الاهتمام بتنظيم عروض للفن المعاصر ظاهرة طيبة، تبشر بمزيد من الانفتاح الفكرى والثقافى على التطور الحادث فى العالم المتقدم، ويشكر على ذلك قطاع الفنون التشكيلية، وكذلك المهتمون برعاية وتشجيع الفن من المثقفين بالقطاع الخاص. ولقد شهدت القاهرة فى السنوات الأخيرة عروضا جماعية متنوعة لفنانين مصريين تتصف أعمالهم بالحداثة والمعاصرة، ورغم أنها لم تلق رضا البعض، إلا أنها قدمت نماذج من الأساليب والاتجاهات الحداثية لغالبية الجمهور المثقف، المتعطش لمعرفة الجديد فى الفن، وكان من أبرز تلك العروض، عرض (عين على الغرب) فى مايو 2007 الذى نظمه جاليرى فرانسيس بالتعاون مع صندوق الأمير كلاوس التابع للاتحاد الأوروبي، وعرض (ماذا يحدث الآن؟) فى ديسمبر 2007 الذى أقامه قطاع الفنون التشكيلية بقصر الفنون، وأخيرا وبذات القصر عرض تحت عنوان (لما..لا)، هذا بالإضافة إلى العديد من العروض الأخرى المتفرقة التى أولت الفن الحداثى اهتماما ملحوظا. تتماشى الأعمال الحداثية وتتواكب مع الفكر المتجدد، الذى يفرض نفسه، سواء بإرادتنا أو بدونها، فالغلبة العددية فى بلادنا أصبحت للشباب، وهم مثلهم مثل باقى شباب العالم، أصبحوا يتطلعون بشغف وبحب استطلاع للوسائل الجديدة للتعبير الفني، تلك الوسائل التى تتواءم مع متغيرات العصر الالكترونى والمعلوماتى الدائب التطور باستمرار وبمعدلات سريعة. يقدم عرض (لما..لا) بقصر الفنون مجموعة من الفنانين المصريين (44 فنانا) غالبيتهم من الشباب ومتوسطى العمر، وكان المشارك الوحيد الذى ينتمى إلى جيل المخضرمين هو الفنان القدير رمزى مصطفى ( 1926) وهو من أكثر المتحمسين للاتجاهات الحديثة، وهذا ليس بغريب عليه، باعتباره من أوائل من قدموا (البوب آرت) فى مصر فى الربع الأخير من القرن العشرين. ولذا فإن اشتراكه الشرفى فى هذا العرض هو تقدير وعرفان لدوره الرائد للاتجاهات الحداثية بمصر، وتشجيعه لها. والملاحظ أن أعمال الفنانين الكبار فى السن جاءت غالبيتها فى شكل تجهيزات ثابتة، بمثل ما قدمه الفنانون رمزى مصطفي، و محمد عبله، وعادل السيوي، وعبد الوهاب عبد المحسن، وأيمن السمري، وفارس محمد فارس، وآخرين. بينما جاءت غالبية أعمال شباب الفنانين فى شكل أفلام الفيديو، ومن بينهم الفنانون آمال قناوي، ووائل شوقي، وخالد حافظ، وآخرون، بينما لم يحظ البرفورمانس بمشاركة لها وزنها اللهم عملا وحيدا تحت عنوان (أبيض وأسود)، وفيه قدم الفنان شابة ظلت تتحرك فى حركات تعبيرية تحت عباءة سوداء دون أن تظهر وجهها إلا قرب نهاية العرض بقليل، فتسفر عن وجهها وملابسها البيضاء الناصعة البياض، وكأن الفنان يريد أن يقول لنا إن وراء كل عتمة وسواد دائما بصيص لإشراق ونور فى النهاية. لقد كانت بعض الأعمال صادمة ومثيرة لفكر ومشاعر المشاهدين، فعلى سبيل المثال، عندما تدلف إلى قاعة العرض الرئيسية تقابل جدارا من أرغفة الخبز البلدي، مرصوصة فى صفوف فوق بعضها البعض، وقد سمعت بعضا من الجمهور يهمس معلقا بما معناه: "ما هذا الفن الذى أهدر أرغفة من الخبز فى عمل فنى بينما كثير من الفقراء لا يجدونه ليسدوا به جوعهم". إن ما انطوى عليه هذا القول من قسوة صادقة، لهو دليل على نجاح العمل الفنى فى إحداث الصدمة التى أرادها الفنان، لقد