16-11-2008     1133

 


 

الشخصية المصرية فى قصص يوسف إدريس


محمد جابر غريب


 

فى مثل هذه الأيام رحل أديبنا الكبير يوسف إديس وبالتحديد فى الأول من أغسطس عام 1991، بينما كانت ولادته فى 91 مايو 1927 فى قرية «البيروم» قرب مدينة دمياط.. حصل على بكالوريوس الطب 1951 وأثناء دراسته للطب كتب قصته القصيرة الأولى.. ثم ما لبث أن ترك الطب عام 1960 وتفرغ للعمل الصحفى كمحرر فى جريدة الجمهورية مما ساعده على حرية ممارسة الإبداع فكتب القصة، والرواية، والمسرحية، هذا بالإضافة لمقالاته الصحفية المتميزة.. ويمكن تعريف يوسف إدريس بأنه سارد فذ.. مصرى سمتاً وملحماً.. تطاول قامته قامات الكبار، كتشيكوف.. سارويان.. فوكنر.. مورافيا.. وغيرهم.. كما كان رمزاً .. وشيخ طريقة، له تلاميذه ومريدوه.. جاء فى كتاب الحلم والحياة للدكتور ناجى نجيب: «أن إدريس، اطلع على قصص من سبقوه.. إبراهيم الوردانى.. محمود كامل.. سعد مكاوى.. محمود البدوى، وأحس أنها جيدة.. لكنه أحس أيضاً أنها قصص غريبة، وأن أشخاصها، وطريقة سردها وموضوعها مختلفة عما يراه فى الحياة. وبدأ إدريس الكتابة عن المصرية فى الشخصية والشكل والمضمون. وسجل رؤيته للأشياء، وصور حياة الناس من حوله، وأسلوبهم فى التعامل والشعور». تناول إدريس أهل مصر والفلاحين.. فاطمة وفتحية، وعبدالكريم والحاج جاد «الذى جاء بأسطى من مصر لإصلاح مكنة الطحين العاطلة» قصة «المكنة» ضمن مجموعة «أرخص ليالي». فى قصة «حادثة شرف» يتعاطف إدريس مع فاطمة بطلة النص، وينتقد قبح وفجاجة أهل القرى.. لأنهم أفقدوا فاطمة المرح والانطلاق والبراءة. فى قصة «أرخص ليالي» كان عبدالكريم يعانى من شظف العيش، ولا يجد ما يملأ به فراغه سوى العودة لبيته «يطقطق لزوجته أصابع يديها.. ويدلك قدميها اللتين عليهما التراب بالقنطار.. ويزغدها فى خشونة تبعث اليقظة المقشعرة فى جسدها. وقال وهو ينضو ثيابه، ويستعد لما سيكون: هه .. الله يخرب بيت اللى كان السبب «.. يقصد طنطاوى الغفير الذى عزم عليه بكوب شاى ذردة فى حبكة المغرب». بعد شهور كان النساء كالعادة يبشرنه بولد جديد، وكان هو يعزى نفسه على السابع الذى جاء آخر الزمان، والذى لن يملأ طوب الأرض بطنه هو الآخر». ولأن السارد يسرد بلغة وشعور الناس كما يفكرون وينطقون. أصر إدريس على أن تكون مجموعته الأولى بعنوان «أرخص الليالي» كما ينطقها الأهالى.. وليست «أرخص ليال» كما ينطقها أهل الضاد. وأبطال القصص عند إدريس، عاشقون لمصر، منجذبون إليها، مهما نالهم منها، كالعسكرى «شبراوي» فى قصة «مشوار». «كانت مصر إذا جاءت سيرتها فى حديث عابر، ارتج، على الشبراوى. ويرى انه غير عائش، ويتحسر على ساعة واحدة يقضيها فى «القبيص». أو عند المعلم أحمد فى «الترجمان» .. يجتر شوقه إلى الأيام الخوالى التى قضاها فى الجيش حيث كان يزرع مصر من مشرقها إلى مغربها. ويقف قلب شبراوى فى أمل بين ضلوعه، فقد جاء الفرج، وأوكلت اليه مهمة سفر لتسليم زبيدة لمستشفى الأمراض العقلية بمصر« تنمل السعادة فى أحشاء الشبراوى.. وبعد انتظار كثير.. جاء القطار، وركب هو وزبيدة».. يعانى «الشبراوي» من تصرفات زبيدة غير المسئولة، بأن ألقت طربوشه من نافذة القطار، وحاولت خلع جلبابها الذى على اللحم، فمنعها، وعانى من بيروقراطية وروتين شاويش