أنت ميراث، عندما يكون لديك أبناء ستتساءل لمن تتركهم بعد موتك. وحينما تترك كتابة، عليك أن تتساءل هل ستتركك بعد موتك. أغلب الذين تركوا أفكارًا لا نزال نختلف ونتفق معهم. نتوصل أحيانًا إلى أنهم جبناء ومضللون. بينما آخرون نكتشف أنهم حقيقيون. أسأل نفسى كثيرًا عما قد يحدث لكتابتى بعد موتي.. وعما قد يحدث فى أنا شخصيا بعد الموت.. وعن العلاقة التى قد تكون بينى وبين كتابتي. لا أعتقد أن الموت يمنع تواصلنا. بل سيجعله تواصلاً حقيقيا. تتحول الكتابة إلى أعمالي.. جزء من أفعالي. والأفعال ترافقك أبدًا. الكتابة جرأة، لو كنت أعلم ذلك لفكرت كثيرًا قبل الخوض فيها. جرأة لا تنفصل عنك. يتبع الناس تفاصيل شخصياتك فى وجهك. يحاولون معرفة إذا كانت الأسرار المكتوبة فى القصة هى أسرارك الخاصة أم لا. يتساءلون إذا كانت تلك الأحلام واللحظات الحساسة لحظاتك. يستمر خيال الناس فى التأجج حولك حتى بعد موتك. تصبح وقتها ملكًا عامًا الجميع يرصد حياتك الشخصية يحلل حكاياتك وعالمك الإنساني. يقول القانون ضمن حقوق الملكية الفكرية أن ملكيتك المالية تسقط بعد خمسين عامًا من موتك. لكن ملكيتك الفكرية دائمة حتى النهاية. أتمنى كلما كتبت حكاية أن يصدق الناس أن تلك الشخصيات تهبط على قلبي، بكل تفاصيلها الحساسة والدقيقة، صحيح أنها تحمل شيئًا مني، لكن يرجع ذلك إلى أن هؤلاء الأبطال يأتون لمن يشبههم فى الروح, يشبههم فى الخوف من الحياة.. يشبههم فى التفاصيل الإنسانية, والعالم الحساس الخفى فى التعامل مع الوجود. سأموت ولن تنقطع الصلة بالكتابة، كأنها ستكون رفيق القبر. أتساءل كثيرًا هل الكتابة فى تلك اللحظة ستصبح ثعبانًا مخيفًا مرعبًا.. أم نورًا. كثير ممن يموتون يخبرون أبناءهم ـ قبل موتهم بوقت كاف ـ أنهم يريدون العودة إلى البيت. كيف ستكون عودتى إلى البيت ومع أى رفيق؟! نحن جئنا لنترك أثرًا فى الحياة. لن نتركه ونمضي، فمن جنس العمل سيرافقنا ـ دائمًا ـ أثرًا. أنا حزينة جدًا لأجل هؤلاء الذين يتركون نفاقًا.. الذين يكتبون ما ينافقون به النقاد، أو الوسط الثقافي، أو ينافقون مصطلح الأكثر مبيعًا. الرحلة ستنتهى يومًا. لكن شيئًا بعد موتك سيرددونه عنك. وثمة رفيق ينتظرك فى رحلة أخري.