07-03-2010     1198

 


 

سهير فهمى تحاوره فى عيد ميلاده الـ 75:


سهير فهمى


 
بهاء طاهر: لـــم أبـــدأ بعــــــد!

»كتبت أول قصة فى رابعة ابتدائي.. فأصبحت موضوع إملاء للمدرسة كلها »أفضل الكتابة بعد منتصف الليل.. وبالقلم الرصاص والأستيكة 
»يغيظنى أن يذهب أحدهم إلى بلد شهرين ويكتب عنه وكأنه عرفه! 
»يخطئ من يقاوم شخصياته.. «خالتى صفية» بدأت هامشية.. لكنها جعلت نفسها «بطلة» 
»أعيد الكتابة أكثر من مرة من أجل الحذف وليس الإضافة 
 
كل هذا الإبداع، لكنه يؤكد أنه لم يبدأ بعد، ويصف أعماله بأنها «كان يجب أن تكون أفضل».. مستطرداً «لكن هذه كانت قدراتي». 
تعبيرات تتناقض مع ما يحدثه قلم بهاء طاهر مع كل إبداع جديد له، تنشد غُدد التلقى عند الشعراء والمثقفين معاً، تعبيراً عن مكانة خاصة له فى خريطة الإبداع العربي. 
وفى عيد ميلاده الـ 75، نعيد إلقاء الضوء على مناطق منيرة، أدبياً فى مسيرته الإبداعية.. نحتفى به، وبـ«ضحي» «والملك» و«خالتى صفية».. وبالضابط «محمود عزمي». 
{ بعد الكتب التى كتبتها ومسيرتك فى الإبداع، كيف ترى ماضيك، وهل حققت كل ما تريد؟ 
}} ستضحكين عندما أخبرك أننى اشعر بأننى لا أزال فى بداياتى ولا اعرف كم من الوقت سأعيشه لكى تكتمل هذه البداية. وبعد كل عمل جديد اشعر وكأننى أبدأ من نقطة الصفر، بمعنى أن الأشياء التى كنت أريد عملها لم ابدأها بعد. ولذلك فإننى أتمنى فى الفترة القادمة أيا كانت مدتها أن أقوم بعمل شيء أكون راضيا عنه.  
{ يبدو وكأنك غير راض عن أعمالك السابقة؟ 
}} لم اقل إننى غير راض عنها ولكننى تمنيت أن تكون أفضل من ذلك. ولكن هذه كانت قدراتي.  
{ فى هذه المسيرة هل هناك بعض الأعمال تستطيع أن تقول عنها إنها أقرب إلى قلبك؟ 
}} حكاية أن هناك عملا ما قريب إلى القلب أمر غير صحيح. ولكن دائما آخر عمل يدل على المرحلة التى وصلت إليها وبالتالى يمكننى أن أقول إن رواية "واحة الغروب" والمجموعة القصصية "لم أكن اعرف أن الطواويس تطير" ليستا أفضل شيء كتبته ولكنهما تدلان على ما توصلت إليه الآن. سواء كان الأحسن أو لم يكن كذلك. 