نوبتجى نقطة الشرطة، وعانى من أطباء الصحة فى المحافظة. غطت شفافية وإنسانية «الشبراوي» على كل ذلك، حين «جرى واشترى رغيفاً فينو وحلاوة طحينية اعطاها للعسكرى الموكل إليه إدخال زبيدة المستشفى قائلاً له: والنبى توكلها وتخلى بالك منها.. واعمل معروف، وحياة اللى ماتولك تتوصا بيها» «أرخص ليالي». فى قصة «النداهة» كان ولع فتحية يزداد، ويطاردها فى أحلامها لزيارة مصر. فضلت حامد على مصطفى مع أنه يملك جاموسة ونصف فدان أرض.. فزواجها من حامد سيمكنها من السفر لمصر، إلى عمارة فخمة يعمل بها بواباً.. ولقد جاءها هاتف، والغريب أنه لم يكن من خارجها، وإنما من داخل نفسها.. كان يوسوس ويهتف.. هناك ستقيم، حيث الشوارع الواسعة الحلوة النظيفة.. التى ينام على أسفلتها دون أن تعلق بك ذرة تراب واحدة.. حيث النور الكثير البراق.. فى الليل يحيل الظلام إلى نور ساطع.. هناك، حيث «الستات حلوين، كأنهم من أوروبا، والرجال حمر الوجوه أغنياء يركبون العربات.. حيث الطعام الكثير، والكباب والروائح الحلوة.. واللوكندات وبحر النيل». لكن حلم فتحية لم يتحقق لاكتشافها مصر أخرى غير الوجيهة، الغنية، المؤدبة، الوقور. مصر المليئة بأشياء لا يعرفها إلا البواب، خاصة إذا كانت زوجته رغم صغر عينيها، ترى كثيراً وبالذات فى الليل.. ولا يسلم الأمر من وجود ذئب داخل العمارة «شاب أبيض.. حليوة.. يسكن الشقة الوحيدة بالدور الأرضى. قبالة حجرة البواب» خفيف الدم.. متواضع.. شهم .. خدوم.. يحترم الآخرين.. يرفع الكلفة بينهم، ولا يعنى ذلك أنه ليس بذئب .. فهو مجنون بالنساء، وفى سبيل ان يظفر بالواحدة، مستعد أن يفعل المستحيل.. وأن يكذب أو ينافق.. يسرق أو يقتل أو يستعمل القنبلة الذرية، لو كان يملك واحدة». وفوجئ زوج فتحية بالمشهد الهائل المروع «فتحية راقدة على أرض الغرفة، والولد الصغير يلتصق برأسها العارى.. ينتحب مرعوباً، وهو يجذب شعرها بشدة، بينما هى عارية الرأس.. عارية كلها أو تكاد». ولأن فتحية امرأة مصرية مائة فى المائة، فقد أحست بفداحة الذئب وإن «المحظور الذى كانت تخشاه، وقع، ولم يبق سوى العقاب.. وما أجمل أن يسرع به (حامد)، وكل إبطاء يهدد بأن تمضى بالتفكير، فتتأمل ما كان، وأبشع عقاب فى الدنيا، أهون ألف مرة، من أن تعود مرة أخرى لتفكر وتتأمل وتستعيد ما حدث». ولا يعنينا من فتحية، سوى ندهة النداهة لها وانجذابها إلى مصر. كما لا يعنينيا من إدريس، سوى أنه مبدع ويعيش الناس من الداخل، متقمصاً الحالة التى يسردها «محاولاً الوصول إلى نوع من التوافق بين طريقة الشعور والتفكير والتعبير». يستطرد الدكتور ناجى نجيب فيقول: «إن إدريس بعد انتهائه من قراءة الأدب العالمى.. موبيسان.. تشيكوف.. شو.. مليفل.. سارتر.. كامو.. دستويفسكى.. طاغور. وغيرهم.. يعود إلى قناعاته الأولى، وهو أن الفن تعبير عن الإنسان فى بيئته الخاصة المحدودة بحدود المكان والزمان.. ولابد أن يكون لنا قصتنا المختلفة، غير القصة الروسية، ليس هذا فقط. بل انه يجب ان تكون لكل منا قصته الخاصة وبعبارة أخرى، لابد أن تكون قصتنا مصرية، مائة فى المائة، سمتاً وملمحاً. وربما كان ذلك. سر انتشار وذيوع وترجمة ودخول يوسف إدريس قلوب الملايين فى كل بقاع الدنيا.
 
  تقييم المقال
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من