16-11-2008     1133

 


 

صور نادرة تنشر لأول مرة أهداها لـ "العربي" وحوار متقطع بالدموع عن محمود درويش


صابرين دياب


 
بكاء سميح القاسم فى أحضان "الست حورية"

كان اللقاء الصعب الباكى المبكى، حين قصد سميح القاسم الاحد الماضى دار السيدة الوالدة حورية درويش، والدة الحاضر الغائب، المحمود الذى فينا، ليطمئن على حالها واحوالها بعد مرور اسبوعين على رحيل رفيق العمر، وفى اثناء الملتقى لم اطق رؤية وجهى السيدة حورية و القاسم وهما يبكيان، فقفزت من مكانى وتوسطتهما وكان لا بد من تضامن دموعى معهما وبكيت واياهما وقلت فى نفسى، نعم لدموع تعشق سمفونية الوطن وانسانيته.. ورجوتهما ان يرحمانا من جرح دموعهما لنا جميعا، وما اقساه من موقف، وما اقساه، وكأنه شمس تحرق بلهيبها المارين عند مفترقات الطرق والمعابر، سيما حين رددت السيدة حورية تهليلة ابكت القاسم بكاء اطفال: "يا خليلى خلّى عينك ع وطنا يوم رحيلى،،، يا صاحبى عينك ع دار امى يوم فراقى ومغيبى،،، يا رفيق عمرى روح لامى واجبر خاطرها،،، وخبرها يا صاحبى انك عن دربى ابدا ما تحيد،، "فلم ينطق القاسم ببنت شفة وقد عجز عن الحديث وحتى النظر بوجه السيدة الوالدة صاحبة الخبز والقهوة واللمسة الدافئة التى نال منها نصيبا، بيد انه تمكن من تقبيل يمناها والصمود فى مجلسها قليلا ثم استأذن وخرج، لأرافقه الى البروة، اهم واجمل مكان فى هذه الدنيا بالنسبة لدرويش، حيث تمنى ان يموت ويدفن فيه، وهناك وضعنا اكاليل الورد وسنابل القمح باسم "العربي"، واكليلا جميلا باسم عميد الصحافة العالمية الاستاذ محمد حسنين هيكل، واخبرنى القاسم عن مدى اعجاب وحب محمود للاستاذ هيكل، واكد لى أنه سيهنأ بهذا الزهر واريجه الذى يحمل رائحة الاستاذ هيكل وجمال عبد الناصر، القائد العربى الذى عشقه محمود درويش وتأثر بشجاعته وثورته، ويضيف القاسم: "اذكر ان الشيوعيين نظموا مظاهرة في67 مناصرة لمواقف عبد الناصر البطولية، الداعمة للحق الفلسطينى، وتشاجرنا بسبب صورة عبد الناصر فقد اراد هو ان يرفعها فى حين قاتلت رفاقى آنذاك لأحملها انا، ففى ذلك الوقت لم تتوفر الصور بكثرة كما هو الحال فى يومنا هذا لاسيما أنها كانت ممنوعة ايضا، وفى نهاية مطاف الشجار تنازل محمود عن رفع الصورة بعد ان قلت له الاكبر سنا فينا من سيحملها فرفع اشارة النصر من كف يده حتى انتهى نهارنا فى سجن طبريا، وتدمع عينيا القاسم، فسألته هل من حديث "للعربي" معك الآن هنا فى البروة حول محمود درويش، فقال: "يشرفنى ويشرفه ان اتحدث للصحيفة العربية التى تحمل قيم عبد الناصر الزعيم العربى الذى نحبه ونجلّه وكان له مكانة عالية فى قلب محمود، لكن دعينى يا صابرين ارتاح قليلا واعدك بأننى سأعطى للعربى حديثا مفصلا مرفقا بوثائق عن محمود"، فقلت له: "ما رأيك لو التقينا يوم غد الاثنين؟وان استطعت، احضر لى من فضلك بعض الصور المشتركة مع محمود"، فقال: "سأجتهد".. وفى صباح اليوم التالى هاتفت القاسم وسألته هل استطيع رؤيتك اليوم؟"