{ ما الذى تمثله الكتابة بالنسبة إليك؟ هل يمكن أن تتوقف عنها بعد هذا التاريخ طويل؟ 
}} الحقيقة أنا كاتب مع سبق الإصرار والترصد. منذ أن كنت فى المدرسة الابتدائية لم يكن عندى رغبة أن أكون محاميا أو لاعب كرة أو أى شيء آخر، وكانت القراءة هى متعتى لأنه لم يكن هناك وسائل ترفيه كما الآن. وكانت السينما شيئا جديدا. لقد عاصرت أول سينما تفتح فى الجيزة وهى سينما الفانتازيو. القراءة كانت هى المتعة الوحيدة.. وكنا كلنا قراء. لذلك نحزن الآن لأن هذا الموضوع ينحسر. وكتبت قصة وأنا فى الصف الرابع الابتدائى ونجحت جدا وتقررت كموضوع للإملاء على المدرسة كلها. وأظن أن هذا كان نوعا من التشجيع. { ولماذا أخترت دراسة التاريخ؟ 
ـ لأننى كنت مؤمنا بأن التاريخ هو الدراسة التى يجب على الكاتب أن يخوضها، ولذلك لم ادخل قسم أدبى كالعربى أو الانجليزى أو الفرنسى لأننى أشعر بأن الزاد الأساسى للكاتب هو التاريخ. وكان علينا فى قسم التاريخ أن نقدم ثلاثة أبحاث كل عام: بحث عن التاريخ القديم وآخر عن الوسيط ثم بحث عن التاريخ الحديث. وأول بحث قمت به كان عن التاريخ اليوناني/الرومانى وعنوانه "أوديب والمجتمع الاثينيى عند سوفوكليس". ولا أريد تفخيم نفسي، ولكن كان زملائى يتناقلون هذا البحث حتى إن أستاذى الدكتور فائق خفاجة، رحمة الله عليه، رئيس قسم اليونانى واللاتينى طلب منى بعد قراءة هذا البحث أن انتقل من قسم التاريخ إلى قسم "كلاسيكس" وقال لى أعدك انك ستكون معيدا وكان ذلك إغراء كبيرا، لأن القسم كان بدون معيدين منذ عشرين عاما. وبالفعل ظل كذلك. ولكنى اعتذرت وفضلت أن أظل فى قسمي. ولذلك أقول لكِ إننى اخترت الكتابة مع سبق الإصرار والترصد.  
{ ومعنى هذا انك شعرت بعد أول أعمالك انك كاتب وستكمل مشوارك؟  
}} لا.. لا ولسنين طويلة لم أشعر بأننى كاتب. فى الكلية أقمنا جماعة أدبية وكانت تضم أسماء مهمة فيما بعد مثل رجاء النقاش ووحيد النقاش وصبحى شفيق والشاعر كامل الأيوبى والشاعر محمد سليمان أخ الرسام حسن سليمان وكثيرون صاروا فيما بعد أسماء مهمة فى الوسط الأدبي. وكنا جميعا نجرب ونقرأ أعمالنا لبعضنا البعض وننقد بعضا نقدا شديدا جدا. ومع هذا لم يخطر ببالى قط أننى صرت كاتبا ولم يكن بالإمكان نشر هذه الأعمال. والآن هناك دار نشر تريد نشر كتاباتى الأولي، وقد افعل ذلك رغم أنى فى غاية الحزن لأنى أضعت الكشكول الذى كتبت فيه تلك القصص. ولكن هناك بعض الأعمال باقية. 
{ عندما تقرأها الآن بماذا تشعر؟ 
}} ينتابنى مشاعر متباينة: من ناحية أرى أنها ساذجة وغير ناضجة، ومن ناحية أخرى اشعر بأنها، بالنسبة للسن التى كنا فيها، متقدمة جدا لأننا لم نكن نقلد أحدا وكانت لدينا الرغبة فى أن نكون صوتا متفردا وجديدا. كانت فيها سذاجة ولكن أيضا نوع من الإصرار. 
{ إذن، أنقذك الإصرار رغم الظروف والسفر، بينما توقف الكثيرون الذى كانت ليهم موهبة كبيرة؟ 
ـ طبعا كما قلت فى كل جيل تصعد مواهب ومن بينهم ناس ممتازون ثم تتوقف بعد فترة. أنا عنيد وصعيدى بمعنى انه كانت أسباب كثيرة تستطيع أن توقفنى عن الكتابة وأولها أن الكتابة لم يكن لها أى مردود. فأنا كنت رجلا فقيرا ولم يكن لدى أى مورد آخر غير الوظيفة الحكومية. لكن بسبب العناد استمرت، وأظن انه أنقذنى فى مواقف كثيرة فى حياتي. أتذكر أننى واجهت صعوبات كثيرة لكنى لم انكسر وقررت أن أكمل طريقي. أما بالنسبة لسؤالك أن السبب يكمن أيضا فإن الكتابة رسالة وأنا مؤمن بهذا. وقد دفعت ثمن هذا الإيمان. 
