16-11-2008     1133

 


 

ذكريات رمضانية مع الإذاعة المصرية.. التى كانت!!


أحمد يوسف


 
أهلا رمضان.. ولكن بتاع زمااااااان

أغضب بينى وبين نفسى كثيرا حين ينادينى أحدهم: "يا حاج"، لأننى على مستوى الوعى أدرك أن الشعب المصرى لديه الآن لقبان أساسيان يخاطب الواحد منهما به الآخر، الأول هو "يا حاج" التى تدل على أن من يخاطبك لا يراك، فأنت مثل كل الآخرين حاج وخلاص، لا فرق بين أستاذ الجامعة وعابر السبيل، أما اللقب الآخر فهو محتكر "حصريا" من أجل التعبير عن الخوف أو التملق وليس الاحترام، وهو "يا باشا"، يقولها المرء وهو يتمتم فى سره: "يارب تعديها على خير"، لأنك عندئذ تكون أمام أى أحد من الحكومة، موظف صغير فى السجل المدنى أو أمين شرطة فى لجنة مرور أو عقيد أمن دولة فى مظاهرة. وبين الحاج والباشا توجد ألقاب عديدة، منها وياللعجب "الريس"، الذى انحدر به الحال (اللقب وليس أحد آخر) فأصبحت لـه دلالات مضحكــة مبكيـة، لكننــا لسنا اليوم بصدد الحديث عن السياسة، فلعلها تفسد الصوم، وكل ما نرجوه أن يقتدى شياطين الإنس بزملائهم الجن، ويطلََّّعونا من دماغهم خلال هذا الشهر الكريم. الحقيقة أن كلمة "يا حاج" تثير غضبى لأننى على مستوى اللاوعى أدرك أن من يخاطبنى يخاطب التجاعيد التى ظهرت على وجهى، وكأنه يقول لى إننى أصبحت من زمن آخر، وربما تساءل فى داخله ما الذى أخرجنى وأنا فى هذا العمر من بيتى لأخوض فى زحام البشر، الذى يشبه الكون السديمى قبل أن يتشكل، عندئذ أتذكر على الفور أننى بالفعل من جيل آخر يبدو موغلا فى القدم، جيل راحت عليه ولن تعود، مع أنها لم تزل فى يد الباشا الكبير جدا وهو من عمر آبائى، فالعجائز الباشاوات قادرون بقدرة قادر على أن يكتموا على أنفاسنا حتى النَفََس الأخير، نفسنا الأخير بالطبع وليس نفَسَهم، لكن مرة أخرى بلاش والنبى كلام فى السياسة. بدأت أفهم خداع مفهوم "الجيل" فى فترة مبكرة من حياتى، حتى أصبحت أضحك كلما سمعت تعبير "صراع الأجيال"، فأيام كان المسرح المصرى يقدم ـ وأرجو أن تتأكد أن ذلك ليس فَشْرا ـ كل تاريخ الدراما بدءا من الإغريق وحتى يوجين يونسكو وصامويل بيكيت، رأيت مسرحية "السُحُب" للكاتب المسرحى الكوميدى الإغريقى أريستوفانيس، وكان أمين الهنيدى يقوم ببطولتها (أرجو أن تصدقنى فليس لى مصلحة فى أن أضحك عليك)، وكانت المسرحية تهجو بضراوة الفيلسوف العظيم سقراط، الذى بدأ يطرح التساؤلات عن كل البديهيات (وما أشد حاجتنا إليه الآن)، فتعلم الشباب على يديه المنهج السفسطائى الذى بدأ يزعج الآباء، وهاهو بطل المسرحية الأب المسن يشكو ابنه الذى يجسد "تفاهة الجيل الجديد"، ولك أن تتصور أنه كان هناك جيل جديد منذ أربعة وعشرين قرنا من الزمان! ولعلك قد شاهدت يوما فيلما مصريا بالأبيض والأسود من الأربعينات والخمسينات، يشكو فيه ـ مثلا ـ الأب سراج منير مشكلته مع ابنته، فيفصح عن تذمره من سوء تصرف "شباب اليومين دول"، الذين أصبحوا الآن بعد نصف قرن "عواجيز اليومين دوكهمه"، وباتوا بدورهم يشكون من الجيل الجديد حتى أصبح الأمر أشبه بنكتة تتجدد مع الأجيال. ذكريات