للرجل المقرب من جمال أن يريد أن يمرر قانونا يسمح بالتجارة الداخلية للآثار بما يعنى ذلك تهديدا وتخريبا لتراث مصر الحضاري، لقد أعلن أحمد عز قبل ذلك أنه وجمال مبارك ليسا سوى زميلين فى الحزب الوطنى وأنهما ليس صديقين. كان التصريح لافتا للانتباه فلماذا يتبرأ عز من صداقته لجمال وهى الصداقة القديمة التى تعود إلى فترة عمل جمال مبارك فى لندن، لكن التفسير كان واضحا، فقد كان عز يمر بأزمات ضاغطة وأراد ألا يكون عبئا على جمال وألا يؤثر عليه وعلى مستقبله السياسى الذى يعتبر عز راعيا له، وبعد ذلك عادت الأمور إلى مجاريها، فقد ظل عز وجمال مبارك صديقين رغم كل شيء. إن الإنجاز الكبير الذى حققه أحمد عز يعتبر بكل المقاييس إنجازا أسطوريا، وإن كان البعض يعتبره منطقيا فى بلد مثل مصر تسير فيها الأمور بلا معايير واضحة، لقد ولد عز فى 12 يناير 1959 أى أنه الآن فى الواحد والخمسين من عمره، والده خرج من الخدمة العسكرية وهو على درجة لواء، ثم اتجه إلى البيزنس وتحديدا فى مجال استيراد الحديد، سافر عز فترة إلى ألمانيا للدراسة، وحاول أن ينخرط فى أعمال كثيرة منها لعب كرة القدم والعزف على الدرامز فى فرقة موسيقية صغيرة كونها حسين الإمام فى بداية حياته، ولا تزال هناك بوسترات ودعوات لحفلات يظهر عليها اسم أحمد عز كعازف درامز. لكنه التفت إلى نفسه وعاد إلى البيزنس، وعلى جناح البيزنس دخل إلى عالم السياسة، تم تعيينه فى مجلس الشورى وفى العام 2000 بدأ صعوده السياسى من خلال نجاحه فى مجلس الشعب الذى ظل نائبا به حتى الآن، وكان غريبا أن تسند لجنة الخطة والموازنة فى المجلس لشاب فى مقتبل العمر كان عمره وقتها 41 عاما فقط، لكنه وكما يبدو كان يتم تجهيزه للعب دور أكبر. لقد كان العام 2000 هو نفس العام الذى بدأ فيه نجم جمال مبارك يظهر فى الأفق السياسي، اقترب منه عز ليصبح بينهما مشروع مشترك هدفه النهائى هو أن يرث جمال مبارك الحكم فى مصر، وهو المشروع الذى يمضى على قدم وساق رغم تأكيدات الحزب الوطنى أن ذلك ليس صحيحا، فأحمد عز هو أمين سر مشروع التوريث، وكان من الصعب تشويه صورته أو الإساءة إليه، ولذلك سارع الجميع إلى تبرئته وإخلاء ساحته من الاتهام بأنه يريد أن يطرح آثار مصر للتجارة الداخلية، لأن هذا لا يليق بالرجل الذى سيحمل جمال مبارك إلى كرسى العرش.