{ لنتحدث قليلا عن طقس الكتابة فلكل أديب طقسه الخاص جداً؟ 
}} اكتب بالقلم الرصاص والأستيكة. ولكن ليست هذه قاعدة، لأننى اكتشفت وأنا ابحث فى أوراقى القديمة أننى كتبت: "قالت ضحي" بالقلم الحبر. ولكنى أفضل أن اكتب بالقلم الرصاص.. ثم امسح وأعدل كما يحلو لي. لكنى إذا كنت فى عجلة من أمرى اضطر إلى الشطب. وأكتب دائما بالليل، بعد منتصف الليل لأنى أحب أن اكتب فى هدوء كامل. ولكن فيما مضى عندما كنت شابا، كنت أكتب على القهوة وسط الناس ولاعبى الطاولة والصوت العالى "وقهوة على الريحة من فضلك". كنت اشعر أننى أستطيع أن انتزع نفسى من هذا الجو وأتفرغ للكتابة. ولكن هذا لم يعد يحدث الآن، فأنا احتاج إلى هدوء تام. بمعنى انه فى الشتاء يكون إنتاجى أكثر، لأن الليل فى الشتاء يكون أكثر هدوءا.  
{ كيف تأتى الفكرة وكيف يتكون هيكل الرواية، فى مرة قلت إن الجملة الأولى تأتيك ثم تقوم بالكتابة. 
}} قلت أن أهم شيء الجملة الأولي. كيف تأتي؟ لا أعلم؟ أدهشنى بعد ذلك أننى قرأت أن جارسيا ماركيز يبدأ أيضا بهذه الطريقة وأن كتابة القصة القصيرة عنده أصعب من كتابة الرواية. وأنا أوافقه على هذا الكلام 100%. ولو اعرف كيف تأتى الكتابة لكتبت خمسين رواية على الأقل. لا اعرف كيف تأتينى رغبة الكتابة، لكنى متأكد أننى لا أقوم بعمل سيناريو للكتابة وأحيانا اكتب الجملة ولا اعرف ما هى الجملة التى ستليها. ولذلك اترك روح الكتابة هى التى تشدني. أثناء الكتابة العالم كله يتشكل بداخلك وفقا للعمل الذى تقوم بكتابته. وتحذف أو تترك الجمل. وأنا من النوع الذى يعيد الكتابة عدة مرات. وكما قلت مرة إن الرواية التى أكتبها مكتوبة فى مكان ما وليس على إلا أن أقوم بنقلها.  
{ هل هذا يرجع إلى أن اللاوعى يختزن من الواقع شخصيات؟ 
}} طبعا.. ممكن جدا. هناك قصص حب بين رجال ونساء كثيرة فى الحديقة التى كتبت عنها قصة "الطواويس" وكنت اعرفها كلها ولكن كتبت قصة أخري. ولكن من المهم جدا ألا تكتب عن عالم لا تعرف تفاصيله. أنا اغتاظ من شخص يذهب إلى بلد يجلس فيها شهرين ثم يعود ليكتب عنها رواية وكأنه عاش فيها طويلا. أنا لم اكتب حرفا واحدا عن أوروبا إلا بعد عامين. ففى بعض الأحيان وقد تدهشين الفن ليس فقط هو الذى يقتبس من الحياة بل الحياة أيضا تقتبس من الفن. 
