أحد أهم كتاب السيناريو فى مصر وأكثرهم جرأة. السيناريت هانى فوزي، منذ بداية مشواره السينمائى مع المخرج داود عبد السيد فى (أرض الأحلام) حدد موقعه، مُشتبكاً مع قضايا الوطن الاجتماعية والثقافية. حين رفضت بطلته، فاتن حمامة، الهجرة، وكأنها، بعفوية، تتمسك بالبقاء فى الوطن رغم تصاعد التطرف والفساد، وهو ما رصده، فيما بعد، مع (فيلم هندي) و(كرسى فى الكلوب).. وفى فيلمه الصادم للكنيسة (بحب السيما)، قبل أن يعود ليفجر زوابع جديدة مع (بالألوان الطبيعية)، ليثُير هذه المرة غضب الأزهر.. وكلية الفنون الجميلة معاً، رغم ما بينهما من مسافات وتناقضات. { قلنا له: فى افلامك الاخيرة (بحب السيما) و(الريس عمر حرب) و(بالالوان الطبيعية) تواصل مناقشة علاقة الانسان مع الخالق، هل صارت هاجسا شخصيا عندك، أو لم توفها حقها فى (بحب السيما)؟ }} هى رؤية أكثر اتساعاً من الهم الشخصي. المشكلات الاجتماعية فى مصر ترجع الى عدم الفهم الصحيح لماهية الدين، فبقدر ما تبدو كلمة الإيمان بسيطة، الا أن اختزال معناها بأذهان الناس فى مجموعة أوامر ونواهٍ لا تفى بالمعنى الصحيح للدين، الذى فى جوهره يدعونا إلى بناء علاقة شخصية مع الله، وبالتبيعة مع أنفسنا ومجتمعنا. هناك الكثير من الأفكار المغلوطة والادعاء باسم الدين، فالذى يذهب ليقتل المُختلف عنه يتصور انه يسعى لنيل رضا الله.. بينما هو أبعد ما يكون عنه. الفهم الصحيح للدين هو باب حل مشكلاتنا الرئيسية والفرعية. مثلا فى (بحب السيما) يخنق الاتجاه الحرفي، للأب، فى العبادة والتشدد مع من حوله ويعذبهم بلا طائل، متجاهلاً أن محبة الله، لا الخوف منه هى الايمان الصحيح. وفى (الريس عمر حرب) طرحت تحليلاً رمزياً لشخصية الشيطان.. ولمفهوم الشر فى العالم وعلاقة الانسان الملتبسة به، وفى (بالالوان) ناقشت كيف أن الخطاب الدينى السائد يولد صراعاً داخلياً بين الموهبة وتحريم استخدامها، تصوري.. هناك تيار فى الكلية يرسم الأعضاء البشرية منفصلة حتى لا يكون الرسم تشخيصاً.. لأنه يعتقد أن التشخيص حرام. { درست فى ذات الكلية، فهل جاء الفيلم تعبيراً عن تجربتك فيها، أم تجاوزها للواقع الحالي؟ }} فترة دراستى من 79-84 شهدت بداية ظهور تيارات التشدد فيها، لكن بعدد قليل جدا لا كما هو الحال الآن. لم يكن هناك صراع كبير بين المفاهيم المغلوطة للدين والفن، لم نكن نرسم موديلات عارية.. لكن المناخ العام لم يكن خانقا. الآن، بعد عرض الفيلم الطلبة لا يدافعون عن حقهم فى ممارسة فنهم.. بل بعقلية التحريم التى يفترض انها تقيد حرية ابداعهم، عميد الكلية السابق كان يتبنى هذا الاتجاه ويحاصر الطلبة فى سجال التحريم والمنع والفهم الشكلى للدين ويغرقهم فى ندوات الفتاوى والدعاة. هذا المناخ دفع بأستاذ بارز للاستقالة من الكلية قبل ثلاث سنوات احتجاجا على تدنى مستواها. كتبت الفيلم قبل ست سنوات، عن أجواء الخمسة عشر عاما الاخيرة، وظل طويلا فى مرحلة الاعداد. كنت مشغولاً بفضح تضافر الفساد داخل الكلية مع تصاعد مناخ التحريم. { الفساد ليس مقصورا على سلطة الدكاترة فقط ولكن ايضا فى الطلبة داخلين فاسدين عارفين طريقهم؟ }} فى بلدنا قضايا عديدة لا يمكن ان نغطى عيوننا عنها وندفن رؤسنا فى الرمال، الفيلم يدين كل الأطراف.. أصحاب المفاهيم الخاطئة للدين.. والانحلال الأخلاقي.. والوصوليين كما إبراهيم الذى يقدم خدمات خاصة ليترقي. الكلية نموذج دال على المجتمع كله. { لكنك قسمت السرد الى خمسة فصول بحسب سنوات الدراسة، وعزلت الشخصيات داخل الكلية عن المجتمع.. كمجتمع مواز.. مُغلق على ذاته؟ }} بناء السيناريو ربط بين سنوات الدراسة والصراع الداخلى عند يوسف، الذى دخل الكلية متحفظا دينياً، مع نهاية دراسته تغلب على تحفظه ومخاوفه لكن نفسها صارت الكلية أكثر تحفظا. نعايش صراعه الداخلى حول فكرته عن الدين وانعكاسه على شكل علاقته مع زميلته إلهام التى تشاركه نفس هواجس التدين الشكلي. يحبس نفسه فى حجرته ليصلي، لكنه بعد ذلك يخرج من القمقم للافق المفتوح أمامه فى الطبيعة ليناجى الله متأملا جمال خلقه. هناك خيط علاقته بليلي، التى ينجذب بداية لتيارها، ثم يرفض الاستغلال والفساد، وينضج مع تبلور مفاهيمه للدين الصحيح. { كان مثيراً تجسيد هواجسه كأشباح تطارده؟ }} فى كل مرحلة يتجسد احد أشباح المخاوف التى تسكنه. فى البداية الألم والاحساس بالذنب، وفى السنة الثانية الخوف من الفشل مُجسدا فى الموديل العجوز، وفى الثالثة هواجس التحريم فى شبح الداعية، ثم العاهرة واسقاطها على علاقته بليلي، وهو لا يتخلص نهائيا من الهواجس التى تظل تصاحبه حتى بعد الاستقرار على طريقة تجسيد مشروع التخرج فى السنة الخامسة، الذى وصل به الى مفهومه عن هدف الوجود، ليدرك عبر دراسته لمشروعه أن مفهوم الجنة والنار حالة داخلية أكثر منها مكانية، هذا النضج يكسبه قوة رفض الفساد والمغريات. { تعاملت مع أكثر من أسلوب، مزجت بين الواقعى والفانتازي، وفى حالات عديدة تضخيم كاريكاتوري.. خاصة مع الأم وأساتذة الكلية، هل هى رغبة للسخرية كما فعلت فى (بحب السيما)؟ }} الفيلم واقعى ومعظم الوقائع التى يراها البعض مُضخمة.. حقائق عايشتها، بما فيها تدشين الطلبة الجدد وتجاور المتدين المسلم والمسيحى مع الرقص والغناء فى الاتيليه، والتضخيم فى شخصيات اساتذة الكلية، فهناك حالات كثيرة لشخصيات مارست تصرفات أكثر جنوناً وكاريكاتورية. { مناجاته هذه كانت وراء غالبية الاعتراضات على الفيلم.. من الرقابة إلى الأزهر وطلبة الكلية، ألم تتوقع هذا الكم من الانتقادات؟ }} أى عمل لا يثير جدلا.. فاشل. عدم حدوث الجدل يعني، ببساطة، انك لم تصل للمشاهد. أنت لديك أفكار أو رسالة ما وتطرحها للنقاش، وطبيعى أن تتنوع وتتناقض الآراء أثناء أى نقاش. الرقابة غيرت كلمات قليلة. بشكل عام هذا الحوار ذاته يعنى أن يوسف حائر ويحاول التواصل مع الله وأنه فى طريقه للإيمان الصحيح.. وأيضاً تعبير واقعى عن مركزية الدين فى حياتنا، خلافاً لكل الانتقادات.