12-07-2010     11206

 


 

الورطة الألمانية


عبدالله السناوي


 
الورطة الألمانية

دأبت رئاسة الجمهورية فى مصر - على مدى عقود طويلة - على إخفاء ما قد يتعرض له الرئيس من مشاكل صحية باعتقاد أنها خط أحمر يمس الأمن القومى يعرض من يقترب منها للملاحقة القانونية.. وهو تصور قاصر بصورة فادحة يناقض حق الرأى العام فى الاطلاع على هذه الملفات الحساسة، حتى يطمئن على سلامة القرارات المصيرية التى يتخذها الرئيس.. وهذا حق أصيل ومستقر فى أية دولة تنسب نفسها إلى الديمقراطية. 
لمرة واحدة أعلنت رئاسة الجمهورية فى عام (2004) حاجة الرئيس إلى عملية جراحية حساسة فى العمود الفقرى بألمانيا.. وتابعت إصدار تقارير من ألمانيا فى مؤتمرات صحفية يومية عن تطور حالته الصحية قبل العملية وبعدها.. والحقيقة أنه لم يكن هناك مفر من اتخاذ هذه الخطوة، فقد كان البلد قلقاً على مصيره السياسي، ولا يعرف إلى أين تتجه الأمور بعد أن شاهد الأزمة الصحية التى تعرض لها الرئيس فى مجلس الشعب على الهواء مباشرة.. 
وكانت تجربة المصارحة إيجابية بصورة فاقت التوقعات، فقد قدر الناس الظرف الحساس، وأن الرئيس فى حاجة إلى العلاج والراحة، ولم تصدر عن أشد معارضيه أية عبارات منفلتة تشمت فى المرض، غير أن هذه التجربة الإيجابية لم يتسن لها أن تتحول إلى تقليد جديد، وعادت ستائر الكتمان تُسدل على الحالة الصحية للرئيس.. ومن وقت لآخر كانت تتسرب معلومات عن فحوصات طبية يجريها فى ألمانيا وفرنسا، ولكن لم يكن مسموحا النشر عنها، وأحيانا تفاقمت الشائعات بسبب هذا التكتيم، ولم يكن أحد مستعداً أن يصدق أن الرئيس لا يمرض، ولا يخضع لفحوصات طبية.. ولكن الرئاسة مضت فيما اعتادت عليه ـ ممنوع الاقتراب من الحالة الصحية للرئيس!. ولذا يبدو مثيراً للتساؤلات أن يعلن ـ قبل أيام ـ عن حاجته إلى إجراء فحوصات طبية جديدة فى مدينة «هايدلبرج» الألمانية لتقرير العلاج اللازم لآلام اشتدت عليه فى الحوصلة المرارية، وهذا ـ بذاته ـ تطور إيجابى آخر.. ولكنه مرهون بملابسات خاصة وورطات سياسية أُريد تجنبها، أو تخفيض التوقعات والتكهنات بشأنها، فقد كان فى العاصمة الألمانية برلين بذات التوقيت الدكتور «محمد البرادعي».. وموعده مرتب منذ فترة طويلة لتكريمه من الرئيس الألمانى على الأدوار التى لعبها طوال فترة رئاسته للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتى مُنح على أساسها جائزة نوبل للسلام، غير أن لدواع لها صلة باشتداد آلام المرارة عليه، وضرورة مراجعة أطباء ألمان يتابعون الحالة بلا إبطاء، وجد «مبارك» نفسه فى العاصمة الألمانية مع «البرادعي» فى هذا التوقيت الملتبس بأجواء الجدل السياسى الصاخب فى مصر. وكان ذلك محرجاً لمبارك شخصياً.. الذى طلب الكشف عن الأسباب الحقيقية لزيارته الألمانية، بينما كانت الصحف المصرية الرسمية تتحدث عن اتصالات ومباحثات على درجة عالية من الأهمية والتاريخية من المؤكد ـ الآن ـ أنه كلام لا صلة له بحقائق الزيارة، فاللقاءات الرسمية على هامش الزيارة لا فى صلبها على أى نحو. 
بهذه الطريقة تجنب «مبارك» حرج أن يقال إنه فى «مباراة صور» مع «البرادعي» ـ هو مع المستشارة «ميركل»، وخصمه الأبرز الآن فى الداخل المصرى مع الرئيس الألماني، أو أنه يسعى للحصول على دعم غربى فى مواجهة «البرادعي»، أو قطع الطريق عليه فى الحصول على مثل هذا الدعم.. لقد كان وجوده الألمانى اضطرارياً، هذا ما أراد أن يقوله، مدركاً أن حرب الصور تأخذ منه ولا تعطيه، وتنال من مقام الرئاسة بصورة خطيرة، ولكن الأهم أن ما أراد أن ينفيه ـ بإعلان الأسباب الحقيقية لزيارته الألمانية ـ يدرك أكثر من غيره أنه ليس دقيقاً ولا صحيحاً، فالدول الغربية الكبرى تتحسب طويلاً وكثيراً، ولا تغامر بمصالحها واستراتيجياتها فى منطقة حساسة