رمضانية ليس هناك فى الحقيقة صراع فى الأجيال، وإنما اختلاف فى الرؤى، وهو اختلاف يتسارع الآن على نحو أقرب إلى الجنون، فأنا الآن أرى اللحظة الحاضرة من نقطة بعيدة فى الزمن، تمتد بقدر ما تستوعب ذاكرة الحواس والعواطف والعقل، وتلك الذاكرة قد تبدو فى السياق الذى نعيش فيه شيئا مهملا أو ينبغى (من وجهة نظر البعض) إهماله، وهم (ربنا يجعل كلامنا خفيفا عليهم، ولكنى أرجو الله أن يجعله ثقيلا عليهم ولو مرة واحدة) يريدون محو هذه الذاكرة، لأنهم يريدون محو الوطن، جسدًا وروحًا، والوطن يا عزيزى القارئ ليس أبدا معنى رمزيا كما يحاولون الإيحاء بذلك، يستخدمونه وقت اللزوم لأهداف تخدم أغراضهم فقط، فالوطن هو أنا وأنت، ذاكرتى وذاكرتك، أحلامى وأحلامك، وليس حرف "الواو" هنـا مجـرد حـرف عطـف، وإنمـا فعـل هـو فعـل مشـاركة، الوطـن هـو نحـن وذاكرتناـ وأحلامنـا الفرديـة والجماعيـة، لـذلك دعنـا أرجوك لا نضيع هذه الذاكرة. وأنا لا أقصد هنا أننى سوف أسرد "حقائق"، وإنما هى ذكريات يختلط فيها الذاتى والموضوعى، فهى ما تركته هذه الحقائق فى نفسى، كما أننى من جانب آخر لا أقصد ولـو بأدنـى درجـة من التصور أن أقول إن أيامناـ ـ نحـن العجائز ـ أفضل من أياـم الأجيـال الشـابة، فلكـل أيامـه التـى تشـكل وجدانه، بـل لعـل الأيـام الصعـبة القاسـية التى يعيشها الجيل الشاب تؤكد أنهم أفضل منا، وأكثر قدرة على البقاء، فى ظل مؤثرات كانت ـ والله العظيم ـ قادرة على أن تدفع شعبا آخر إلى الفناء، وآه لو تحقق لهم وجود الوطن! يا وابور يا مولع تبدأ ذكرياتى الأولى ـ أو بالأحرى ذكريات حواسى ـ عن رمضان فى عز الشتاء، فهكذا تصادف أن يأتى رمضان فى طوبة عندما كنت فى العقد الأول من عمرى، وكما كانت "البيضة بمليم" (هكذا سمعت من آبائى لكننى لم أصدقهم أبدا)، فإن البرد كان أيامها كالرصاص الذى يخترق العظام، كان بردا منعشا وهو يدغدغ وجوهنا فى الصباح خلال ذهابنا إلى المدرسة، وبردا قارسا فى آخر الليل عندما كانوا يوقظوننا للسحور لنقوم من تحت اللحاف وكأنهم يقودوننا إلى طابور التعذيب، لكن سرعان ما كان هذا الإحساس القاسى يذوب، ليس فقط بفضل "وابور الجاز" الموقد فى غرفة المعيشة ليدفئها، ولكن أيضا لأن "اللمَّة" حول الطبلية هى التى تجعل الدفء الحقيقى يسرى فى أوصالنا، تلك الطبلية التى كانت تشير إلى انتقال أسرتى من وقت قريب من قريتها الصغيرة إلى المدينة الجميلة على شاطئ النيل حيث ولدت، وبقدر ما كانت المدينة تشذب وتهذب الكثير من عاداتنا وتقاليدنا القروية (على عكس ما يحدث اليوم من أن تتحول المدن أو حتى القاهرة إلى قرية متخلفة بسبب الهجرات العشوائية فى ظل ظروف شديدة الصعوبة واختفاء دور الدولة)، فإن الكثير من مشاعرنا الريفية كانت مستيقظة فى أعماقنا: الطبخة الرئيسية فى طبق كبير واحد وسط الطبلية نتشارك فيه جميعا، لا تمتد إليه أيدينا حتى يبدأ الأب بعد أن نتمتم باسم الله، بينما ينطلق فى المذياع قبل الفجر مسلسل "أحسن القصص" من إخراج يوسف الحطاب، يحكى فى سلاسة وعذوبة عن قصص الأنبياء كما جاءت فى القرآن، ولم يكن هناك من يعترض