{ لكن عندما تكتب يجب أن يكون هناك بناء للشخصيات، لأنها فى آخر الرواية لن تكون كما فى بدايتها، أم انك تتركها تتكون بحرية؟ 
}} كانت "خالتى صفية" شخصية هامشية جدا فى "خالتى صفية والدير". فى تصورى كنت أريد أن اكتب شيئا عن المقدس بشاي، وكانت هذه فكرتى الأساسية وعن دير كنت اذهب إليه فى صغري. وإذا بخالتى صفية هذه تظهر وتفرض نفسها وتصبح هى البطلة. فالكتابة لها حياتها المستقلة ولا تستطيعين قمعها. 
{ هل يحدث صراع، هل تقاوم هذه الشخصيات لتوقفها؟ هل يوجد أعمال بدأتها ولم تنته منها لأنك تباطأت فى استنساخها؟ 
}} أفضل شيء ترك الشخصيات وعدم مقاومتها. وأسوأ شيء فى كتابة الرواية أن تهرب منك وتتوقف لأيام أو سنين أو تنتهى للأبد. ولدى رواية من 200 صفحة لم.. ولن تكتمل أبدا. لا تستطيعين إعادة روح الكتابة التى بدأتها وملاحظتك سليمة، ففى الغالب هذا قد يحدث لأنى قد تركت هذا العمل لفترة طويلة لسبب من الأسباب.  
{ هل الرواية قد تغيب أو تتوقف بسبب رقابة داخلية؟ هل هناك ما تشعر بأن الواقع لن يتقبله فتحذفه؟ 
ـ أظن أن كل كاتب لديه رقابة. لكنها ليست رقابة سياسية، بمعنى أن كل كاتب يختار ويحذف من الناحية الفنية. وأظن أى كاتب لا يفعل هذا لا يكون كاتبا جيدا. مع هذا فكل كاتب هو نتاج أفكاره الخاصة وقيمه الخاصة وهى ليست مفروضة عليه من الخارج. فأنا على سبيل المثال لا أكتب الجنس "الإباحي" وارفض هذه الكتابة كقارئ، لأنى وأنا اقرأها لا اكتسب أى شيء من هذه الكتاب. عندما أقارن بين الذين كتبوا عن الجنس من أجل فهم النفس البشرية وبين كتاب يقولون أنا لا املك غير جسدى أتعجب، فإذا كنت لم تمتلك غير جسدك فاجلس فى بيتك وهذا أفضل لك. 
{ لا توجد فى كتاباتك أى زيادات، ومحددة جدا فى معالمها فقد جاء نجاح خالتى صفية، مثلا، من تكثيفها. 
}} أنا أعيد الكتابة أكثر من مرة وأعيد الكتابة.. من اجل الحذف وليس الإضافة، ولذلك فإن الجملة التى تقال فى ثلاث كلمات لا أكتبها أبدا فى خمس كلمات. للحفاظ على عنصر الوحدة الذى يصنع مناخا خاصا بالنص. 
{ فى كل رواية مرتبطة بتاريخ ما تكتب مراجعك؟ لماذا مراجع عن عالم صنعته بنفسك؟ 
}} لكى انسب الفضل إلى أهله، لأنى لا أؤمن أبدا بمسألة "التناص" وأسميها "التلاص" هذا ما كان يسميه العرب السرقات الأدبية. فأنا لو ناقل جملة من أحمد فخرى يجب أن أقول. لأنى مدين فيه للناس التى كتبت عنه. أنا أخذت الفكرة من أحمد فخرى فى "واحة الغروب". عن هذا الرجل الذى فجر المعبد وهو ضابط البوليس محمود عزمي. قرأت عن الاسكندر عشرين كتابا وتوجد حقائق تاريخية ساعدتنى على رسم ملامح تلك الشخصية فيجب أن أذكرها. فعندما اكتب أشعر بأن هذه شهادة عن العصر سواء العصر المكتوب عنه أو عصرنا الآن. ولكن ليس بطريقة الإسقاط. يجب أن يكون الوقع القصصى هو الذى يحكى القصة. فأنا فى صبرا وشاتيلا مثلا "فى الحب فى المنفي" أزعم أننى كنت على علم بما يجرى هناك كل دقيقة وقد قرأت كتبا لا حصر لها عن هذا الموضوع. وكل هذا جزء لا يتجزأ من رواية "الحب فى المنفي".  
