12-07-2010     11206

 


 

آخر زمن


محمد الخولي


 
لسنا من دراويش البرادعي.

لكننا نعترف مع التقدير أن إطلالته على واقع الوطن قد حركت كوامن وسواكن وربما أثارت أحلاما بين الطامحين إلى الجديد وفى مقدمتهم طلائع شبابية لابد أن يحسب حسابها فى معادلة العمل الوطني.. وبقدر ما أثارت كوابيس بين القابضين على نواجذ القديم الفاشل.. العاجز الهامد المهترئ الذى أوصل الوطن إلى الموت فى طوابير الخبز والمعاشات والأنابيب والسولار وكهوف المقطم وقيعان البحر المحيط. 
صحيح أنها نواجذ السلطة التى شاخت وتجاوزتها تطورات الزمن ومستجدات الأحداث.. لكن الأصح أن البرادعي.. ومواكب مؤيديه ومن فى حكمهم من الحادبين على مستقبل هذا الوطن لابد أن ينطلقوا من معطيات الواقع الموضوعى بالدرجة الأولي. 
والواقع الموضوعى أصبح واضحا بغير لبس ولا تعلل بالأمنيات. 
لا تعديل للدستور. 
صحيح أن الكتبة الحكوميين يتشدقون بمقولة الاستقرار وصيانة الدستور من التغييرات. 
لكن الأصح أن هؤلاء الكتبة، ومعهم أولياء نعمتهم، تصدق عليهم مقولة طه حسين الجليلة: 
ـ الذين يؤرقهم الخوف من العدل. 
فى كل حال، علينا أن نعترف، أمانة مع النفس والوطن، أن محصلة ما صدر عن المواطن الشريف المقتدر "محمد البرادعي" لم تعد حتى الآن سوى أحاديث للميديا وشذرات وعبارات تدخل عند التحليل الأخير فى باب الملاحظات والتعليقات أو الحواشى المدرجة على متن الأزمة التى يعانيها الوطن فى اللحظة الراهنة. 
من هنا.. وبنفس الأمانة مع النفس، نؤكد على ضرورة اعتماد "أجندة" للمرحلة القادمة بالنسبة لظاهرة البرادعي.. ونتصور أن تكون معالمها الأساسية على الوجه الموجز التالي: 
{ أن يعلن محمد البرادعى انضمامه إلى أحد الكيانات الحزبية المعترف بها حاليا (هنا أنت تتبع قوانين اللعبة التى يصرّ النظام على التمسك بها متذرعا بالشكل الدستوري) ونتصور أن يكون الكيان هو "حزب الجبهة" على سبيل المثال. 
{ بديهى أن هذا الانضمام سوف يترجم نفسه إلى إعلان محمد البرادعى مرشحا لمنصب رئاسة الدولة فى العام القادم (لم يبق من الزمن سوى غمضة عين لا ينبغى تفويتها، فالمصالح العاتية والاحتكارات الرأسمالية المتحكمة فى مرافق النظام وفى رقبة الوطن ومصيره، معظمها من طبقة الكمبرادور ـ الوكيل.. السمسار للمصالح الدولية العاتية ـ لن تدخر وسعا فى سد كل المسالك أمام أى بارقة تغيير). 
{ أن يبادر "المرشح الرئاسي" محمد البرادعى إلى بلورة وإعلان برنامج تفصيلى يبسط فيه مبادئه ورؤاه وتصوراته بواقع المشاكل وسبل مقاربتها والتماس حلولها.. وبديهى أيضا أن مثل هذا البرنامج لابد وأن يصدر عن قاعدة توافق آراء (Consensus) بين فصائل وشرائح العمل الوطنى على اختلاف أطيافه. ونظن أن هذا هو المفهوم المعتمد أو الذى ينبغى أن يكون معتمدا على مستوى حزب يحمل عنوان الجبهة.. الوطنية. 
{ أن يؤكد هذا البرنامج المستجد، وبغير لبس أو مداراة.. احترامه الموضوعى لكل مراحل وزعامات النضال الوطنى منذ أحمد عرابى إلى جمال عبدالناصر فضلا عن التأكيد على منجزات ثورة 23 يوليه على مستوى العمل الداخلى (إجلاء الاحتلال.. تأميم القناة.. السد العالي.. تعميم التعليم.. الخ) ومستوى العمل القومى (مكانة مصر التى تعززت موضوعيا على صعيد الإقليم العروبي) ثم مستوى العمل الدولى (عدم الانحياز والحياد الإيجابي). 