على أن نسمع حوارا على لسان نبى بحجة من تلك الحجج التى نسمعها الآن، وكان الحل الدرامى شديد البساطة فى أن ينطق الممثل بحوار هذا النبى أو ذاك بعد أن ينطق بكلمتين: "يقول موسي" أو "يقول نوح" مثلا، فكأنها حيلة بريختية بارعة قبل أن أعرف بريخت بزمن طويل (ولعل لم يكن صناع المسلسل يعرفونه، لكنها الفطنة الفطرية التى نتمتع بها)، ومن خلال هذا المسلسل عرفت الكثير عن هذا العالم الأسطورى الساحر، رأيته بعين الخيال فى وعى طفل صغير مجسدًا من خلال الصوت فقط، وعندما كان المسلسل يشرف على الانتهاء تبدأ التواشيح الدينية للشيوخ.. طه الفشنى وأبو العينين شعيشع ومحمد الفيومى وآخرين كانت أصواتهم العريضة العميقة تتحدى بحق الأصوات الأوبرالية فى اتساعها وقوتها وقدرتها على التلوين، وكانت تلك التواشيح هى العلامة التى تؤذن بضرورة الانتهاء من وجبة السحور لأن الفجر قد اقترب، وتبدأ بعدها تلاوة القرآن الكريم ليستعد أفراد العائلة للصلاة، بينما يهرع الأطفال من أمثالى عائدين ليندسوا تحت اللحاف. وحوى يا وحوي لا تستغرب يا قارئى العزيز أننى سوف أعود بك كثيرا إلى المواد الإذاعية التى كنا نسمعها آنذاك، فقد كانت هى التى تشكل إيقاع حياتنا فى رمضان والشهور الأخرى على السواء، فقد كنا نعرف أن الساعة هى الخامسة والربع بعد الظهر عندما تخلو الشوارع من الناس لأن موعد المسلسل اليومى قد حان، ومن تصادف وجوده ساعتها فى الشارع عليه أن يسارع لكى يقف بجوار مقهى أو كشك سجائر ليسمع حلقة اليوم، (كانت كريمة مختار بصوتها الرقيق العذب تقوم بمعظم البطولات النسائية، وصلاح سرحان بمعظم البطولات الرجالية حتى تصورتهما على صورة فاتن حمامة وعماد حمدي)، كما كنا نعرف أيام الأسبوع من خلال مقرئ الساعة الثامنة مساء، السبت لعبدالباسط، والاثنين لمحمد رفعت، والأربعاء للمنشاوى، والجمعة لمصطفى إسماعيل، (للأسف لا أتذكر أيام المقرئين الآخرين برغم تذكرى لأصواتهم وأسمائهم جميعا)، وهكذا كانت أيضا تبدأ الشهور والفصول مع ما كان يعرف باسم الدورات الإذاعية التى تتغير فيها البرامج اليومية والأسبوعية، مثلما كنا نعرف أن "ليلة الرؤية" قد جاءت بعد أن يصدح الراديو بصوت عبدالمطلب "رمضان جانا" أو أحمد عبدالقادر فى "وحوى يا وحوي"، تماما كما كانت قلوبنا تنقبض فى أيام رمضان الأخيرة مع أغنية شريفة فاضل "والله لسه بدرى يا شهر الصيام"، ولا ينفرج هذا الانقباض إلا عندما يلعلع صوت أم كلثوم: "يا ليلة العيد آنستينا". الإفطار على مائدة إحسان أصارح القارئ القول بأنه بقدر ما كانت هذه الأغنيات هى التى تطلق فينا تلك المشاعر الفياضة، فإننى كنت كطفل (ولعل هذه البقايا من الطفولة أتمسك بها) أستثقل تلك الخطبة الطويلة للمفتى ليلة رمضان أو العيد، يستطرد فيها فى نصف ساعة فى عبارات مكررة، بينما كنت أتقلب شوقا إلى أن يقول لى من أول لحظة هل ثبتت الرؤية أم لا، وأستغرب أن يتلاعب بى على هذا النحو! لكن رمضان بالنسبة لى كان يبدأ قبل بدايته الحقيقية بأيام، عندما كانت محلات البقالة، المتواضع منها والفاخر، تضع على أبوابها أجولة "النُقْل" (هكذا