صار من المعلومات المعروفة والمتداولة كالمسلمات، فى سيرة حياة شاعرنا الكبير محمود درويش، أنه عقب وصوله إلى القاهرة قادمًا من موسكو، بصحبة الأستاذ عبدالملك خليل مراسل "الأهرام" هناك، عقد مؤتمرًا صحفيا جامعًا فى مبنى وزارة الإعلام والإذاعة والتليفزيون بـ "القاهرة"، أعلن فيه الأستاذ محمد فائق وزير الإعلام نبأ وصول شاعر المقاومة فى الوطن المحتل محمود درويش إلى القاهرة، معربًا عن اعتزاز مصر ـ مسئوليها ومثقفيها ـ بالشاعر الكبير وباختياره لها مقرًا لإقامته وقاعدة لمواصلة نضاله. بعد ذلك ألقى محمود درويش بيانًا مطولاً، شرح فيه ظروف الملاحقة والاعتقالات والحصار الخانق الذى أعجزه عن التعبير عما فى فكره وقلبه لخدمة قضية وطنه، الأمر الذى اضطره إلى الخروج والابتعاد عن الوطن "لكى يزداد قربًا منه". أما اختياره لـ "القاهرة" فذلك "لأنها القاعدة الأساسية لكفاح الشعوب العربية من أجل التحرر والاستقلال والتقدم الاجتماعى والمستقبل الاشتراكى والسلام.. وإننى على يقين من أن نهر الحياة سيواصل المسير، وإننى على ثقة من أننى سأجد فى موقعى الجديد فى القاهرة إمكانات واسعة لمواصلة عملى فى سبيل القضية التى نعمل من أجلها جميعًا". وهكذا صار ذلك المؤتمر الصحفى هو بداية حياة محمود درويش فى مصر، وهذا يجافى الحقيقة، فهناك صفحة لم يعلن عنها فى المؤتمر أو بعده، ولم يعرفها سوى ثلاثة أشخاص هم شهودها. ومحتوى هذه الصفحة المجهولة أن محمود درويش وصل إلى القاهرة قبل أسبوع كامل من المؤتمر الصحفى. فما سر ذلك الأسبوع؟ ماذا جرى فيه؟ وأين نزل أو أنزل؟ وكيف قضى أيامه؟ ومع من؟ هذا ما قدر لى أن أكون الشاهد الرئيسى عليه، والمسئول عنه. كانت البداية فى "صوت العرب"، فى ضحى اليوم الخامس أو الرابع من شهر فبراير 1791، حين استدعيت إلى مكتب الأستاذ المرحوم محمد عروق مدير صوت العرب. آنذاك، وحين دخلت لاحظت وجود ضيف لا أعرفه، وبادرنى الأستاذ عروق بالسؤال عن شعر المقاومة ومدى نصيبه فى برامجنا. كنت آنذاك المراقب المساعد للبرامج العقائدية، ومنها الفكرية، كما كنت معروفًا بميولى الأدبية، وتقديمى لبعض البرامج الأدبية، ومتابعتى وتعاطفى مع شعر المقاومة، فرحت أتحدث عن النصيب الوافر لهذا الشعر فى برامجنا، فسألني: لمن من الشعراء؟ قلت: الجميع. قال متعمدًا إسماع الضيف: مثل من؟ قلت: محمود درويش.. و.. فقاطعنى قائلاً وهو يشير إلى الضيف: إذن سلم عليه. كان الجالس فى جانب الغرفة هو شاعرنا الأثير محمود درويش، فتعانقنا بحرارة.. كان نحيلاً جدًا ورقيقًا كالطيف حتى إننى أشفقت وأنا أعانقه أن تتكسر عظامه بين ذراعى. كان الموقف عاطفيا مفاجئًا وغامضًا مثيرًا لعلامات استفهام كثيرة وأفكار عديدة، قطع تداعيها الأستاذ عروق قائلاً: الأستاذ محمود وصل أمس، وسيبقى معنا، لكننا لم نعلن وصوله، ولن نعلن ذلك إلا بعد فترة راحة يستجمع فيها قواه وأعصابه ونفسه