كالشرق الأوسط، بإجراء حوارات لها صفة الرسمية حول المستقبل السياسى لنظام حليف مع خصومه السياسيين، هذا ما لا يمكن تصوره، ولكن الجو السياسى الصاخب فى مصر قد يعطى هذا المعني.. ويؤكده فى المخيلة العامة، وهذا ما أراد «مبارك» أن يتجنب ورطته، ولكن تصريحاته الألمانية وضعته فى ورطة من نوع مختلف أخطر وأكبر، فقد نفى بصورة كاملة أى استعداد لديه لتعديلات دستورية جديدة، ديمقراطية هذه المرة، تمنح منافسيه المفترضين فرصة خوض الانتخابات الرئاسية بصورة ندية ومتكافئة.. وهذا يحرج حلفاءه فى الغرب، ويدفع الصحافة هناك إلى وصف نظامه بالديكتاتورى والبوليسي، الذى يتأبى على الإصلاح من الداخل.. صحيح أن «مبارك» لم يمانع ـ نظرياً ـ فى أن يدخل «البرادعي» الانتخابات الرئاسية المقبلة، ولكنه منع ـ عملياً ـ مثل تلك المنافسة بصورة شبه نهائية ـ لا تعديلات فى الدستور، وهذا ما أكده نجله «جمال مبارك» فى القاهرة فى اليوم نفسه، مدركاً أن قواعد الديمقراطية الحقيقية، التى تتوافر فيها عناصر نزاهة الانتخابات، لا يمكن أن تصعد به على أى نحو إلى المقعد الذى يجلس عليه والده الآن.. والمعنى إغلاق الأبواب بالأقفال والمتاريس فى وجه «البرادعي»، أو أى شخص آخر له صفة الجدية والقبول العام، للترشح مستقلاً فى انتخابات الرئاسة، ولا ضمانات لانتخابات حرة ونزيهة، ولا إلغاء لحالة الطوارئ.. والمعنى أن تتحول الانتخابات الرئاسية إلى «مونولوج سياسي»، أو «استعراض الرجل الواحد»، وأن يتحول منافسوه، أو منافسو نجله فيها، إلى «كومبارس»، وهذا ما يرفضه «البرادعي»، مراهناً على فكرة بناء كتلة تغيير قادرة على فتح الأبواب المغلقة، والتحول إلى ديمقراطية حقيقية، وهذا هو الاختبار الحاسم فى التغيير، قد تكون للعوامل الخارجية تأثيراتها، ولكن الداخل هو صلب الموضوع كله، مؤثراً فى حسابات القوى المعقدة فى الخارج وتفاعلاتها الحرجة.. ولكن المشكلة عند الرئيس أنه يراهن لتمرير «سيناريو التوريث» على حسابات الخارج أكثر من أية حسابات أخري.. والنظام منزعج من «البرادعي» لنفوذه الدولى أكثر من أى عامل آخر.. ويبدو مستعداً أن يدفع الحساب مقدماً بتنازلات سياسية فادحة أخرى مقابل تخفيض الضغوط عليه فى قضية الإصلاح السياسى والدستورى والديمقراطية وحقوق الإنسان والانتخابات الرئاسية المقبلة وتمرير «سيناريو التوريث».. ولعل الإعلان عن سفر الفريق الوطنى الأوليمبى إلى القدس فى (30) مارس الجارى لملاقاة نظيره الفلسطينى عند أسوار المسجد الأقصي، وهو تطور لا مثيل له ولا لمدى خطره منذ توقيع اتفاقيتى «كامب ديفيد» يدخل فى هذا السياق.. إنه تطبيع رياضى خطير فى معناه وتوقيته وأهدافه الحقيقية.. ولا يجرؤ أحد على اتخاذ مثل هذا القرار، أو التلميح لاقتراح بهذا الخصوص، سوى الرئيس «مبارك» شخصياً، فهو قرار سيادى على درجة عالية من الخطورة، وتداعياته وعواقبه أخطر، والسياق العام يرجح أنه تنازل جوهرى لإسرائيل يستبق المفاوضات غير المباشرة المقررة معها لأربعة أشهر مقبلة، وهو تنازل فادح آخر شاركت فيه مصر ما تسمى «مجموعة المتابعة لمبادرة السلام العربية»، رغم أن الرئاسة المصرية تدرك أن الفشل هو المصير المحتم لمثل هذه المفاوضات غير المباشرة، وأن الإجراءات الإسرائيلية التوسعية على الأرض، وبخاصة فى القدس ومحيطها، سوف تنسف أية احتمالات تسوية فى أى مدي. 
هنا.. الخطر الحقيقى فى اللعبة كلها ـ فواتير تدفع مقدماً، وتنازلات إقليمية جديدة وخطيرة، تدفع الرياضة المصرية، ومنتخباتنا لكرة القدم إلى انهيار سياسى وأخلاقي.. وهذا كله يتجاوز ورطة الرئيس الألمانية إلى مصائر بلد محطم ويائس يبحث عن أمل، ولكن الكوارث تطارده بلا توقف. 
 
  تقييم المقال
المعدل: 4.45
تصويتات: 72


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من