كنا نسمى الياميش فى مدينتي)، التمر والتين وقمر الدين، وكان الجميع ـ الفقراء والأغنياء ـ يتزودون بها، (بالمناسبة كلما زادت مظاهر ما يعرف باسم موائد الرحمن التى لم نكن نعرفها أبدا تأكدت أن الهوة تزداد بشكل جنونى بين الفقراء والأغنياء، وليس كما يتصور البعض أننا نزداد بها اقترابا من الدين)، ولن أنسى أبدا حلاوة وبساطة التمر باللبن "نجرح به صيامنا" (أى نبدأ فطورنا به)، أو جلستنا حول وابور الجاز وأبى يشوى لنا أبو فروة، ومن يومها لم أعد أسمع ذلك الصوت الرتيب لوابور الجاز الذى يبعث الاطمئنان بداخلى، كما لم أتذوق بعهدها أبو فروة أبدًا. كانت الطقوس الرمضانية تبدأ قبل المغرب بقليل، وأبى يسبح بينما تنطلق من الراديو تلاوة القرآن، ونحن نتلمظ شوقا إلى الأطباق التى تضعها أمى وأختى الكبرى على الطبلية واحدًا بعد الآخر، وقد انطلقت منها روائح يسيل لها لعاب الشبعان فما بالك بطفل صائم، ولقد ارتبطت هذه الطقوس بعد عامين أو ثلاثة فى ذهنى بالصفحات الأولى من رواية إحسان عبدالقدوس "فى بيتنا رجل" (كان أخى الأكبر يشترى الروايات أولا بأول حتى قرأت معظم روايات تلك الفترة قبل أن أكمل العاشرة)، كانت تلك الصفحات الأولى ترسم صورة قريبة مما أعرفه فى ساعة ما قبل الإفطار، ربما كانت أسرة الرواية أكثر رفاهية من أسرتى، لكن الفوارق الطبقية (وصدقنى يا عزيزى القارئ) لم تكن على هذا الحال المفزع الذى نراه اليوم. فى تلك الدقائق المتوترة بالشوق إلى الطعام كنا نحن الأطفال نتحرك جيئة وذهابا بين الطبلية وشرفة المنزل، كأننا نستعجل انطلاق مدفع الإفطار الذى كان موجودا فى كل مدينة (كنا نقوم برحلة خاصة لرؤيته على الشاطئ الآخر من النيل)، وكنا نحافظ على "فروق التوقيت" إياها بين القاهرة وخارجها بعد أن ينطلق المدفع فى الإذاعة، وبعدها ينطلق الآذان من فوق مآذن الجوامع بلا ميكروفون زاعق كما يحدث هذه الأيام، فتتردد مجموعة أصوات المؤذنين العذبة (قبل استيراد الطريقة السعودية النشاز فى الآذان) كأنها سيمفونية كورالية كتبتها العبقرية الفنية الفطرية الكامنة فى وجدان الشعب المصرى. قلة بيرم.. وفوازير آمال نمضغ الطعام على مهل رغم جوعنا، فهكذا كان ينصحنا الأب المسيطر فى وجوده وغيابه بذلك المزيج المدهش من السلطة والحنان، وكان يؤكد لنا خطورة أن تفاجئ المعدة الخاوية فتحشر فيها الطعام حشرًا، وكان يذكرنا دائما بالحديث المنسوب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع"، وكان خيالنا الطفولى يحول هذه الكلمات أحيانا (بسبب عدم فهم صياغتها) إلى طرفة، لكن هكذا زرع أبى الدين البسيط فى أعماقنا: قواعد أخلاقية وسلوكية لأن الدين فى جوهره هو المعاملة، الدين هو أن يتذكر الجار المحتاج قبل أن يتذكر نفسه، وأن يمنح قطتنا الأليفة "منابًا" من اللحم مثلنا. كان الدين يسرى فى الحياة، كما كانت الحياة تسرى فى الدين، ونحن ـ الشعب المصرى ـ أضفينا على كل الطقوس الدينية حبا شديدا للحياة، فى ترنيمة الأذان وتلاوة القرآن وصدح التواشيح وفانوس رمضان والكنافة والقطائف والموالد.... كذلك كان رمضان فى طفولتى، يفسح