، فأجابني: "انتظرينى فى المكتب"، فذهبت للناصرة حيث مكتبه المزين بأشعار محمود درويش وتوفيق زياد وصور واقوال فى الحق والبطولة والوطن لجمال عبد الناصر،، ودخل القاسم، وكعادتى طبعت على جبينه قبلة، وسألته: "اين ما وعدتنى به، اين الصور؟اتوق لرؤيتها"، فابتسم وفتح حقيبته وناولنى الصور قائلا، لم اتوقع من ذاتى بأن انتزع هذه الصور من البوماتى يوما ما وقد طلبها منى الكثيرون واعتذرت، لكن من اجلك انت وجريدة "العربي" انتزعتها برضا تام، كذلك قدم لى مقالا كتبته صحيفة العرب اللندنية فى العام1987 حول دفاع سميح القاسم عن محمود درويش حين شبهه احدهم بالسادات عندما التزم الحياد امام فكرة حوار ابى عمار مع الاسرائيليين التى طرحت انذاك، كما ان القاسم فاجأنى بهدية نفيسة عبارة عن صورة خاصة التقطت له فى باريس فى العام واحد وثمانين1981 وكان محمود قد بعثها بالبريد خصيصا لصديقه القاسم، وقال لي: "لعل هذه الصورة تبين لك مصداقية تقديرى لك"ورددت على تقديره بدمعتين، فراح يضحكنى ببعض المواقف المضحكة فى حياة المحمود، حتى اتاه اتصال من الاستاذ عبدالله السناوى ليعزيه برحيل محمود درويش، وفور انتهاء الاتصال، قال لى القاسم: "ما اروع هؤلاء الناس، اشعر بالفخر حين التقى او اكلّم احدهم، وينتابنى احساس عميق بأن امجاد عبد الناصر ستعود بحلة جديدة تناسب معطيات عصرنا هذا، طالما ان مصر ما زالت تنجب الاحرار ، ويضيف القاسم: "اتدرين ياصابرين، اتوق لرؤية محمد حسنين هيكل!!"، فيصمت الاستاذ سميح قليلا ويضيف: "لقد احب محمود الكثيرين من الناس الوطنيين الشرفاء فى كل الاقطار العربية غير ان الشخص الذى طالما تباهى محمود بعلاقته به هو الاستاذ هيكل، وكان اعتزازه بصداقته شديدا وقويا"، فسألته لماذا؟، فرد القاسم مجيبا: "كان محمود الى جانب فكره ووعيه الوطنى والقومى الاصيل، عاطفيا مرهف الحس، عشق مصر وهواءها وترابها وشعبها قبل ان يزورها من خلال صورة واصالة جمال عبد الناصر، وكان هيكل بالنسبة له ارثا قيما من ارث عبدالناصر، اطال الله بعمره". { متى رأيت المحمود آخر مرة قبل رحيله؟ }} اسبوعان قبل الوفاة، يوم اتى يزور السيدة والدته، ليبلغها بأمر العملية الجراحية، وحين اخبرنى انا بأمرها، قلقت عليه، وطلبت منه ان يتمهل والا يستعجل إجراءها، فقال لى، هذه معركتى يا سميح، ولن اهرب منها، فقلت له: ما رأيك ان نتقاسم إجراءها، انا اجرى عنك نصفها وانت النصف المتبقي؟ فضحك وقال: لا يا سيدى، لن اقبل، فإن مت انا تظل انت، فصعب أن نموت كلنا، وقال لى محمود: إن مت فإنك تعرف كيف تتقبل موتى فقد فقدت قبلى الحبيب راشد حسين، واعدك بأننى سأحاول ان القى التحية عليه وابلغه اشواقك، عندها، يضيف القاسم: ضحكنا معا ضحكا مرا، وادركت بالحس العميق بأن محمود لن يعود، ويسكب القاسم دموعا سخية اوقفتنا عن الحديث قليلا، ثم تدحرج السؤال { قلت فى قصيدة رثائك له، يوم غضبت عليك، ويوم غضبت على، ما قصة هذا الغضب، ومتى كان غضب احدكما على الآخر آخر مرة؟ }} نحن بشر، نفرح ونحزن، نهدأ ونغضب، وصديقان منذ الصبا، تقاسمنا رغيف الخبز معا لعبنا معا، كتبنا الشعر فى السر والعلن معا، خفت عليه وخاف على، ايعقل ان احدنا لم يغضب على الآخر، اذكر انى غضبت عليه وكدت أصفعه فى نهاية الستينيات، فقد كان مطلوبا للاسرائيليين وكان مختفيا فى احد بيوت أصدقائنا فى حيفا، واراد ان يطمئن على والدته وإخوته بعد ان علم ان الاسرائيليين داهموا بيت اهله وعاثوا به فسادا وظلوا فى كل يوم يداهمونه، فأخبرنى بأنه سيخرج من البيت وسيذهب الى الجديدة، فحاولت منعه وارتفع صوتنا وكدت اضربه غير انه لم يبال وخرج وما إن وصل قريته واذ بالإسرائيليين ينقضون عليه بالضرب المبرح امام والدته واخوته وجيرانه وعذبوه امامهم وانزلوه فى بئر القرية ليقر ويعترف لهم بأنه صاحب المنشورات والاشعار التى تحرض على الاسرائيليين، { من احب من القادة العرب؟؟ }} جمال عبد الناصر، وياسر عرفات، وابو جهاد { هل افهم انه لم يحب سواهم؟؟ }} لقد اعجب بصدام حسين والشيخ احمد ياسين وحسن نصر الله، لكن عشقه لجمال عبد الناصر كان استثنائيا ولا ابالغ لو قلت بأن بطولة عبدالناصر اثرت بشكل مباشر على شعره، واظننى اعيش ذات التأثير الجميل. { علمنا انك لم تكن راضيا عن فكرة تأبينه فى رام الله وقد تعب المنظمون كثيرا حتى اقنعوك بقبول تأبينه، وقد اختزلوا التأبين بشخصين او ثلاثة لتقبل بمرادهم، لماذا؟؟ }} محمود كان يكره الخطابات وعلى الغالب لم يثق بها وكان يعتبر كثرة الكلام فى الميت نفاقا او استعراضا حسب اهمية المتوفى واعتبر الخطاب على القبور ندبا"وشغل ندابات"، وكان قد اوصى بألا يؤبن ويخطبوا امام قبره، واعتبر ان من احبه بصدق قرأ له شعره وابدى رأيه به سلبا او ايجابا، وانا اعرف من احبهم محمود ومن لم يحبهم... { وربما هذا ما يفسّر لى عدم مشاركتك فى المهرجان التأبينى فى الجديدة بالجليل؟؟ }} نعم.. لم اشارك من أجل محمود ومن أجلى. فكلانا نمقت الندب والاستعراض. { قيل عن محمود إنه شاعر مراحل، وصاحب سلطة شعرية، ماذا يقول القاسم فى شعر محمود؟؟ }} اعدك بأن نستأنف الحوار قريبا جدا، واعلم انك تريدين لى الخير ولذا اطلب منك تأجيل ما تبقى من حديث حتى ارتاح مما انا فيه، وسرعان ما يشحب محيا القاسم وتدمع عيناه من جديد، ويقول لى موجوعا، هى الكلمات لتعجز يا صابرين عن النطق وقول الحقيقة الزائفة ما بين سرايا النجوم مع رشفة من الليل القاتم.. رحيل، فراق وحسرة، صمت وغضب ساكن، اما بعدها فلابد من قول ما هو ابعد من صدى وعبور. ها هو محمود ونحن نقف مجددا على مشارف استغاثة القدر، نتلقى الحذر كل الحذر، لنأبى النزوح مجددا عن عرش للوطن ما دام لنا وطن وعبير وشمس تشرق بعد انقشاع ليل طويل، بهذه الكلمات او باخرى تستمر مسيرتنا رغم الرحيل بل لوداع الرحيل بلقاء آخر، قد يكون لربما عابرا او لربما ابديا تماما كما الموت، لئلا نصدق ذهابه بوهمية الجسد الخافت، قد اقول إن محمود واحد لكنه ملأ الكون بسيدة الارض.. الام الغالية.. فلسطين العائدة على درب الاحرار ولن يكون ذلك لا لساعة ولا لهنيهة من الوقت المستقطع.. بل لفلسفة حياتية ابدية.
 
  تقييم المقال
المعدل: 5
تصويتات: 5


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من