هل يتحمل السيد صفوت الشريف، والدكتور فتحى سرور مسئولية حريق البرلمان المصرى.. ليس فقط من الناحية السياسية، وإنما من الناحية الرسمية والإدارية أيضا ذلك أن الشريف وسرور مسئولان عن أعمال الإدارة اليومية لكلا المبنيين، بما فى ذلك نظم التأمين الإلكترونية التى تضمن سلامة أعرق البنايات التى كانت تحمل جدرانها وأروقتها صدى تاريخ الحياة النيابية والسياسية المصرية لما يقرب من قرن ونصف القرن. وبمعنى آخر هل هناك آليات قانونية ودستورية تسمح على الأقل بمساءلة الشريف وسرور وتضمن تحميلهما المسئولية السياسية؟ دكتور جمال زهران عضو مجلس الشعب (المستقل) وأستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة قناة السويس أكد أنه تقدم فعلياً - الخميس الماضى - بطلب إحاطة عاجل طالب فيه بعقد اجتماع طارئ للجنة الدفاع والأمن القومى لبحث ومناقشة الكارثة وكشف النقاب عن المسئول الحقيقى حتى يمكن محاسبته. زهران أكد أيضاً أن أعضاء مجلس الشعب ووفقاً لمبدأ (المجلس سيد قراره) يمتلكون الحق الكامل لمساءلة رئيس المجلس كونه يتحمل المسئولية السياسية عن الحريق وكذلك مسئولية إدارة المبانى الخاصة بمجلس الشعب ومنها المبنى المحترق ذلك أنه يضم عدداً من المكاتب واللجان التابعة لمجلس الشعب. وبينما يشدد أستاذ العلوم السياسية على تحمل صفوت الشريف بوصفه رئيساً لمجلس الشورى المسئولية السياسية الكاملة عن الحريق إلا أنه أوضح استحالة مساءلته من قبل أعضاء مجلس الشعب ذلك أنه ليس من حقهم دستورياً وقانونياً مساءلة رئيس المجلس المناظر. ويعتقد الدكتور جمال زهران أن تحديد المسئولية ومحاسبة أطرافها كل حسب موقعه بدءاً من رئيس المجلس ومروراً بالأمين العام وما يليه من الموظفين الإداريين المسئولين عن تأمين المبنى مسألة ضرورية. وأضاف الدكتور زهران: لا ينبغى أن تدفن الحكومة رأسها فى الرمال كالنعام متناسية آلاف الأوراق والمستندات التى تحمل معلومات وقواعد بيانات لجسد مصر بكامله، وعليها أن تعترف بوجود خطأ حتى يمكن تداركه ومعالجته. وفيما يعتقد دكتور جمال زهران عضو مجلس الشعب تحمل كل من صفوت الشريف وفتحى سرور المسئولية السياسية عن الكارثة وإمكانية مساءلتهما يؤكد ممدوح قناوى عضو مجلس الشورى ورئيس الحزب الدستورى الاجتماعى الحر أنه لا توجد آليات قانونية أو دستورية لمحاسبة رئيسى مجلسى الشعب والشورى كما أنه لا يوجد قانون لمحاسبة الوزراء. وأكد قناوى أنه لا توجد آلية لأعضاء الشورى تمكنهم من محاسبة رئيس المجلس سواء بالدستور أو القانون أو حتى باللائحة الداخلية الخاصة بالمجلس، مضيفاً أن المناخ العام فى مصر وبعيداً عن الدستور والقانون لا يسمح بمثل هذه الآليات وتفعيلها حتى إن وجدت. واستطرد قناوى أنفق مجلس الشورى خلال أقل من ثلاثة أعوام ما يزيد على 02 مليون جنيه خصصت بالكامل لأعمال الزخرفة بماء الذهب، وأعمال الديكورات ولم يوضع فى الحسبان عمل نظام يؤمن أقدم مبنى تشريعى فى مصر والشرق الأوسط وإفريقيا بلغ عمره ما يزيد على 142 عاماً، موضحاً أن الطريقة التى تم بها إطفاء الحريق تعكس خللا مهنياً ووظيفياً وهو ما يعنى عجز المنظومة الموضوعة وضعفها، وهذا ما أدى إلى استمرار اشتعال الحرائق على مدى يومين ومن ثم زيادة الخسائر. وطالب ممدوح قناوى بضرورة نقل مبنى البرلمان المصرى بمجلسيه إلى عاصمة جديدة، وترميم المبنى المحترق لجعله متحفاً.. فالماضى كما يؤكد لا يمكن استعادته. أما الخبير الأثرى عبدالله العطار رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية السابق بالمجلس الأعلى للآثار والذى تولى مسئولية تسجيل كل من مبنى مجلس الشورى، ومبنى مجلس الشعب من خلال اللجنة الدائمة لحماية الآثار الإسلامية والقبطية كأثر إسلامى فيؤكد أن المبنى الذى التهمته النيران قد شيد عام 1912 وشغلته وقتها وزارة الأشغال ثم مصلحة الرى وبعد ذلك باثنى عشر عاما أى فى عام 1924 شيد مبنى مجلس الشعب. ويضيف العطار أنه قد تم تسجيل مبنى الشورى كأثر إسلامى فى عام 1987 بقرار من رئيس الوزراء حمل رقم 910 وكان مبنى مجلس