المجال للدنيا والدين معا، فبعد أن يفرغ أبى من صلاة المغرب ليكمل إفطاره، كان صوت آمال فهمى ينطلق فى عذوبة: "فوازير رمضان" بلدغة محببة فى حرف الراء، وكانت تلك الفوازير أيامها فى بداية الخمسينات بدورها اختراعا مصريا خالصا، ظلت بعدها المعالجات تتلاعب به صعودا وهبوطا حتى باتت من هبت ودبت تصنع شيئا تسميه الفوازير، لكنها فى طفولتى كانت لصيقة بالفزورة الشعبية التى حاكاها شاعرنا العبقرى بيرم التونسى الذى بدأ هذا الفن فى الإذاعة، فالفزورة سطران أو ثلاثة تنطلق كالسهم الذى يجب عليك أن تلحق به قبل أن يهرب فى مزيج من الإبهام والاختزال الفنى، ولو أن آمال فهمى سوف تعطيك فرصة أخري: "نقول كمان" فتعيدها، لكن أرجوك أن تتأمل مثالا على ما أبدعه بيرم فى هذا المجال: "محبوبتى واقفة هناك، وتطل م الشباك، متخنصرة وعايقة، فى الهوى (الهوا) رايقة، تعجبنى رقتها، من لمس شفتها"، ولك أن تتصور أن هذا الغزل الرقيق فى... "القُلَّة"، التى أرجو أن يعرف معناها أبناء الجيل الجديد! بعدها كان ينطلق توزيع محمد حسن الشجاعى للحن الرئيسى لكورساكوف فى "شهرزاد"، وقد تحول إلى أغنية مصرية خالصة، معلنا موعد "ألف ليلة وليلة"، التى كتبها ببراعة درامية حقيقية الشاعر طاهر أبو فاشا، وأخرجها بابا شارو (محمد محمود شعبان)، وكانت هذه الدراما الإذاعية التى استمرت إلى مئات الحلقات عبر سنوات طويلة تعبيرا عن فن إذاعى راقٍ كنا قد اكتسبناه منذ الأربعينات، مع ما كان يسمى "برامج غنائية" مثل "الراعى الأسمر" (هل تتخيل أنها مقتبسة عن الأساطير الإغريقية؟!) و"خوفو" (عن بناء الهرم الأكبر!) و"عوف الأصيل" و"معروف الإسكافي" (من تيمات شعبية)، وعشرات غيرها، اشترك فى كتابتها كتاب شعراء مثل عبدالفتاح مصطفى، ولحنها ملحنون بقامة محمود الشريف، وغنت فيها أصوات مثل كارم محمود وعباس البليدى وعبدالحليم حافظ (قبل أن يصبح الأخير معروفا)، وأخرجها مخرجون مثل عبدالوهاب يوسف وأنور المشرى (وأعتذر بشدة عن عدم قدرتى ذكر عشرات الأسماء المهمة)، وهذا المناخ الدرامى الإذاعى هو الذى ولد فيه مسلسل "ألف ليلة وليلة"، الذى كنا نسمعه فنصدق أن زوزو نبيل هى شهرزاد، وأن عبدالرحيم الزرقانى هو شهريار، وكانت العوالم الخيالية تتجسد أمام أعيننا، وكان ذلك يتحقق من خلال إمكانات تقنية محدودة، غير أن شطارة الصنعة تسرى فى دمائنا، ولا أدرى أين ذهبت هذه الشطارة وتلك الصنعة. الولد الشقى فى صوت العرب فى مرحلة لاحقة انتقلت الدراما الإذاعية إلى اتجاهات متباينة، تبدأ من تحويل الأعمال الأدبية إلى مسلسلات مثل "عودة الروح" لتوفيق الحكيم أو ثلاثية نجيب محفوظ التى حفرت فى نفسى حتى اليوم حالة من الشجن الذى يمتزج فيه الفرح والحزن، ومثل "الولد الشقي" لعمنا محمود السعدنى والتى كانت تبدأ بأغنية صلاح جاهين وسيد مكاوي: "كان فيه واد إيه، كان فيه واد شقى، وزمان قالوا إيه، عمر الشقى بقي"، بل تحول أبطال "ساعة لقلبك" إلى هذه المسلسلات الإذاعية الرمضانية، وكان أولهم أبو لمعة (محمد أحمد المصري) والخواجة بيجو (فؤاد راتب) اللذين قدما محاكاة فكاهية لألف ليلة