المرهقة، ولذلك رتبنا رحلة استجمام له فى الأقصر وأسوان، وستكون أنت مرافقه فى هذه الرحلة، ومعك الزميل فؤاد فهمى من صوت العرب، والأستاذ عبدالملك خليل مراسل "الأهرام" فى موسكو الذى رافق الأستاذ محمود إلى القاهرة، ستجدون كل شيء معدًا وفى خدمتكم فى الأقصر وأسوان، وموعد السفر صباح الغد. " " " لم يكن محمود درويش ـ حين وصل إلى القاهرة ـ مجهولاً أو غائبًا عن الحياة الثقافية فى مصر، وإنما كان معروفًا ومحبوبًا وذا حضور مرموق فى الأوساط الأدبية والإعلامية بخاصة صوت العرب، حيث كنا نحتضن باحتفاء حار معظم ما نشرته الكتب والصحف والمجلات الأدبية فى مصر وبيروت ودمشق من أشعار المقاومة فى الوطن المحتل، وفى مقدمة ذلك المبادرات الريادية الكاشفة لناقدنا العظيم رجاء النقاش ـ رحمه الله ـ مثل كتابه المبكر 9691 "محمود درويش شاعر الأرض المحتلة"، ومثل ديوان "آخر الليل" الذى نشره بمجلة "الهلال" التى كان يرأس تحريرها فى عدد يوليو 9691. وكان من محاسن المصادفات أن صدر له عدد فبراير 1791 من "كتاب الهلال" بعنوان: "أدباء معاصرون"، وضم فصلاً بعنوان "محمود درويش عاشق من فلسطين"، فظهر الكتاب مواكبًا لوصول محمود درويش إلى القاهرة. ولم ينحصر حضور درويش فى الوسط الأدبى وحده، وإنما امتد إلى الوسط الفنى، مع توهج ظاهرة الأغانى الجماهيرية وأناشيد شعر المقاومة التى تفاعل معها الوجدان الشعبى فى كل أنحاء الوطن، وكان فى المقدمة منها أشعار محمود درويش. وأكثر من ذلك أننا سمعنا وقدمنا فى الإذاعة صوت محمود درويش يلقى بأدائه المميز قصيدته البديعة فى رثاء عبدالناصر "الرجل ذو الظل الأخضر"، وقد جاءنا بها ـ على ما أذكر ـ الزميل والصديق الأديب بهاء طاهر، حين حضر مع درويش مؤتمر أدباء آسيا وإفريقيا فى الهند، وعاد ببعض التسجيلات من المؤتمر وكان منها قصيدة درويش. " " " فى الأقصر، يسرت لنا زيارات لبعض معابدها وآثارها الشامخة الباهرة، وفى أحد الأيام أخذنا عبر النيل إلى الضفة الغربية حيث المقابر العجيبة المذهلة فى وادى الملوك، وعندما وصلنا إلى مدخل مقبرة "توت عنخ آمون"، نظر محمود إلى السلالم الضيقة النازلة فى جوف الأرض، ثم قال: إنه متعب. وطلب إعفاءه من النزول إلى المقبرة، وحاولت إغراءه برقة، فاعتذر، فأتيناه بمقعد يستريح عليه حتى نعود من زيارة المقبرة، لأننى لم أكن لأضيع فرصة زيارتها تلك. وأعترف أن عزوفه عن زيارة المقبرة أصابنى بدهشة حرصت على ألا تبدو مظاهرها، لكنها ظلت علامة استفهام محيرة: هل كان عزوفه تعبيرًا عن لامبالاة بقيمة تلك الآثار التى يأتيها الناس من كل جنس عبر القارات؟! هل هو عدم ارتياح للسلالم والأماكن الضيقة تحت الأرض كزنزانات السجون؟! الحق أننى ـ حبًا وتعاطفًا ـ رجحت أن يكون السبب هو أنه كان مرهقًا جسديا ونفسيا ومثقل الروح بهموم الرحلة الفارقة التى يكابد هواجسها. كان ـ بلا شك ـ ممزق النفس بين فراق أمه وإخوته