الشعب قد سجل كأثر إسلامى فى عام 1986، وذلك لاحتواء البنايتين على عناصر معمارية وزخرفية تنتمى للطراز المعمارى الإسلامى فى نهاية فترة حكم محمد على، وأوضح أن تلك العناصر كانت سببا لتسجيلهما فى المجلس الأعلى للآثار قبل مرور مائة عام على تشييدهما لذلك صدر قرار التسجيل من قبل رئيس الوزراء، ذلك أن البنايات التى يمر عليها مائة عام لا تحتاج إلا لقرار من وزير الثقافة بعد موافقة اللجنة الدائمة لحماية الآثار الإسلامية والقبطية. العطار أضاف أيضاً أن الوثائق الخاصة بالعناصر المعمارية الزخرفية والفنية محفوظة بمركز توثيق الآثار وأنه ستتم العودة إليها فى عملية إعادة ترميم المبنى لاستعادة صورته الأولى من خلال عمليات الترميم المعمارى الدقيق، مشيراً إلى أن ملاحظاته المبدئية على المبنى بعد الحريق تؤكد أن الهيكل المعمارى الخارجى للجدران لم يتأثر كثيراً بالحريق بما يعنى أنه لن يتم استبدال الحجارة الخاصة بتلك الجدران والحوائط بحجارة مماثلة غير أن العكس سيتم بالنسبة للحوائط والجدران الداخلية، لافتاً إلى أن بعض الحوائط مازالت تحتفظ بالعناصر الزخرفية الأساسية وأنها لن تحتاج إلا لعمليات ترميم دقيق لعلاج التشوهات. من جانبه، علق خبير الدفاع المدنى والحرائق لواء محمد سيد حسين والذى عمل فى هذا المجال بمصر لأكثر من 33 عاماً والمستشار الحالى للدفاع المدنى لحكومة دبى على حريق البرلمان المصرى قائلاً: إنه حتى الآن لا يمكن حصر حجم الأضرار بسبب كثافة المياه ووجود كميات كبيرة من الأنقاض الناتجة عن سقوط الأسقف وبعض الجدران الداخلية، لافتاً إلى أن ما حدث يعطى مؤشراً إلى عدم جودة المواد والتوصيلات المستخدمة لأجهزة التكييف والكمبيوتر والإضاءة، وهو ما يعنى عدم مراعاة العناصر المكونة للمبنى فى تركيب شبكات الكهرباء ذلك أنه من المعروف دولياً عدم جواز تركيب شبكات كهربائية عالية الجهد فى المبانى الخشبية دون استخدام أفضل وسائل العزل وتجهيزات الفصل التلقائى للتيار الكهربائى، خصوصاً أن مثل تلك المبانى تنخفض مقاومتها للحرائق. وأوضح خبير الدفاع المدنى أن المبانى المشابهة لمبنى البرلمان يجب أن تضم غرفة مخصصة للتأمين ضد الحريق تحتوى على أجهزة إنذار تعطى إشارات للحريق وتحدد على لوحة الإنذار مكان اشتعال النيران، واللافت أنه لم يعلن أحد المسئولين عن المبنى - حتى الآن - تلقيه إنذاراً بالحريق وهو ما يؤكد عدم توافر تلك الأجهزة ولوحة الإنذار بالتبعية. ويواصل اللواء محمد سيد حسين شرحه لمنظومة تأمين المبانى الخشبية بضرورة وجود شبكة رشاشات مياه تلقائية توزع رءوسها الرشاشة على كل مساحة المبنى، بحيث تعمل الشبكة تلقائياً أعلى أى نقطة فى المبنى تتصاعد منها النيران، وتزود لوحة التشغيل المضخات التى تغذى نظام الشبكة بجرس إنذار يصدر صوتاً مسموعاً بجميع أنحاء المبنى يعلن عن بدء تشغيل الشبكة لرشاشات المياه وتفتح الرشاشات بالتتابع فى اتجاه انتشار الحريق. المدهش أن هذا النظام غير موجود ليس فقط فى مبنى الشورى المحترق بل إنه غير موجود فى كل المبانى المصرية رغم أنه الأقل تكلفة بالنسبة لباقى النظم من حيث الصيانة. وأشار إلى أن عدم فاعلية حنفيات الإطفاء الموجودة بشوارع القاهرة بسبب اهتراء شبكة مياه الشرب يؤثر كثيراً على عمل رجال الإطفاء. «العربي» سألت اللواء محمد نصير مدير إدارة الحماية المدنية بالقاهرة عن الخلل وحقيقة ما أثير رد متحفظاً أن إدارة الحماية المدنية تمتلك جميع الإمكانات الحديثة فى مجال الإطفاء سواء على مستوى الأجهز والمعدات، أو على مستوى الخبرات والكفاءات البشرية وعن مشكلة تلاشى حنفيات الإطفاء بالقاهرة قال لدينا فى القاهرة وحدها 31 ألف حنفية إطفاء جميعها يعمل ويتم معاقبة كل من يقوم بإتلاف تلك الحنفيات جنائياً. ورفض اللواء محمد نصير الاستطراد فى الحديث قائلاً: إنه لا يمكن الإدلاء بمعلومات خاصة بالحريق إلا بعد انتهاء اللجان الفنية المشكلة لدراسة كل جوانب الخلل المتعلق بالحادث وهو ما أكده أيضاً اللواء حسين سعيد مدير عام إدارة الحماية المدنية بعموم مصر.