غدا 8 مارس فى مثل هذا اليوم من كل عام تحتفل المنظمات والأحزاب حول العالم باليوم العالمى للمرأة.. وهو ذكرى كفاح المرأة لنيل حقوقها.. ففى مثل ذلك اليوم من عام 1857 خرجت آلاف النساء العاملات الأمريكيات فى أحد مصانع النسيج بالولايات المتحدة الأمريكية للتظاهر احتجاجا على سوء أحوالهن المعيشية والمطالبة بالعدالة والمساواة فى الأجر مع الرجال.. ورغم أن الشرطة تدخلت بطريقة وحشية لفض المظاهرة إلا أن المسيرة نجحت فى دفع المسئولين السياسيين إلى مناقشة قضية المرأة العاملة كما تم تشكيل أول نقابة نسائية لعاملات النسيج فى أمريكا بعد سنتين.. وفى 8 مارس سنة 1908 عادت الآلاف من عاملات النسيج للتظاهر من جديد حاملين قطعا من الخبز اليابس وباقات من الورود كشعار له دلالتها مطالبين بتخفيض ساعات العمل ووقف تشغيل الأطفال ومنح النساء حق الاقتراع. ومنذ ذللك اليوم شكلت مُظاهرات الخبز والورود بداية تشكل حركة النسائية، لمطالبة بالمساواة والإنصاف رفعن شعارات تطالب بالحقوق السياسية وعلى رأسها الحق فى الانتخاب. وبعدها بدأ الاحتفال بالثامن من مارس كيوم المرأة الأمريكية كما ساهمت النساء الأمريكيات فى دفع الدول الأوربية إلى الاحتفال بهذا اليوم كيوم للمرأة، وذلك فى مؤتمر كوبنهاجن بالدنمارك الذى استضاف مندوبات من سبع عشرة دولة وقد تبنى اقتراح الوفد الأمريكى بتخصيص يوم واحد فى السنة للاحتفال بالمرأة على الصعيد العالمى بعد نجاح التجربة داخل الولايات المتحدة. غير أن تخصيص يوم الثامن من مارس كعيد عالمى للمرأة لم يتم إلا سنوات طويلة بعد ذلك لأن منظمة الأمم المتحدة لم توافق على تبنى تلك المناسبة سوى سنة 1977 عندما أصدرت المنظمة الدولية قرارا يدعو دول العالم إلى اعتماد أى يوم من السنة يختارونه للاحتفال بالمرأة فقررت غالبية الدول اختيار الثامن من مارس. وهكذا تحول ذلك اليوم إلى رمز لنضال المرأة تخرج فيه النساء فى معظم دول العالم فى مظاهرات للمطالبة بحقوقهن وتذكير الضمير العالمى بالحيف الذى مازالت تعانى منه ملايين النساء عبر العالم. ففى مصر يحتفل بيوم المرأة المصرية فى 16 مارس والذى يوافق ذكرى ثورة المرأة المصرية ضد الاستعمار ونضالها من أجل الاستقلال ومشاركتها فى ثورة 1919، وسقوط أول شهيدة مصرية من أجل استقلال الوطن وهى حميدة خليل.. وفى ذلك اليوم تظاهرت أكثر من ثلاثمائة سيدة بقيادة الرائدة هدى شعراوي، رافعات أعلام الهلال والصليب كرمز للوحدة الوطنية، فى مواجهة الاحتلال البريطاني.. ثم بعد أربع سنوات من المظاهرة الأولى وفى 16 مارس أيضا دعت هدى شعراوى النساء لمظاهرة أخرى لتأسيس أول اتحاد مصرى للمرأة، هدفه تحسين أوضاع النساء فى التعليم والعمل، والمطالبة بالمساواة الاجتماعية والسياسية مع الرجل.. وواكب هذه الحركة النسائية نزع الحجاب عن وجوههن.. ذلك الحجاب الذى فرض على النساء لقرون طولية.. جاء مع المماليك ثم الأتراك الذين أدخلوا فكرة الحرملك للبيوت المصرية، ومعها فكرة تغطية الوجه، بما يعنى عزل النساء من المشاركة فى الحياة العامة لأول مرة فى تاريخ الثقافة المصرية.. وكانت المرأة المصرية قد ظلت المرأة حبيسة حرملك لقرون إلى أن جاءت العظيمة هدى شعراوى وأزاحت الحجاب عن الوجوه، ودعوت ومعها مجموعة واعية من النساء، لدمج المرأة فى الحياة العامة.. وتلت هذه الخطوة خطوات أخرى ناضلت النساء من أجلها.. وهى حق التعليم حتى المرحلة الجامعية وما بعدها.. والعمل فى مهن كانت محرمة على النساء، والمشاركة فى الحياة السياسية.. ومنذ ذلك اليوم استمرت المرأة المصرية فى المشاركة فى مختلف أوجه الحياة سواء سياسيا أو اجتماعيا. حتى إنها أصبحت أول امرأة عربية تدخل البرلمان، بعد أن انتزعت حق التصويت.. الآن وبعد كل هذه السنوات.. نكتشف إن ما كافحت المرأة من أجله منذ ما يقرب من مائة سنة مازلنا نناضل من أجله حتى اليوم.. وكأن الزمن جاء إلينا ثم توقف وأخذ غفوة طويلة.. فمازال أمام المرأة المصرية كفاحات طويلة ضد الأفكار الرجعية والمتخلفة وللأسف الشديد الكثير من تلك الأفكار مصدرها النساء أنفسهن، نساء لم يحسن تعلمهن.. فمازالت ملايين الفتيات تحرمهن أسرهن من التعليم، مفضلين عليهن تعليم الإخوة الذكور ومازالت هناك فتيات صغيرات يزوجن رغما عنهن لأثرياء عرب، ومازال الزواج المبكر فى بعض الأسر مشكلة.. والعنوسة مشكلة فى أسر أخري، والختان مشكلة.. ومازال للأسف بعض الرجال ينظرون لحق المرأة الشرعى فى الخلع أنه موجه ضدهم.. وهناك أيضا من يرفضون تولى المرأة لبعض المناصب والمهن.. أما الشيء المؤسف أن نرى مصريات يعدن طواعية إلى الحجاب بمفهومه المملوكي.. مفهوم عزل المرأة خلف مشربيات الحرملك.. ويسرن فى الطرقات داخل حرملك متنقل.. يعزلهن عن المشاركة فى الحياة العامة.. ويرين العالم من خلف ثقبين وأحيانا من غلالة سوداء.. أما الأدهى والأمر تلك الأفكار التى يبثها المتاجرون بالدين فى الفضائيات، بحجة الخوف على الإسلام.. وهو ظلم وفهم قاصر للإسلام.. الذى سوى بين البشر وكرم المرأة، وللأسف الكثير من الأفكار الخاطئة يتداولها الشباب بلا وعي.. وهنا على المهتمين بقضايا المرأة بدلا من الخطب والاحتفالات الإعلامية، العودة لمناقشة ذات القضايا التى ناقشتها هدى شعراوى ورفيقاتها، منطلقين من رؤيتنا الخاصة دون اللجوء لرؤية غربية (نسوية) لا تلائم ثقافتنا، رؤية تنفى مشاركة الرجال المثقفين، الذين هم خير داعم ومناهض لثقافة الحرملك التى عادت تسيطر على بعض عقول النساء قبل الرجال.