ليس مطلوبا أن يصدر هذا الجانب عن منطق الإشادة أو التمجيد، ولكن يصدر عن منطق موضوعى يؤكد أن ما تم إنجازه إنما كان محصلة لنضالات شعب وتضحيات أمة بأسرها.. على أن يترادف مع هذا كله.. وبنفس المنطق الأمين مع الحقيقة والتاريخ، الاعتراف بتعثر مسيرة التحول الديمقراطى ومن ثم ضرورة استكمال هذا النقص الذى لم تستطع مسيرة يوليو الجسورة أن تحققه حتى دون التماس أسباب أو طرح مبررات. 
{ أن يعبر البرنامج عن احترام كامل للقوى والفصائل التى تضمها صفوف العمل الوطنى بين المنتمين إلى التيار الدينى بكل طروحاته المتأصلة فى صميم وجدان شعبنا.. ثم المنتمين إلى تيارات اليسار بكل إسهاماته فى تعزيز منطق الاستنارة الفكرية والكفاح من أجل توعية قواعد الجماهير بحقولها الاجتماعية. 
{ أن يحدد برنامج البرادعى المقترح ـ المرتقب موقفا وطنيا متبلورا وحاسما إزاء مشروع الاستيطان الاستعمارى الصهيونى فى فلسطين.. وإذا كان مطلوبا مراعاة الصكوك التعاهدية حتى لا يقال إننا ندعو إلى إعلان الحرب غدا، فإن هذا الامتثال الإجرائى ـ البروتوكولى ـ الشكلانى كما قد نسميه شيء ـ وتفعيل التطبيع على ما نشهده من الأسلوب الخائر العاجز المستسلم شيء مختلف تماما.. وقد أثبت الشعب والأمة بجدارة جسورة ومتزنة أن السير على هذا الحبل المرهف المشدود أمر ممكن بكل المقاييس. وقد سبق تجربته ـ كما هو معروف ـ حتى بين ألد الخصوم ـ الروس والأمريكان مثلا ـ خلال حقبة الحرب الباردة. 
{ أن يشكل العدل الاجتماعى محور هذه الطروحات كلها.. و.. دعك من الاحتكام إلى تصنيم قوانين السوق.. وكأنها أقانيم مقدسة.. أو إلى دعوة اللحاق بقطار العولمة التى صدعوا بها أدمغتنا: قوانين السوق دهست الملايين من مواطنيك تحت تروسها (تأمل عبرة التشنجات اليومية فى بنية الوطن: احتجاجات.. اعتصامات.. مسيرات.. مظاهرات.. الخ) وسبنسة العولمة ثبت أنها ضبطت مواعيدها على مصالح وكلاء وسماسرة الاحتكارات العالمية فضلا عن تهميش ومن ثم إلغاء دور الدولة الذى لا غنى عنه ـ كما لعلك تدرك ـ وخاصة فى أقطار العالم الثالث.. شريطة ألا تكون دولة المحاسيب والأزلام وتوزيع الأراضى على المتربحين والمضاربين. 
وبديهى أيضا أن يضاف إلى هذا الإطار العام الذى رسمناه أفكار ومقترحات وطروحات ربما أكثر عمقا واستنارة وتوازنا. 
وهو المطلوب. 
المهم ألا نكتفى بندوات يتم عقدها أو جمعيات يتم تشكيلها.. أو أمنيات يتم ترديدها: أنت أمام أطراف عاتية بحكم ما تملكه من مليارات فى الخزائن (معظمها قروض من بنوك الشعب) ومن واقع ما تتحكم فيه من ميديا تمارس لعبة التدليس على خلق الله: تأمل مثلا ذلك الاحتفال الأحمق المأفون من جانب الإعلام الرسمى بسيدة إيرانية كانت تحمل لقب إمبراطورة.. فكان أن وضعوا أمامها ميكروفون الحكومة لكى تشتم دولة محورية Pivotal)) فى الإقليم اسمها إيران.. قد لا تروق لأسيادهم فى الغرب الأورو ـ أمريكانى لكن أسيادهم هؤلاء يتعاملون مع إيران باحترام.. ويحسبون لها ـ رغم البغض ـ ألف حساب وحساب. 
{ أخيرا 
{ فليتحرك المواطن الشريف محمد البرادعي.. 
وليتنازل من بَعْد عن رحلات وأسفار فى المستقبل كى يتفاعل مع الناس.. حتى يتعلم من الناس ويتواصل عن كثب فى النجوع والحواضر مع آلام الناس وأشواقهم إلى العدل الذى طال عليه الانتظار. 
 
  تقييم المقال
المعدل: 3.8
تصويتات: 5


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من