بمضمون سياسى (نعم، سياسي!!) فى إذاعة صوت العرب العريقة، ليتحول هذا القالب الفكاهى للأسف بعد النكسة وحتى منتصف السبعينات إلى نوع من الهزل الفارغ (عمدًا ومع سبق الإصرار) من أى مضمون برغم أنه كان لا يخلو من خفة الظل (وربما المرارة الخفية)، فى مسلسلات فؤاد المهندس مع شويكار التى كانت تعبيراتها المدللة تجرى على ألسنة الناس كل عام، كذلك المعلم محمد رضا، أو مثل مسلسلات أمين الهنيدى مثل "أشجع رجل فى العالم" أو "شنطة حمزة" التى تحول أسماء صانعيها فى التتر إلى أغنية: "طيب هى بطولة مين؟ بطولة عمو أمين، ومين كتبها قولوا لي؟ عبدالمنعم مدبولي"! تكون صلاة العشاء قد حلت، وتبدأ تلاوة القرآن فى التاسعة حية على الهواء من قصر عابدين كل ليلة، بينما ننطلق نحن إلى الشوارع نلعب بفوانيس من صنع مصر وليس الصين، فوانيس مصنوعة من زجاج ملون حقيقى وصفيح وتوقد بداخلها الشموع، وكانت تصنع من مواد بسيطة فقيرة هى فى الأغلب "خردة" صناعات أخرى، لكننا كنا نعرف كيف نصنع عالمنا ونخلق فيه البهجة، نشترى من البقال ما تريده الأسرة ثم نطلب من البائع أن يعطينا شيئا "فوق البيعة"، فيكبش بيده كمية من اللب أو قطع الحلوى، ومن بعيد كان يأتينا صوت شاعر الربابة سيد فرج السيد (مرة أخرى وليست أخيرة أعتذر عن نسيان أسماء أخرى لعل أحدا يهتم بأن يذكِّرنا بها)، يشدو بملاحم شعبية أعاد صياغتها بيرم التونسى، فكأن الدراما الإذاعية نجحت فى أن تقدم حلا عبقريا لأزمة شاعر الربابة فى رواية نجيب محفوظ "زقاق المدق". كل سنة وأنت طيب يا حاج كانت لدينا الرغبة الحقيقية فى الحياة، لأنه كانت لدينا القدرة على صنع الحياة، القدرة شديدة البساطة التى تقوم على الإرادة أولا، واستغلال الإمكانات المتاحة ثانيا، وتحقيق العدالة الاجتماعية قبل كل ذلك جميعا، وهناك مثل شعبى ينطبق على الأفراد والأسر كما ينطبق على الأوطان: "مفيش حاجة اسمها فقر، فيه قلة رأي"، لكن "الباشاوات" ليست لهم أى رغبة (أو قدرة؟؟؟؟) فى صنع حياتنا، فالمهم هو صنع حياتهم هم على مقاسهم، بينما يسير "الحجاج" من أبناء الطبقة الوسطى أو الفقيرة، العجائز منهم والشبان (هل تأكدت أن المسألة ليست صراع أجيال؟)، يسيرون فى حياة لم يختاروها ولم يشاركوا فى صنعها، لكن ما الذى جرنا مرة أخرى إلى السياسة؟ خلينا والنبى فى رمضان!! أحيانا لا أنزعج من أن ينادينى أحدهم بلقب "حاج"، بل ربما أبتسم، لأننى أتذكر عندئذ بعض سطور من قصيدة صلاح جاهين "فنجان قهوة" يقول فيها: "عيل فى سن المدرسة قال لي: يا حاج، وأنا زرت بيت الله لكين ما اسميش كده، وولية حبلى قالتها تانى عقلى وجّ.... ولقيتنى واقع يا حرام، فى مقلب الزبالة والدبان أمم، يتوددوا لى بدفء مصرى، ويقولوا لى، قوم يا حاج، ما يقع غير الشاطر يا حاج، وألف ألف سلامة ليك.. يا عم الحاج"... وأنت يا عزيزى القارئ، كل سنة وأنت طيب يا حاج!!
 
  تقييم المقال
المعدل: 4.42
تصويتات: 7


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


  خيارات

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة


  روابط ذات صلة
· المزيد من