{ كيف تتخيل قارئك وأنت تكتب، وكيف تتعامل معه فى الواقع المعاش؟ 
}} أظن أن الصلة موجودة دائما وأن الكاتب يعرف ما هى همزة الوصل بينه وبين القارئ. وأندهش كثيرا من بعض الكتابات الحداثية، وبعد الحداثية، التى تدعى أنك تخلق عالمك بدون العودة للقارئ. القارئ.. هو القارئ العادى إذا كان يمكن تسميته هكذا. وهو قارئ على درجة من الثقافة وعلى درجة من الوعى الأدبي. القارئ المتوسط ليس المثقف جدا ولا الجاهل. من الممكن، كما رأينا فى التاريخ، أن يكون كاتب فى زمنه ملء السمع والبصر ويسقط من التاريخ.. وممكن العكس. فالقارئ لديه محكمتان. ومحكمة الزمن هذه هى المحكمة الأساسية. وتجربتى مع القارئ الفعلى فى غاية الجمال وكانت شيئا مشجعا جدا، لأنى عندما كنت اكتب وأنا فى الخارج.. لم أكن اعرف شيئا عن الذين اكتب لهم. وعند عودتى كنت ضيفاً فى ندوة عن قصة "بالأمس حلمت بك" بالاتيليه. فى السابق كان يحضر الندوة 10 أو 12 شخصا، وهذه المرة وجدت الاتيليه ممتلئا عن آخره وسمعت تعليقات من الحضور جعلتنى اشعر وكأننى لم أسافر أبدا. وكنت من قبل اعتبر نفسى كاتبا مجهولا فى مصر، فاكتشفت أن الكلمة قد تكون حلقة وصل مع الناس. وعندما كنت فى الخارج رفضت أن اكتب لأى صحف عربية خارج مصر مع أننى رجل «غروبي»، ولكنى قلت فى نفسى إذا لم أكن معروفا فى بلدى فلا داعى إلى أن تتم معرفتى فى أى مكان آخر. ولذلك كنت مصمما على النشر فى صحف مصرية مغمورة. وسأحكى لكِ واقعة فريدة. كنت واقفا فى ميدان التوفيقية فى وقت متأخر من الليل وجاء شاب صغير السن وسأل بائع الجرائد "عندك المصور" فقال له نعم فأخذ المجلة ثم جاء إلى جوارى واخذ يقلب صفحاتها حتى توقف عند قصتى "قالت ضحي". فقلت فى نفسى إننى لو حصلت على جائزة نوبل فلن أكون سعيدا مثل الآن. 
{ لماذا تتنقل فى أعمالك بين الزمان والمكان بصفة دائمة؟ 
}} أظن أن حياة الكاتب تنعكس على أعماله.. فأنا عشت حياتى متنقلا بين الصعيد والقاهرة وأوروبا. 
{ بدون خبرة الغرب التى اكتسبتها بالتنقل أكان باستطاعتك كتابة بعض رواياتك؟ هل هناك صراع قائم بين الشرق والغرب؟ 
}} دائما ارفض هذه المشكلة. ولكن الناس يصرون على وجودها. وأظن أن الإقامة فى الغرب أثرت على أشياء معينة كالصور القديمة. فالبيئة التى عشت فيها أثرت على الصور التى كنت اعرفها فأضافت إلى صورا جديدة، كالعاصفة الثلجية التى لم أكن سأعرفها إلا هناك وكتغير الفصول الواضح جدا. ولكن لم تؤثر على الأفكار أبدا. وإذا تمت المقارنة بين الأفكار فى مجموعة "الخطوبة" ورواية" شرق النخيل" اللتين كتبتا قبل السفر للخارج وبعد ذلك، قد نجد تطورا ولكننا لن نجد انقلابا فى المفاهيم أو الرؤية. وإن كان مع الأسف الشديد بعض القراء يعتقدون انه قد حدث انقلاب. يمكن لو سافرت إلى الغرب فى سن صغيرة كان ممكن أن يحدث هذا الانقلاب كما حدث لطه حسين. ولم يحدث أن تغيرت أيضا بعد العودة إلى القاهرة. لأنى خرجت من بلدى ساخطا على ما يحدث وعدت أكثر سخطا على ما يحدث. 