وأهله ورفاقه وأماكن ذكريات عمره فى وطنه، ومستقبل مهول يفتقد فيه اليقين، ولا يضمن فيه إلا الغربة. كان أجلى مظاهر ذلك التمزق ميله إلى الصمت والتأمل وبدورى كنت حريصًا على احترام صمته وتأمله، فلم أحاول التطرق فى أحاديثنا إلى الموضوعات الشائكة التى كانت تطرح نفسها بإلحاح على فكرى، مثل أحوال رفاقه فى الوطن المحتل، وقرار تركه الوطن وما سيثيره من مواقف مختلفة فى الوطن وفى الأوساط الثقافية والسياسية العربية. وهكذا خلت الرحلة من كل ما يحتمل أن ينكأ جراحه ويزيد توتره النفسى. كان بحاجة إلى أن يتأمل فى سكينة ليصل بنفسه وحده إلى شاطئ فيه شيء من التوافق واليقين. " " " فى أسوان، أنزلنا فى فندق كتراكت التاريخى القديم، ورتبت لنا زيارات لبعض المعالم الدالة، وفى مقدمتها "السد العالي"، الذى ذكره درويش فى قصيدته عن عبدالناصر، وهناك همست له: لو أنه كان لايزال حيا، لاستقبلك، بالتأكيد، كما استقبل فدوى طوقان!.. فكان جوابه نظرة تقطر أسى عميقًا! من ذكريات أسوان أيضًا أن دعينا ـ خارج إطار البرنامج ـ إلى حفل غداء. فلما دخلنا القاعة فوجئنا بالسيد شعراوى جمعة وزير الداخلية ـ وكان فى زيارة لـ "أسوان" ـ يقوم من مقعده حول المائدة ليرحب بشاعر المقاومة ترحيبًا حارًا وحانيا. لكن أعمق ذكريات أسوان فى النفس، كانت الزيارة التى أخذنا فيها إلى مدرسة ابتدائية متواضعة فى أحد أطراف المدينة، ففى أحد الفصول، استقبلنا معلم الفصل بحفاوة قائلاً لتلاميذه الصغار: قيام.. فقاموا بنشاط، فأعطى لهم إشارة ابتداء، فإذا بهم ينشدون فى حرارة وتوافق كأنهم فريق كورال بعضًا من أشعار المقاومة، مبتدئين بقصيدة درويش: "وطنى، يعلمنى حديد سلاسلي/ عنف النسور، ورقة المتفائل/ ما كنت أعرف أن تحت جلودنا/ ميلاد عاصفة وعرس جداول". كانت مفاجأة مثيرة ومشهدًا دالاً مؤثرًا: أن يزور محمود درويش، فى أيامه الأولى فى مصر، مدرسة ابتدائية رقيقة الحال، فى أقصى جنوب الوادى، فيجد أطفالها البسطاء يحفظون أشعاره عن ظهر قلب وينشدونها بحماسة وحرارة. كان ذلك ـ فيما أعتقد ـ أعظم تحية، وأصدق تقدير لـ "محمود درويش"، فى مستهل رحلة اغترابه الطويل الأليم، وأظنه استمد من ذلك المشهد التلقائى الجليل شيئًا من اليقين الذى كان يبحث عنه. " " " مرت أيام الأسبوع سريعة، وأعتقد أنها منحته بعض السكينة، وكانت فرصة للتأمل والتفكير فى بيانه الذى ألقاه فى المؤتمر الصحفى الذى عقد فى اليوم التالى لعودتنا إلى القاهرة. وعقب المؤتمر أخذته القاهرة فى بحرها الزاخر، الذى أغنى تجاربه وعلاقاته وقوى أجنحته، وأعطاه الكثير، كما أخذ منه الكثير. أما صفحة ذلك الأسبوع الجميل الذى عشناه معًا فى الأقصر وأسوان، فقد طويت بين جوانحنا، لا يعلم بها أحد آخر، ولا نتكلم عنها، ولكن صرنا كلما التقينا هنا أو هناك، نذكرها بالإشارة والكلمات الموجزة، بمحبة واعتزاز، ثم صرت الآن أذكرها وحدى بلوع وأسى عميق.