حرك بإقامته جدارا من الخبز البلدى فكر المشاهدين. لقد جعلهم أكثر تعاطفا مع الفقراء، إنه يحفزهم على التفكير فى كيفية التغلب على جدار الجوع وهدمه. لقد تجاوز العمل الفني، فى زماننا المعاصر، كونه عملا سلبيا، يستمتع الجمهور بمشاهدته فقط، بل أصبح عملا يستلزم المشاركة الايجابية من جانب الجمهور بالتفاعل مع الأفكار التى يطرحها الفنان يستثير بها شعور الناس ووجدانهم. إن الكثير من المعروضات يستحق التعليق، ولكن ضيق المساحة يدفعنى للاقتصار على عدد محدود من النماذج التى استرعت انتباهي، ومنها الفيديو الذى قدمته الفنانة آمال قناوى وصورت فيه، بنكهة كلاسيكية حديثة مقتبسة من لوحات جاك لويس دافيد، فنجد امرأة تميل متكئة بذراعيها على فراش إنسان يتألم، فتبدو جاثمة على صدره، ترمقه باستمتاع وهى تراه يتعذب، وتدخل فى كادر الصورة سمكة كبيرة تتحرك ببطء وتقترب من ذلك الإنسان وكأنها تنتزع روحه معها وتأخذها بعيدا وتختفي، كل ذلك والمرأة تراقب بلذة عذاب ذلك المسكين، ولا يخلو المشهد من مسحة شبق جنسي، لقد عادت الفنانة آمال قناوى إلى تصوير الكوابيس واستعذاب الألم، ويبدو أنها لن تتخلص من تلك النوعية من الأعمال بسهولة، وأميل للاعتقاد أنها تنجز تلك الأعمال وفى ذهنها جذب انتباه المشاهدين فى المجتمعات الغربية المتقدمة، بأكثر من اهتمامها بالمشاهد المحلى المصري. أما العمل الذى قدمه الفنان أيمن لطفى تحت اسم (اللعبة) والذى جمع فيه بين لوحات وتجهيز فى الفراغ وفيلم فيديو، فقد صور الفيلم قسوة الحروب التى يشعلها اللاعبون الكبار ويخرجون منها منتصرين، بينما يكون الإنسان العادى البسيط بمثابة وقودها وضحيتها فى النهاية، موضوع يستحق كثيراً من الاهتمام والمشاهدة، و يبدو أن الفنان توفرت لديه إمكانات مادية ضخمة ساعدته فى تقديم العرض بشيء من البذخ الواضح فوزع على الجمهور كتيبا أنيق الطباعة لتوضيح العمل لا شك أن كلفته المادية كبيرة. اللافت للانتباه أن كل شباب الفنانين العارضين اختاروا لأعمالهم عناوين باللغة الانجليزية كما أرفقوها بتعليقات وعبارات أجنبية، على سبيل المثال ما قدمته الفنانة إيناس الصديق عندما ثبتت فى سقف مكان العرض المخصص لها صورة مهولة المساحة لدجاجة مجهزة للطهي، مصحوبة بعبارة (Not for sale)، صحيح أن العمل طريف ومبهج وألوانه جميلة جذابة ونال إعجاب الكثيرين، لكن ألم يكن أوفق أن تكون العبارة باللغة العربية! وهناك أعمال التى قدمها الفنان فارس محمد فارس وفيها تطوير وإضافة جديدة، فقد استخدم فى هذه المرة الصفائح الفارغة بأحجامها المختلفة ليشكل منها رؤوس شخوصه المستوحاة من تراثنا الفرعونى القبطي، مستغلا التعريجات والالتواءات فى تلك الصفائح لإبراز ملامحهم، مستعينا بتذهيب الحواف، وتلوين المسطحات بألوان تنضح بالروح المصرية الصميمة، لقد كانت متعة حقيقية مشاهدة أعماله، ونشكره عليها. تلك لمحة سريعة ومقتضبة لا تغنى عن مشاهدة العرض، علما بأن المتعة الحقيقية لمشاهدة الأعمال الفنية المعاصرة لا تتحقق من الوهلة الأولي، بل يستلزم الأمر التأنى فى المشاهدة، والتمعن فى الأفكار وراء العمل، والتمهل فى استخلاص المعاني، وذلك قد يتطلب زيارة المعرض لأكثر من مرة واحدة ، وهو ما أنوى عليه.