{ نهايات روايتك درامية جدا ومفاجئة؟ وتبدأ بهدوء شديد ثم تنفجر الأحداث؟ ما تفسيرك؟ 
}} أظن أننى اترك النهاية تفرض نفسها. فهى مسألة تتوقف على طبيعة القراءة. ففي" واحة الغروب" قرأت مقالا لناقدة أمريكية تنتقد نهاية الرواية لأن هناك شيئا يجب أن ننساه مثل تفجير مكان ما وهذا فى إشارة لأحداث 11سبتمبر. 
{ لديك أعمال أخرى لا يدخل التاريخ ضمن عناصرها، أراها تعبيرا عن حالة صوفية.. كأنك تعيش حالة ما وتنقلها إلى الكتابة. 
}} فى الغالب تكون مرتبطة بنوع من الوحدة فمثلا قصة "بالأمس حلمت بك" فقد كتبتها بعد رحيل والدتى وكنت حزينا جدا فى وقتها ولم يخبرونى أن والدتى مريضة وفوجئت بوفاتها وقضيت شهورا فى حزن. ثم خرجت هذه القصة. 
{ أنت توافق ماركيز على أن كتابة القصة القصيرة كما يقول ماركيز أصعب من الرواية. هل القصة القصيرة لها ضوابط أم أن الموضوع يفرض نفسه فتكتب قصة قصيرة؟ 
}} فى القصة القصيرة اللغة منتقاة جدا وفيها درجة من الشفافية.  
ويكون فى ذهنى أننى سأكتب قصة قصيرة. فمثلا قصة "أنا الملك جئت" كيف كتبت؟ كنت جالسا فى جنيف، وكانت هناك عاصفة ثلجية شديدة وتوقفت جنيف عن العمل لمدة أسبوعين. وكنا نذهب إلى العمل فى الأمم المتحدة على الأقدام. وعندما نظرت إلى الحديقة التى وصفتها فى "الطواويس" لسبب لا أدريه.. فإن الثلج ذكرنى بالرمل. فكتبت الجملة الأولى "فى خريف 1932 خرج فريد بك إلى الصحراء". ولا أعرف لماذا هذا التاريخ وهذا الاسم. وجرت هذه الجملة جملة تليها "لم يرضى والده الشيخ عبدالله..". أنا أظل أكتب عامة فى القصة الواحدة شهرا أو شهرين، ولكن هذه القصة كتبت فى ثلاثة أيام وكأنها تُملى علي. واضطررت إلى أخذ أجازة ثلاثة أيام من العمل لأنهيها. 
{ المرأة عندك مميزة وإيجابية جدا وضعفها ليس ضعفا معيبا. 
}} أحب والدتى جدا لأنها امرأة أخذتنا وكنا أيتاما وفقراء وعلمتنا وأدخلتنا الجامعة. وشخصية المرأة ليست قوية فى كل الأحوال لبنى فى "نقطة النور" شخصية هشة جدا، والاغتصاب الأول للمرأة فى نقطة النور يأتى من والدها ووالدتها.. عندما اغتصبا طفولتها، وضحى مثلا تقول إن كل الرجال قمعوها. والأجيال الجديدة أكثر هشاشة فأنا أرى أن الرجل الجديد والمرأة الجديدة أكثر هشاشة. 
 
  تقييم المقال
المعدل: 4.5
تصويتات: 4


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من